الأحد، 9 أغسطس 2020

ماذا يقصد محمد ديب بعبارة «الكلام المشترك»؟ (1)

لامية أوشريف

محمد ديب
محمد ديب

في هذه الورقة، سنحاول مقاربة عبارة «الكلام المشترك»، التي استعملها محمد ديب في روايتين من رواياته: «الرّب في البربرية» (1970) و«ثلوج من رخام» (1990). يبدو لنا بأنّ تحليل هذه العبارة في السيّاق الذي وردت فيه سيسمح لنا بفهم نظرة الكاتب تجاه مفهوم المثاقفة في الأدب. بالفعل، فإذا كان الكاتب قد عاد بعد عشرين سنة واستعمل هذه العبارة في روايته ثلوج من رخام – بعدما استعملها لأوّل مرة في روايته الرّب في البربرية – فذلك، يقينا، كمحاولة منه لإثراء تعريفها. بالاستعانة بدراسة مقارنة، سنسعى لإظهار المعنى الذي يمكننا إعطائه لهذه العبارة في كلتا الروايتين ولكن أيضا سنجرّب معرفة الأبعاد الثقافية التي تنطوي عليها.

في رواية «الرّب في البربرية»، يقوم البطل، كمال وائد، باستعمال هذه العبارة وكأنّها خاتمة لتدبّر كان قد بناه من خلال ملاحظاته. هذه الأخيرة مرتبطة بعديد اللقاءات التي جمعته بمختلف الشخصيّات والتي لم تكن تشاطره في كلّ مرة الآراء نفسها. مسيرة كمال وائد هي مسيرة مثقف يقتفي النظام، «النظام العام، الأخلاقي والفكري»، هي مسيرة شخص مناهض للظلامية ومناهض لأولئك الذّين غذّوا الروح الجزائرية «بممارسات الشّعوذة». حين يتحدّث وائد عن الظلامية فهو يقصد ما يسمّيه «القدّيسون» (الأولياء الصالحون أو المرابطون) والذّين يعتبرهم سبب ضياع الشعب الجزائري. بحسب وائد، لكي نحقق التقدّم يجب أولا أن نفهم ذاتنا وأن نبحث عن هويّتنا، ولن يتأتّى ذلك إذا ما نحن اكتفينا بالتشبث بالماضي، أي بالتقاليد؛ الأهمّ هو التطلع نحو المستقبل. تُعلِّق نجاة خدة قائلة: «الهويّة ليست شيئا نبحث عنه فقط بالالتفات أو بالنبش في الأعماق الثقافية للماضي، (…) هي بالتأكيد ما نكتسبه ونحن ننظر إلى الأمام، (…) تتوّلد الهوية من الصراعات».

بيد أنّ مثل هذا البحث هو مهمة عسيرة في نظر كمال وائد. ومع ذلك، تبدو خطاباته واضحة، هو يعلم ما يريده وكلّ شيء بالنسبة إليه هو قضيّة منطق؛ يقول: «أفضل ما نستطيع فعله لنبرهن على إدراكنا لحقيقة الأمور هو – نعم، بشكل منطقي – أن نسلّم قدرنا لهذه الامبراطوريات المحيطة بمعسكرنا». كلام وجهّه للدكتور برشيق الذي لم يكن يشاطره الرأي إطلاقا حول مسألة العلاقة بين الغرب والجزائر. يقرّ وائد بأنّ الجزائريين يلزمهم وقت أكبر ليحسنّوا من طريقة عيشهم. هو يرى بأنّه ومن واجب كل جزائري «أن يعهد بنفسه» للغربيّين كون هؤلاء معروفون بتقدّمهم في كافة المجالات: الاقتصادية، الاجتماعية، إلخ. ثم إنّ «النظام» هو أكثر ما يمثّل التطوّر، كان هذا هو الاكتشاف الذي توصّل إليه وائد أثناء تواصله لأوّل مرة مع الشخصيّات المختلفة المحيطة به، الدكتور بشريق، حكيم ماجر، إلخ. زد على ذلك، فقد قرر بأنّ «كل فرد لا يمتثل للنظام سيكون بمثابة عدوّ شخصيّ له».

لا شك أنّ كمال وائد استطاع التعبير عمّا يشغله وكثيرا ما بدى «منطقيا» في طرحه، إلاّ أنّ الرّاوي وأثناء وصفه للقارئ لأفكار شخصية كمال وائد فإنّه يقدّم شيئا آخر مغاير تماما بل مناقض لما تقوله الشخصية عن نفسها. هكذا يُظهر وائد وهو جاهل تماما عما يبحث عنه:

«في مواجهة أفكاره (…) بذل كمال جهدا ليجد معنى ما لشيء – لم يعد يدرك ما هو بالضّبط. أمكننا القول بأنّه يبحث عن معنى لكلّ ما يُهاجمنا ويشغل بالنا مهما تعددت أقنعته، معنى لكل هذه السخرية التي يبديها العالم إزائنا. معنى لهذه الثمالة التي شعر باجتياحها له…».

الرّب في البربرية
الرّب في البربرية

نستطيع القول بأنّ كمال وائد قد وجد نفسه في عالم ضائع، عالم سيقوده، كنتيجة حتمية، إلى عدم معرفة ما يجب فعله أو ما يجب قوله. تتضح أكثر هذه الحالة حين يكون بمعيّة والدته ويطرح عليها أسئلة متعلقة بوالده. بالفعل، مشكلة الهوية التي يعيشها لا تتعلق فقط ببلده لكنها أيضا مرتبطة بغياب والده. يبلغ الأمر ذروته إذا ما علمنا بأنّه قد نجح في تحقيق مشوار دراسي مبهر في فرنسا وذلك بفضل شخص لا يعرفه حتى، كما أنّ والدته ترفض طوال الرواية أن تفصح له عن هويته. تنتهي في كل مرة أحاديثهما بمشاجرة تُجبر الابن على مغادرة البيت العائلي والمبيت عند أصدقائه. أمّا والدته فتحاول بدورها استعادة هدوئها بفضل لالة سادية، هذه الأخيرة تُحضر لها في كل مرّة «طاردة الأرواح الشريرة» الحاجة زينوبة والتي تتمثل مهمتها في حماية كمال من «العين الحاسدة». لم يكن كمال وائد على دراية بكل هذه «المكائد» التي كانت تدبّر في منزله. وفي الوقت الذي كانت فيه والدته منشغلة بهذه الممارسات اللاعقلانية، كان هو يردّد على مسامع أصدقائه:

«كلنا، أنا وأنتم، على معرفة بحجاب الظلامية هذا الذي ألقته على البلد عبادة الأولياء الصّالحين. كلنّا مدركون لممارسات الشعوذة، الأشربة، التمائم والطلاسم التي خلقتها هذه العبادة. لقد شوّشت ضمائر الناس، أبهتتها وأصابتها في مقتل… وكل هذا والناس على وعي بما يحدث بين ظهرانيها».

هذا الكلام خاطب به كمال صديقه حكيم ماجر. هذا الأخير شخصيّة متصوّفة، يؤمن بالأولياء الصّالحين وبقدرتهم على حماية الناس. يحوي خطابه حججا مناهضة لأفكار رفيقه:

«إنّك تنظر إلى هؤلاء الطيّبين الشجعان على أنّهم أعداء ورثناهم من الماضي، ثم على ماذا تلومهم بالضّبط؟ على أنّه تم استعمال قداستهم بعد موتهم لأغراض مشينة؟ حججك واهية (…) عليك أن تلقيّ باللائمة على مجتمعنا ضيّق الأفق، المتخلف والمتطيّر لا أن تتهم هؤلاء الأولياء بإفساد ضمائرهم (…) بالعكس، لقد كانوا أهل صحوة بكل ما تعنيه الكلمة، وسيبقون حماة الشّعب شاء من شاء وأبى من أبى».

يُدافع ماجر عن الأولياء الصّالحين – الذين ينعتون بـ «متسولي الله» – ويصّر على حقيقة أنّه بفضلهم استطاع الشعب الجزائري المحافظة على بعضٍ من تقاليده. هو يرى بأنّ الإيمان بمتسولي الله اعتراف بجزء لا يتجزأ من تراث الجزائر. وحتى وإن هم لم يقدّموا شيئا ملموسا لبلدهم، فماجر يظنّ بأنّهم قد تمكّنوا من توريث شعبهم ثقافة مصبوغة بالدّين الإسلامي. وليستفيض في تَبيان محاسن متسولي الله، يستدل ماجر ببعض الآيات من القرآن الكريم: «(…) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)». بهذه الآيات يوضّح ماجر لرفيقه بأنّه غير مسموح له أن يصدر أحكاما في حقّ هؤلاء الأولياء الصّالحين ويتهمهم بأذيّة الشعب الجزائري وجعله شعبا «ضيّق الأفق» و«متخلفا». ماجر لا يرى وجودا «لحدود» حقيقية بين الشر والخير، يقول: «يمكن اعتبار الشر كمقابل خفيّ للخير!». وفقا لهذا الاعتبار، هو يرى بأنّه إذا كان بعض الجزائريين يعتقدون بأنّ الأولياء الصالحين هم مصدر ضياع الشعب الجزائري (حالة كمال) فبعضهم الآخر يتخذون موقفا مناقضا فيدافعون عنهم ويقرنونهم بكل شيء متعلق بالخير؛ ووحده الله من بيده «الكلمة الحق».

من بين هذا «البعض الآخر» أمكننا تسليط الضوء على مارتا، زوجة ماجر. هي امرأة فرنسية تتقاسم الآراء نفسها مع زوجها ولا تتوان في دعمه وذلك بالاستدلال بآيات قرآنية: «قل أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)». علاوة على ذلك، أنشأت مارتا بمعيّة زوجها جمعية خيرية تُعنى بالفقراء، وغالبا ما يسجلان حضورها كلما تعلق الأمر بمد يد العون للآخرين. ثم إنّ كمال وائد هو أكثر شخصية يسعيان باستمرار لمساعدتها. بالفعل، في كلّ مرة يرغب هذا الأخير نسيان همومه يتوجّه طواعية نحو منزل صديقه ماجر. فعل ذلك، مثلا، حين نشب خلاف بينه وبين والدته بسبب أسئلته حول مصدر الأموال التي درس بها. لكنّه حين يحلّ بمنزل صديقه لا يفاتحه بتاتا عن مشاكله بل يكتفي، على جري عادته كلما التقى بحكيم ماجر، بطرح أفكاره حول ما يجب وما لا يجب فعله في سبيل بلوغ التقدم.

ثم إنّه وجب التوضيح أكثر بأنّ كلتا الشخصيتين، كمال وحكيم، وبالرغم من تناقشهما في الكثير من المرّات في موضوع مستقبل بلدهما إلاّ أنّهما قلّما تتفق آرائهما. لكل منهما رؤيته الخاصة للعالم: يميل كمال إلى العقل ويرى بوجوب تفسير عقلاني لكلّ شيء؛ حكيم، من جهته، يظن بوجود أشياء في الحياة لا يمكن تفسيرها، يقول: «لا تعتريني أيّ رغبة في إيجاد تفسير للكثير من الأمور». حين يعجز كمال وائد عن إيصال رسالته لمن هم حوله، يستأثر بأفكاره لنفسه ويخاطبها:

«للأمر علاقة بشيء آخر، شيء آخر مختلف تماما. إنّها تلك اللعنة المأساوية التي تقوِّلنا كلاما حين نكون بصدد التفكير في أمر آخر؛ إنّهما هاذين الجزأين اللذان بداخلنا واللذان يأبيان التواصل، يأبيان التصالح أو إيجاد كلام مشترك ليتم تبادله».

هذا إذن هو المبتغى الحقيقي الذي يسعى إليه كمال وائد: كلام مشترك ليتم تبادله، إيجاد كلام مشترك يعكس ثقافة موحِّدة لكلتا الثقافتين الجزائرية والفرنسية. بيد أنّه وإلى نهاية الرواية سيفشل في العثور بل حتى في تعريف هذا الكلام المشترك. حين كان عند آل ماجر، قال مخاطبا نفسه:

«أنا هنا أثرثر، آكل، وأبحث في المكان… الخطأ! ثم ألا ينفكون يردّدون بأنّني أحاول التشبث بأي غصن ألمحه بالقرب مني؟ بأنّني أتبيّن طريقي في كلّ وجه أقابله؟ كأنّما كل واحد منهم في مقدوره تحديد الوجهة التي أنّا مولّيها! كأنّهم لا يفعلون إلاّ ردّي إلى نفسي وتحديدا إلى ما أعرفه، إلى ما أحسّه: فقط إلى ما أنا عليه!».

من خلال هذا المقتطف، يصرّح كمال وائد بهذا الاضطراب الذي يعتريه ويقدّم بنفسه حوصلة لبحثه عن هويته؛ الشخصيات التي حاورها لم تتمكن هي أيضا من مساعدته على معرفة ذاته. بقيّ الشخص نفسه الذي مثلما كان قبل أن يواجه بأفكاره هؤلاء الذّين يعرفهم: جون – ماري آيمار، حكيم ماجر، الدكتور برشيق وأخيرا سي عزَالله. هذا الأخير هو من ذكرت اسمه لالة سادية حين أراد وائد معرفة هويّة الشخص الذي سدّد تكاليف دراسته. قبل أن تستطرد موضحة بأنّ سي عزالله لم يكن إلا وسيطا بين السيدة وائد والشخص الغامض. هذا الأخير ليس إلاّ الدكتور برشيق. هكذا إذن لن يكتشف القارئ، حاله حال كمال وائد، الحقيقة إلاّ من خلال الصفحات الأخيرة من الرواية.. (يُتبع)..

ترجمة: جلال الدّين سماعن

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …

عْبالله نسعِيدِي (1896-1979)

 ايترجميث غثقبايليث: جلال الدّين سماعن عبد الله جيجلي (ثَازْوَارَا، النَقْمَايْنِيسْ تَاغِيتْ “سعيدي” مِّي أُومْبَعَذْ عَلَى …