الأحد، 9 أغسطس 2020

ماذا يقصد محمد ديب بعبارة «الكلام المشترك» (2)؟

لامية أوشريف

محمد ديب
محمد ديب

الاضطراب الذي يشعر به كمال وائد لا نجده عند برهان، البطل الرئيسي لرواية «ثلوج من رخام» (1990). برهان والد فتاة صغيرة تدعى ليل. بالرغم من اختلاف لغتيهما إلاّ أنّ الشّخصيتان نجحتا في إيجاد «كلام مشترك». لا تتكلم ليل لغة والدها كون هذا الأخير متزوّج من امرأة أجنبية اسمها روسيا ذات ثقافة مختلفة تماما عن ثقافته. تعيش ليل مع أمّها بعد طلاق والديها فكانت بذلك اللغة الوحيدة التي تتقنها هي لغة الأمّ. عوض أن يخالجه شعور بعدم القدرة على التواصل مع ابنته بنجاح، يصرّح الأب – الرّاوي بأنّه وبالعكس نجح في تخطي عقبة الاختلاف اللغوي:

«شيئا فشيئا نسيت مخاوفي بل نسيت حتى هذا الجدار اللغوي المنتصب بيننا. وشيئا فشيئا عثرنا لنا على كلام مشترك، كلام من خلال كلام آخر، الكلام الأجنبي. (Erhalt، uns، Herr، bei، deinem Wort) [كلمات وردت هكذا بالألمانية في النص الأصلي – المترجم]. كلام يكفينا ويوحدنا. ولا أتصوّر حاليا أن تشوبه أدنى شائبة».

إذا كان الأب – الرّاوي قد صرّح بأنّه قد نسيّ مخاوفه فهذا بسبب حادث عاشه من قبل ولا يستطيع محوه من ذاكرته. لقد سبق وعايش شعور عدم قدرته على فهم ابنته وذلك بسبب كلمة واحدة، «valo»:

«كانت تُكرّر هذه الكلمة، valo، ولا غيرها. لم أفهم ما كانت تريده. كانت تنتظر. لم أستطع إدراك ما كانت تقصده […] كنت أنظر إليها، بلا حول ولا قوّة […] كانت مأساة حقيقية. اجتاحتني رغبة في أن أتلفظ بروحي […] سيلزمني الكثير من الآن فصاعدا كي أنسى معنى كلمة valo».

غير أنّ هذه الحادثة تشكل استثناءً في نص «ثلوج من رخام»، ذلك أنّ الوالد بنفسه يشير إلى أنّه لم يعايش بعدها مثل هذه المشكلة مع ابنته. كان ذلك بفضل الكلام الذي يتقاسمانه، كلامهما المشترك. لم يكن هذا الأخير لغة الأب ولا لغة البنت، بل كانت لغة متشاركة كما يوحي بذلك اسمها. ثم إنّ التشارك الأكثر جلاءً في النصّ هو ذلك الذي جمع بين الوالد وابنته. لا شكّ في أنّ كِلا الشخصيتين يحدث وأن تستعمل كلمات قد تبدو غريبة بالنسبة للقارئ مثل Tuhma، kato… (تلفظت بها البنت) وSpasiba، dievothka maia… (التي استعملها الأب). لن يتفاجأ القارئ بمثل هذه الكلمات لأنّ الأب – الرّاوي بنفسه قد سبق وأن هيأه لتلقِّيها وذلك حين شرح له منذ البداية بأنّه في بلد أجنبي وسيستلزم ذلك عليه، عند الضرورة، الحديث بلغة البلد الأجنبية. هكذا لا تعدو الكلمات الأجنبية المبعثرة في النصّ إلاّ محض وصف لواقع الأب.

بالإضافة إلى ذلك، لا يجب على القارئ أن يصّب جام اهتمامه على هذه الكلمات الأجنبية إذ يكفيه السعي إلى ترجمتها ليفهم معانيها. ثمّ إنّ أصعب شيء يمكن ترجمته في هذا النصّ ليست هذه الكلمات الأجنبية وإنّما تلك الحقيقة الأساسية الواردة فيه والتي تفرض على القارئ أن يقتنع بإمكانية تواصل شخصيتين في حين أنّهما لا تشتركان في نفس اللغة. هكذا يتعيّن على القارئ البحث عن كيفية تمكنهما من التواصل فيما بينهما. سيشير الوالد إلى بعض الاحتمالات التي سمحت له بمخاطبة ابنته كالإيحاءات والإشارات، في اشارته هذه سيقود القارئ إلى إعطاء المعنى المناسب للفظة مثل لفظة «كلام». بالفعل، فالأب هنا ليس بصدد الحديث عن لغة مشتركة وإنّما عن «كلام مشترك». هكذا وجب وصم هذا الكلام بكونه متفردا، إنّه كلام خاص وهو بنفسه من يمنحنا تعريفا لنصّ «ثلوج من رخام». في هذا الأخير، يتخذ كل من الأب والبنت خطابا يشرح من خلاله ما يقصده بالكلام المشترك.

يصرّح الأب: «هيا يا ابنتي، سنفهم بعضنا البعض. كلانا على معرفة بما يقصده فعل الكلام. في العمق، ليس الأمر على علاقة بما يفعله النهار ولا بما يفعله الليل، حين يطلع الأوّل، يغيب الثّاني، أو العكس. لا، الأمر متعلق بشيء آخر». أمّا البنت فتقول: «لكل منا، أنا وأبي، لغته الخاصة. له لغة مغايرة لكنّني أفهم كل ما يقوله لي حتى ولو كنت جاهلة للكلمات. إنّني أفهم أيضا ما لا يقوله».

صحيح بأنّ كلا الخطابين يحملان في طياتهما شيئا من الغموض، لكن هذا الغموض هو من يسمح لنا بإدراك تفرّد هذا «الكلام المشترك». نستطيع القول بأنّ كلمة «كلام» بالنسبة للأب وابنته هي مرادف لكلمة اتصال. بالفعل، علينا أن نُدرج في هذا الكلام كلّ الوسائل التي اختارتها الشخصيتان من أجل التواصل فيما بينهما: الكلمات، الإيحاءات، الإشارات، بل حتى الصّمت – ألم تقل البنت وبشكل مباشر بأنّها تفهم والدها حتى حين لا ينبس ببنت شفة. هكذا يغدو هذا الكلام المشترك هو ذاته كلام النصّ كيف لا وكلٌ من الأب وابنته يطالبان به ويعتبرانه الكلام الوحيد الذي يقبلان من خلاله التعبير، فهو وحده من يكفل تفاهمهما. يمثّل هذا الكلام المشترك حيّزا حصريّا تعيش فيه الشخصيتان. هو كلام حصري كونه يتكشّف في فضاء هو أيضا حصري؛ فضاء يحمل في رواية «ثلوج من رخام» اسم البرزخ:

«ما الذي حدث لهذا الجزء من العالم؛ ما الذي جرى لأيامه وللياليه؟ هل تهاوى في منطقة وسطى لم تعد فيها مكوّنات الزمن تقول شيئا إلا لتقصد به نقيضه؟ في الصّيف، أنت منفيّ من اليوم حتى ولو كان الوقت رابعة النهار (…) عجز سنويّ يقدّر بستة عشر يوما. أليس هذا هو البرزخ إذا ما قُدّر له أن يوجد وأن نحيا فيه؟».

يُمكن إذن اعتبار الكلام المشترك كرمز، رمز التشارك والتهدئة، رمز لكلّ ما بإمكانه أن يجلب السكون والأمان لأبٍّ مبلغ همّه هو أن يعيش، أن يعيش فوق أرض «تُريدُه». لكنّها أرض لها خاصيّتها المميّزة، تلك التي تُذكِّر الأب بأصوله. وجب الإشارة هنا إلى تكرار وتعدد معاني كلمة «البرزخ» في القرآن. سنحتفظ هنا بواحد من المعاني والذي يمكننا استنباطه من خلال هذه الآيات: «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ» (سورة الرحمن). باستطاعة هذه الآيات أن تساعدنا على الفهم الحسن للسياق الذي يأمل الأب أن يجد نفسه فيه: إذا كان هنالك هدف واضح حدّده لنفسه طيلة النصّ فهو لا يعدو إلاّ أن يكون اكتساب القدرة على مصالحة الأضداد. وبالتالي فإنّ كلمة البرزخ كما وردت في القرآن تُترجِم بالضّبط رغبة هذا الأب. وكم هي كثيرة تلك الأضداد التي يشير إليها برهان: الليل والنهار، النور والظلام، الحضور والغياب، إلخ. يحذو الأب – الرّاوي أمل في تجميع كلّ هذه الأضداد لتسجيلها في عالم معيّن هو عالم البرزخ. والتضاد الذي يمثّل أحسن تمثيل هذا المكان هو ذلك التضاد بين الشخصيتين الأب/الذكر والبنت/الأنثى.

لكن أليس من واجبنا عقد مقارنة بين برهان ومارتا، زوجة ماجر، التي نجحت في التكيّف مع الثقافة الجزائرية ولتثبت ذلك – كما رأينا – تستشهد بآيات من القرآن أثناء حديثها؟ تقول نجاة خدة بأنّ «استعمال مارتا لآيات من النصّ المقدس والتي تعلّمتها من زوجها ماجر فيه مزاوجة بين السمات العاطفية والسمات المعرفية للنصّ مما خلق حيادا في اللّغة الأجنبية فيما يخصّ كلمات اللّغة الأصلية والتعليم الإلهي. مثله مثل مارتا، نجح برهان في التكيّف مع ثقافة الشمال وهو القادم من الجنوب. مثلها أيضا استطاع أن يُزاوج بين المعرفي والعاطفي وذلك بفضل مكان أسماه «البرزخ».

وظّف محمد ديب عبارة «الكلام المشترك» في رواية «الرّب في البربرية» ثم عاد ووظفها بعد عشرين سنة في روايته «ثلوج من رخام» وكأنه يروم أن يجعل منها عبارة كونية. في الرواية الأولى تطرّق إلى الثقافتين الجزائرية والفرنسية بينما في العمل الثاني تحدث بشكل أكثر شمولية عن جزأين من العالم، الشمال والجنوب.

ترجمة: جلال الدّين سماعن

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …

عْبالله نسعِيدِي (1896-1979)

 ايترجميث غثقبايليث: جلال الدّين سماعن عبد الله جيجلي (ثَازْوَارَا، النَقْمَايْنِيسْ تَاغِيتْ “سعيدي” مِّي أُومْبَعَذْ عَلَى …