السبت، 4 يوليو 2020

طعم القُبلة في زمن كورونا

كريمة.أ.نواصر

من الحاجة البيولوجية إلى المأسسة الاجتماعية، تراوح تاريخ القُبل والتّقبيل بين الشّعوب والحضارات في مختلف الحقب الزمنية، واختلفت أشكاله وتفريعاته، بحسب غاياته النفسية والاجتماعية وحتى السياسية. لم تترك جائحة «الكورونا» مجالا دون أن تصيبه بتغيير أو تستدعي إعادة تفكير في جوهره وشكل ممارسته وحتى جدواه، لعل تبادل القُبل بأنواعها قد أصبح مصدرًا للتوجّس لدى الجميع.

فرضت دول وحكومات خطوات قانونية لتجمعات آمنة تمهيدًا لعودة الحياة بشكل تدريجي، كما أن ممارسات المواطنة باتت تنوّع لونها، كالحفلات الموسيقية بالسيارات المتجمعة بكل ما تحمل من رمزية لضرورة الاحتفاء بالحياة، إلى المسيرات الغاضبة باستخدام الدراجات الهوائية والكمّامات احتجاجاً على تسيير الأزمة الوبائية.  يبقى التّقبيل شكلا من أشكال التواصل ورابطا اجتماعيا، بل ربما مؤسسة اجتماعية قائمة نتيجة لكلّ التنظيم والبروتوكولات التي حكمته وتحكم تطوره، والمكانة التي يدعم بها مختلف الأدوار الاجتماعية.

موجز تاريخ القُبلة

تذكر مراجع أن أولى القبل مارسها الإنسان البدائي الأول، الأمهات تحديدًا حين كن يمضغن الطّعام ويلقينه في أفواه أبنائهن، بعد أن يتم فطامهم، ومن هذه الممارسة تحديدًا ظهرت تسمية «القُبلة المغذية»، التي يشيع استخدامها اليوم ككناية عن الأهمية الروحية للقُبل. على الرغم من الانتشار الواسع زمنيا للتقبيل، إلا أن أقدم ذكر له في المصادر يعود لخمسة عشر قرنا قبل الميلاد (حوالي سنة 1500 ق.م) في نص هندي يسمى «Veda»، حيث عرف القُبلة بأنها «استنشاق روح الشريك». من الغريب أن يختفي أثر نصوص صريحة تتحدث عن القُبل لدى الحضارات الشرقية عموما، حيث تغيب مثلا عن رسومات المعابد الفرعونية في مصر القديمة، على الرغم من وجود الكثير من الرسومات التي تتقارب فيها الأجساد.

يذكر المؤرخ الإغريقي هيرودوت في أحد نصوصه أن الفرس اعتادوا استخدام التقبيل كبروتوكول لضبط تراتبية المكانة الاجتماعية: يقبّل الرّجال بعضهم بعضا على الشفاه إذا ما كانوا من ذات المكانة الاجتماعية، في حين ينحني من هو في منزلة أقل ليقبّل الأرض أو أرجل من هو أعلى منه شأنا، وهي ممارسة شاعت في روما القديمة أيضا إلى غاية القرون الوسطى، وكانت دلالة على ترسيم العهود بين طرفين. الغريب أن أولى النّصوص المحفوظة حول التّقبيل وخصوصا التي تلتقي فيها الشفاه كانت بين أشخاص من الجنس نفسه، رجال في الأغلب ولم تكن حاملة لدلالات جنسية. منعت النساء من ممارستها زمن البابا غريغوري التاسع باعتبارها شكلا من أشكال عبادة الشيطان، لا سيما في ظلّ سيطرة أفكار ترمي النساء بالشعوذة خلال القرون الوسطى.

ورد ذكر للقُبل في بعض المصادر الإغريقية كإلياذة هوميروس في أكثر من موطن: لقد كان عبيد أوليس يقبلونه، وترجى «بريام» «أخيل» بقبلة حتى يعيد الحياة لابنه، في حين حذر سقراط من مساوئ تقبيل «الرّجل الجميل الصغير».

ألوان من القُبل

إن مسألة التّقبيل قد تطوّرت بحسب تطور الحاجات البشرية وما رافقها من اختراعات مادية وإجتماعية. إذا كانت القبلة الأولى استجابة لتحقيق حاجة بيولوجية ولضمان استمرار الحياة، فإن أكثر أنواع القبل انتشارًا هي القبلة «الإجتماعية»: تلك التي نمارسها (أو لا) لضمان علاقات اجتماعية ناجحة، لا نقبل الشريك والزميل بنفس الطريقة، ولا نقبل الشخص ذاته بشكل واحد في كل المناسبات، قد نستعيض عن القبلة (بوسائلها التقليدية: الفم والشفاه) بمصافحة باليد (يمكن أن ندرجها ضمن القبل الاجتماعية).

كان الرومان أول من فرّع القبل إلى ثلاث أساسية هي: OSCULUM وتشير إلى القبل الاجتماعية استخدمت لترسيم العهود والاتفاقيات، BASIUM وتعني القبلة الحنونة الرقيقة، ثم النوع الأخير وهو SUAVIU وتشير إلى القُبل السّاخنة الحسية ذات المبتغى الجنسي. إلا أن البحث في أنثروبولوجيا القبل سيفضي إلى تقسيمات عديدة لها في الحقبة الزمنية الواحدة، بعضها مستحدث وآخر متوارث عن أجداد من عصور غابرة.  لا يعرف تاريخ «القبل المنفوخة»، تلك التي نرسلها عبر النفخ في راحة اليد لتبيان قرب المستقبل مهما كان بعيدًا، ويحز في النفس اندثار القُبلة الروسية التي تتكوّن من ثلاث قبل على الوجنتين ورابعة على الشفاه بموجب قانون تجريم المثلية الذي أصدر سنة 2013 على الرّغم من كونها مجرد قبلة بروتوكولية.  قبلة «الإيسكيمو» من القبل الخاصة جدا والمنتشرة توظف الأنف عوضا عن الفم والشفاه، وهي من أكثر أنواع القُبل رقّة، يشيع استخدامها بين الآباء وصغارهم، يعود أصلها لقبائل الإيسكيمو ويستخدمونها في التواصل الاجتماعي بين أفراد المجموعة الواحدة، ولها نسخ مشابهة ومعدّلة بحسب القبائل التي عرفتها تنتشر من أستراليا إلى غاية شبه الجزيرة العربية، قد تستعمل الأنف والفم، أو الأنف والخدّ، كما يمكن أن تكون قبلة شمية بحتة مثل «قبلة بالي» (يستخدمها سكان جزيرة بالي في أندونيسيا).

قد تكون القبل على الخد أكثر أنواع القبل شيوعاً، لكنها تخضع هي الأخرى لتباينات سوسيو-ثقافية بحسب المجموعات البشرية، في عددها والجهة التي تبدأ منها، ومقبوليتها بين الجنسين وحتى بين الجنس الواحد، فهي تخضع لاتفاقات اجتماعية غير رسمية لكنها متجذرة.

تقبيل اليد قبلة اللباقة وقد بلغت أوج انتشارها مع نهاية القرن التاسع عشر في كامل أوروبا، شرطها ألا تلامس الشّفاه اليد، تأخذ كلّ قيمتها الرمزية من انحناء الجسد في دلالة على الخضوع والاحترام.  لقبلة اليد أنواع مشابهة في الشكل مختلفة في المعنى الاجتماعي خصوصا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تستخدم عموما للتعظيم من شأن متلقي القبلة والذي يكون من مكانة اجتماعية أرفع أو أكبر سنا.

تعتبر القبلة الفرنسية أكثر أنواع القبل إثارة. الأمريكيون هم من أطلق هذه التسمية على القبل التي اكتشفوها في الحرب العالمية الأولى، واكتشفوا معها تقاليد رومانسية أكثر تحررا لدى النساء الفرنسيات، والحقيقة أنها لا تكتفي باستنشاق روح الشّريك بحسب نص اﻟ «فيدا» الهندي، بل تتجاوزه لتبادل أشياء أكثر مادية باستخدام الشفاه والألسن.

القبل الملعونة

يعد التقبيل مسألة حسيّة بامتياز ولذلك كثيرًا ما تعرض للانتقاد، التجريم وحتى التحريم. يذكر إنجيل لوقا أن القبلة كانت وسيلة الوشاية بالمسيح، فقد قبض يهوذا الحواري 30 قطعة فضيّة مقابل دلّ كبار الكهنة على المسيح من خلال تقبيله في العلن. يحتفي الإسلام بالجسد البشري على خلاف الأديان التوحيدية السابقة، لكن السرديات السائدة تذهب لجعل القُبل مكروهة بين أفراد الجنس الواحد محرمة بين الجنسين (الحقيقة أن النصوص الإسلامية الأساسية لم تركز على مسألة التقبيل بل شرعت لمسائل حسية جنسية أعمق).

على الرغم من وجود نصوص قبطية تذكر تقبيل المسيح لمريم المجدلية إلا أنها تعرضت للتضييق والاستبعاد من باقي الكنائس.  لا تزال القبل تعاني من نظرة دونية في ظلّ كبرى الديانات، حتى أن الرقابة على فن السينما الناشئ كانت مع فيلم «القبلة» لويليام هايز الذي أنتج سنة 1896 (سنة بعض ظهور اختراع الأخوين لوميير)، وهو فيلم صامت بالأبيض والأسود لا يتجاوز الدقيقة الواحدة، بعد أن قاد «اتحاد النساء المسيحيات من أجل الزهد» بالولايات المتحدة الأمريكية حملة شعواء على الفيلم، بتهمة نشر الرذيلة والدعوة إلى ممارسات غير صحية كالتّقبيل على الفم.  كانت «قبلة» هايز أول قبلة في تاريخ السينما، أول رقابة تفرض على السينما، كما أن له الفضل في ظهور نوع آخر من السينما: الأيروتكية عموما والإباحية لاحقاً.

القُبل في زمن الكورونا

كان أطباء عصور النّهضة سبّاقين إلى منع التّقبيل بين النّاس خصوصا الأزواج مهما بلغت عفة القبل وذلك بغرض منع انتشار الأمراض، وها نحن اليوم أمام ظروف مشابهة، ودعوات مماثلة من أجل دحض قوة انتشار الفيروس التاجي. بين خائف متوجس وآخر مقتنع بكلّ نظريات المؤامرة الممكنة تتراوح آراء الجزائريين. كثيرة هي المواقف التي تصادفنا ويضرب فيها الناس عرض الحائط بشروط السلامة الأساسية المنصوص عليها هنا وهناك، وحتى الحدّ الأدنى من المعنى في ظل أزمة عابرة للحدود، كشابين صادفتهما يتبادلان التهاني بعيد الفطر بقبل كثيرة على الوجنتين، بعد أن أسدلا كمامتيهما وسرعان ما أعاداها بعد أن بلغت «قبلات العيد نصابها».

شخصيا يزعجني التقبيل ببساطة لأني أعاني من حساسية تشبه الفوبيا من الروائح الكريهة، يزداد الأمر سوءا كلّ ما اضطررت إلى تقبيل النّاس. وجدت عزائي في فترة الحجر المنزلي لأني على الأقل لن أضطر إلى استقبال أناس أعرفهم وآخرون أضطر لمجاملتهم، أن أستريح من كثر القبل التي تسديها طالباتي اللاتي تفرحن كثيرا بها فهن ترين أنها علامة لنضوجهن ومرورهن إلى مرحلة تستطعن فيها الاقتراب من أساتذتهن وبالتالي مجالستهن، وفي أحيان كثيرة المرور إلى مرحلة الدخول في علاقة أكثر حميمية يحكين فيها حياتهن ومشاغلهن الشخصية ويتوقعن أن أفعل الشيء ذاته. أولى القبلات الاجتماعية التي مارستها وحرصت عليها، هي التي كانت تدفعني أمي إليها لأني بلغت وأصبحت امرأة، عليّ أن أقبل نساء الحيّ، تماماً كما أفعل مع باقي أفراد عائلتنا عندما يأتون لزيارتنا، العمّات والخالات، أبناؤهن وبناتهن دون استثناء. منع «مجمع قرطاجة» سنة 397 ميلادية القبل بين الجنسين، وجعلها حكرا على الرّجال فقط، حتى يركزوا في أمر الحرب ويشدوا من أزر بعضهم، فهل يمكن أن نتنبأ ونطالب بقوانين مشابهة لتقليص دائرة انتشار الفيروس، خصوصا في ظلّ عودة عبارات من عصور غابرة إلى الواجهة مثل «ولي الأمر» التي تكرر على مسامع الرعية في كل نقطة تفتيش، أم نترك الجزائري المغلوب على أمر عواطفه يمارس عزاءه الأخير في تحصيل الحد الأدنى من الحاجات العاطفية؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …

كورونا…وباء ما بعد حداثي

هكذا تحول كورونا إلى أهم حدث على وجه البسيطة، بدا لأول مرة كشبح ليصبح حقيقة …