السبت، 5 ديسمبر 2020

هالة وردي: ماذا حدث بعد وفاة الرّسول (ص)؟ (1)

ارتفع صوت تكبير صاخب من المسجد القريب للبيت الذي كان يجهّز فيه جثمان الرسول (ص)، وسرعان ما وصل أسماع علي والعباس اللذان كانا يغسّلان النّبي رفقة أفراد آخرين من العائلة في إحدى الغرف. توقف علي ونظر في عمه العباس متسائلاً عما سمعه. رفع العباس عينيه إلى السّماء مفجوعا: «لقد فعلوها ورب الكعبة». لم يع علي ما يدور، وذهب يفتح الباب بعد أن سمع طرقا. قابله البراء بن عازب، أحد الأنصار من الأوس، لاهثا ومتعرقا وقال له: «يا معشر بني هاشم بويع أبو بكر».

وقف علي متفاجئا محتارا كيف تمت مبايعة أبي بكر دون الرجوع إلى عائلة الرّسول (ص). بقي العباس خلف علي مندهشاً، يدور حول نفسه كأسد في قفص وهو يردد: «ألم أقل لك يا علي؟ ألم أقل لك يا علي؟». كان العباس قد اقترح على ابن أخيه علي أن يبايعه بمجرد إعلان وفاة الرسول (ص) قائلا: «أخرج حتى أبايعك أمام أعين الناس، فلا يختلف عليك اثنان»، فردّ علي: «هل منهم من ينكر حقنا، ويستبد علينا؟».

  • سترى أن ذلك سيكون، تنبأ العباس.

بالنسبة لعائلة الرسول (ص) فانتخاب أبا بكر خطأ في شكل والمضمون. من ناحية الشّكل أعتبر انتخابه بمثابة قرار جائر لم تشارك فيه عائلة الرّسول (ص)، أما من ناحية المضمون فهي لا تتّفق مع خروج الحكم من عائلة الرّسول (ص). لقد زاوجت الحجّة الدينية التي تعطي الأولوية لآل البيت، أي العائلة المقدسة، الحجّة العشائرية التي ساقها أبو سفيان: «الحكم لا يجب أن يغادر العشيرة الهاشمية الرفيعة ليقع بين أيدي عشيرة صغيرة من قريش».

احتج الفضل بن العباس ابن عمّ الرّسول (ص) بشدّة على هذا الانقلاب العشائري، واتهم عشيرة التيميين، وهي عشيرة أبي بكر، بالانقلاب على السلطة المتوارثة للأرفع عشائر قريش. تسبب إبعاد علي الذي لطالما اعتبره جميع أهل البيت كوريث طبيعي ﻟ «محمد (ص)»، كما موقف عشائر قريش الذين ابتهجوا لخروج الحكم من يد الهاشميين، مدفوعين بغيرتهم، في إحباط شديد ﻟ «الفضل».

لقد شكّل انتخاب أبا بكر استمرارية للثورة الاجتماعية التي قام بها النبي، وكان بمثابة انقلاب في سلم تراتبية النظام القديم بحسب عمر، في الحقيقة، كانت هذه الثورة مطلب كثير من القرشيين، الذين لم يعد بوسعهم قبول هيمنة عشيرة عبد مناف، حيث قال عبد الله بن العباس، ابن عمّ الرّسول (ص): «يا معشر قريش، وخصوصا يا بني تيم، إنكم إنما أخذتم الخلافة بالنبوة، ونحن أهلها دونكم، ولو طلبنا هذا الأمر الذي نحن أهله لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا، حسداً منهم لنا، و حقداً علينا، وإننا نعلم أن عند صاحبنا عهدا هو ينتهي إليه».

اصطف كلّ أعضاء الأسرة الهاشمية خلف علي، حتى أبناء أبي لهب، العم المشيطن للرسول – اسمه أبو لهب لأنه موعود في القرآن بنار جهنم – أبدوا تضامنهم مع زوج فاطمة باسم التضامن العشائري، ثم الورع الديني، خصوصا بعد حادثة «غدير خم»، التي لا زالوا يتذكّرون تفاصيلها، فلا أحد تصوّر التشكيك في أولوية علي. بعودته من حجة الوداع بمكة، أمام الآلاف، قدّم الرسول (ص) خطبة طويلة قرب هذا الغدير، وفيها رفع يد علي وهو يشدد: «من كنت مولاه، فعلي مولاه». فهم الجميع أن الرّسول (ص) قد عيّنه خليفة له، أوّلهم أبو بكر وعمر اللذان لم يضمرا نفاقا ولا غيرة، سارعا إليه وهنأه عمر بقوله: «هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى جميع المؤمنين والمؤمنات».

على الرغم من ذلك وفي مواجهة طلب عائلته والأنصار والقرشيين، أبدى علي لامبالاة واضحة. بدا غير مهتم بالخلافة، لا رغبة له بها و ذلك ما يدل عليه رفضه قبول دعم أبي سفيان ومطالبة الأنصار له. من المؤكد أنه في الوقت ذاته رفض مبايعة أبو بكر كي لا يضطر لمواجهة عشيرته.

حتى بعد وفاة أبي بكر لم يسارع علي طلبا للخلافة، ترك المجال فسيحا لعمر وعثمان  يسبقانه إليها، ما تسبّب له في استياء عمّه العباس بشدة وعاتبه قائلا:  لم أدفعك إلى شيء إلا رجعت إليّ متأخراً بما أكره: أشرت عليك عند وفاة رسول الله في هذا الأمر فأبيت وأجبتني: والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس أبدا فوالله لا نسأله أبدا. وأشرت عليك بعد وفاة رسول الله أن تعاجل الأمر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت، فاحفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم فأمسك إلى أن يولوك، واحذر هذا الرّهط فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا فيه غيرنا».

إذا لم يسع علي للمعارضة فإن المعارضة قد سعت إليه: في مواجهة جموده جعل أنصاره من بيته، أو بالأحرى بيت زوجته فاطمة، معسكراً. بالنسبة إليهم، لا يمكن لأي كان أن يدنو من البنت المفضلة لرسول الله. تحصّن أربعون شخصا ببيته، خالوا أنه مكان لا يمكن لأحد أن يقترب منه أو يهاجمه. أذعن علي وبدا منقادا. تكوّنت هذه المجموعة من أقارب الرسول وأصحابه المقربين. إضافة إلى فاطمة وعلي والعباس وابنه الفضل، حضر أبناء عمومة الرسول: الزبير بن العوام، عتبة بن أبي لهب إضافة لبعض أشراف قريش مثل خالد بن سعيد بن العاص وسعد بن أبي وقّاص، سرعان ما انضم إليهم بعض المهاجرين مثل سلمان الفارسي، عمار بن ياسر، مداد بن عمر وأبو ذر الغفاري وبعض الأنصار المعروفين مثل البراء بن غريب، أبي بن كعب، فروة بن عمر وخريمة بن ثابت. يروى أن ابن عم أبي بكر طلحة بن عبيد الله كان من المعارضين.

لقد أقلقت نواة المقاومة هذه أبا بكر كثيرا، واختار طريق المفاوضة أولاً. طلب المشورة من عمر والمغيرة بن سعبة، اللذان رأيا ضرورة الإرسال في طلب العباس عم الرسول واقتراح مشاركته في الحكم، بصيغة تمكّنه من إشراك أبنائه فيه من بعده، وبهذه الطريقة سيتم عزل علي.

حسم أبو بكر بالذهاب مساءً، فلن يخسروا شيئا بالمحاولة، وتفاجأ العباس برؤية الخليفة وابن الخطاب متبوعين بابن عبيدة والمغيرة، لديه، فسألهم أمر زيارتهم.

  • اسمع يا عباس، قال أبو بكر: قد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا، يكون لك ولعقبك من بعدك، إذ كنت عم رسول الله…

ابتسم العبّاس مغتبطا، وذلك ما لحظه عمر، الذي سرعان ما قطع عليه فرحته بقوله: «أي والله، وأخرى أنا لم نأتكم حاجة منا إليكم ولكن كرهنا أن يكون الطّعن منكم فيما اجتمعت عليه العامّة، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم ولعامّتكم». رفع أبو بكر رأسه إلى السّماء مدركا أنه كان من الأفضل أن يأتي لوحده. نظر العباس في عمر بطرف عينه محتقرا ولم يرد عليه، بل توجه إلى الخليفة: «إن الله بعث محمدا كما زعمت نبيا وللمؤمنين وليا، فمن الله بمقامه بين أظهرنا حتى اختار له ما عنده، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا، مصيبين للحق لا مائلين عنه بزيغ الهوى (…) وأما قولك: إن رسول الله منا ومنكم، فإنه قد كان من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها».

بعد هذا الجواب الحاسم لم يسع أبا بكر غير العودة على عقبيه، فقد أيقن أنه توجب عليه أن يُخضع عليا، حتى وإن لزم الأمر استخدام طرق عمر المتسرعة.

بعد أيام قلائل أمر عمرا: آتيني به بأعنف العنف. استقبل علي الصّحابي ابن الخطاب ببرودة ولكن لم يرفض مقابلة الخليفة. قبل أن يقوم يتبعه إلى الخليفة لم يتمكن من كبح التهكم من حماسة ابن الخطاب المفرطة: احْلُبْ حَلْباً لَكَ شَطْرُهُ اشْدُدْ لَهُ الْيَوْمَ لِيَرُدَّ عَلَيْكَ غَداً.. (يُتبع)

 

ترجمة: كريمة.أ.نواصر

عن كتاب: «خلفاء ملاعين، التمزّق»، هالة وردي، 2019

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …

عْبالله نسعِيدِي (1896-1979)

 ايترجميث غثقبايليث: جلال الدّين سماعن عبد الله جيجلي (ثَازْوَارَا، النَقْمَايْنِيسْ تَاغِيتْ “سعيدي” مِّي أُومْبَعَذْ عَلَى …