السبت، 4 يوليو 2020

الإسلام أولى بالاحتفال بحقوق المثليين!

فرحات عثمان

لا يزال العالم الإسلامي يشذ عن الكون بأسره، الذي يحتفل في 17 ماي من كلّ سنة باليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية، حيث رسخ خطأ في ذهن الناس أن المثلية أو اللواط فيه محرمّة. وقد ثبت اليوم أن الإسلام، وهو دين العدل الإناسي، لم يجرّم بتاتا ما اعتبره من الطبيعة، حيث الجنس الغالب بها هو الجنس الثنائي الذي لا يفرّق بين الذكر والأنثى.

هذا ما نبيّنه في الحقائق التالية، أي أنّه لا تجريم ولا تحريم في القرآن ولا في السّنة الصحيحة لهذه الفطرة عند بعض خلق الله، وخلافا لما كما كانت عليه الحال في الكتاب المقدس للعبرانية والنصرانية.

من رهاب المثلية إلى رهاب الإسلام 

إنّ صفة الإسلام كخاتم للرسالة السماوية وأنه الدين الكوني الصّالح لكلّ مكان وزمان لمن دواعي أن يعترف بهذا اليوم العالمي المحتفي بحقوق الناس في ميولهم الخاصة. فقد ضمّن هذا الدين كل الحقوق الفردية كأفضل ما يكون ممّا لا يخص إلا أمورهم الحميمية وذلك بتحريمه هتك ما استتر؛ والمثلية من ذلك لا محالة، إذ الجنس المثلي كسائر أنواع الجنس ما لا يخصّ إلا الحياة الخاصة. ولا شك أن ما أُحيط به في الغرب من إشهار كان من باب ردّ الفعل للتزمّت اليهو –مسيحي في أمور الجنس بما أنّ لا التوراة ولا الإنجيل رخّصا للمؤمن ما له في الإسلام من حقّ في الحرية الشخصية الخصوصية إلى حد العصيان عند التستّر إن اقتضى الأمر.

وهذا هو المطلوب بالاحتفاء باليوم العالمي لرهاب المثلية! فليس الأمر في إشهار التصرف الجنسي المثلي بقدر المطالبة بالحق فيه على المستوى الحميم وإبطال القوانين المجرّمة له والتي ليس من حقّ لها لا مدنيا ولا دينيا ولا أخلاقيا هتك ستر الناس والدخول إلى مخادعهم.

إنّها أولا وآخرا قضية أخلاق بالأساس؛ فلا بد من العودة إلى الصحيح من الموضوع دون الضياع في المتاهات التي يعمل البعض على الانزلاق فيها لمنع أي تطور بخصوص أسطورة تجريم المثلية في الإسلام للاستفادة منها فيما أصبح صناعة مربحة عند البعض لرهاب المثلية المزعوم في الإسلام، بينما الحقيقة عندهم هي رهاب إسلام هؤلاء. فإلى متى نشجّعهم بشراكتنا الموضوعية المتمثّلة في تجاهلنا لحقيقة موقف الإسلام في الغرض؟

إنّنا لا نجد في النصّ القرآني ما في الكتاب المقدّس اليهو – مسيحي من تجريم للواط. إلا أن تأثير هذا الأخير كان كبيرًا في الفقه الإسلامي، وهو بشري قبل كل شيء، ناقص بالضرورة؛ فإذا به يعتمد على تأويلات خاطئة وأحاديث مختلقة ليمسخ الدين ويجعله في مستوى تزمت ما سبقه من تعاليم أهل الكتاب.

بذلك، وخلافا لما كان سائدًا في حضارة الإسلام من حرية بخصوص المثلية كطبيعة بشرية، أصبحت بلاد الإسلام اليوم تجرّمها في قراءة فاسدة لدينها.

حقيقة اللواط في الإسلام

بما أن الأعمال بالنيات في الإسلام الصحيح، وأن النية الحسنة هي الدين، هذه كلمة الحقّ والسواء في الموقف الصحيح للإسلام بخصوص هذا الجنس عند بعض الناس، الطبيعة التي تُسمّى مثلية، ما يُنعت باللواط أو عمل قوم لوط.

الحقيقة الأولى:

هي أن الجنس المثلي طبيعي في بعض البشر وشائع في الطبيعة؛ لذا لم يحرّمه الإسلام وهو دين الفطرة. لقد أخطأ الفقهاء الاعتقاد ولا بدّ من تصحيح فقهنا الحالي وقد فسد إلى حدّ شرعنة إجرام داعش. هذا الاعتقاد الخاطئ يمنع اليوم من إبطال القوانين الوضعية الحالية بالبلاد الإسلامية، والمغاربية بالأخص، المجرّمة للعلاقات المثلية باسم التعلّق بالدين. وليست هي إلاّ من مخلفات الاحتلال الفرنسي الذي كانت مرجعيته الكتاب المقدس. فلم يعد اليوم أيّ شكّ في أن مناهضة المثلية ممّا سنّه القانون الاستعماري باسم المسيحية واليهودية التي كانت تجرّم حينها هذا الجنس وتحرّمه فحرصت على أن تكون الحال نفسها في الإسلام رافضة أن يكون أفضل منها في مجال الحقوق والحريات.

ملخّص هذه الحقيقة الأولي إذن هو أنّ ادّعاء مخالفة المثلية للإسلام كاذب، رسب إليه من الإسرائيليات. فلا يوجد في القرآن أي حكم في الغرض، إنما فقط قصص قوم لوط. التي تذكّر فقط بما في الكتاب المقدّس مما لم يقرّه دين الإسلام. أما الحكم المعمول به فقهاً، فقد استنبطه حملة العلم في الإسلام، وأكثرهم كانوا من الموالي كما بيّنه ابن خلدون، معتمدين القياس على الزّنا، بما أنه لا تحريم في دين الإسلام إلا بحكم صريح؛ وهو غير موجود.

الحقيقة الثّانية:

هي انعدام أي حكم في القرآن في اللواط، عدا القصص التي أساء الفقهاء فهمها، ثم اعتمدوها لخلق جريمة اللواط لا كما هي؛ فلا حكم في الفقه الإسلامي انطلاقاً من القصص، فكان أن تمّ لذلك القياس على حكم قرآني في الزّنا؛ وما أبعد الزنا عن اللواط!

أمّا قصص قوم لوط التي ليست من الأحكام، فقيمتها فقط في الموعظة؛ وهي لا تتعلّق بالمثلية، بل الحرابة والاعتداء على أمن السّابلة؛ إذ عاقب الله القوم لكفرهم لصفتهم كقطّاع طرق. رغم هذا، أصبحت هذه القصص التعلّة الوحيدة تقريبا لشرعنة تجريم اللواط والمثلية، دون الانتباه إلى أنها تروي عقاب الله للقوم لامتهانهم الحرابة كلهم لا لشيوع المثلية أو اللواط في بعضهم؛ فلو كانوا في جملتهم أهل لواطة لما كوّنوا قوما، وهذا من البديهيات. وبما أنهم لم يكونوا كلهم من اللواطيين، فكيف يعذب الله شعبا بأجمعه لما كان في قلّة قليلة ومما هو من الفطرة؟ أليس الله غير ظلاّم للعبيد؟

الحقيقة الثّالثة:

التي تؤكد التوجّه السليم للإسلام في عدم تجريم ما هو في الطبيعة عامّة في أنه لم يصحّ أي شيء في الغرض عن الرسول الكريم، إذ كلّ ما يُروى عنه من المنحول؛ فليس في أصح الصّحاح، صحيح البخاري وصحيح مسلم، مثلا أي حديث عنه أو أثر صحّ في أن اللواط عُد أفظع الفواحش. هذا، وقد علمنا أن العديد من الأحاديث اختُلقت لأجل الموعظة والعمل الخيّر؛ فما أدراك بما كن يُعتبر عالميا من الفواحش، قبل أن يأتي العلم ليصحح الأمر فيعود للموقف السليم الذي كان للإسلام منذ البداية، أي أن المثلية من الفطرة؟

هذا وقد علمنا أن الرسول الأكرم كان يقبل ببيته المخنّث، فلا يعيبه على طبيعته؛ ثم إنه لمّا أبعده عن داره، لم يكن ذلك لميوله، بل لسوء تصرّفه وأخلاقه مع نسائه. فالرسول لم يقتله ولا عاقبه؛ كما أنه لم يتعرّض لأي مثليّ ممن كان بمكّة والمدينة. وقد عُرف اللواط عند العرب، كما كان في البعض من أعيان قريش في الجاهلية.

ما يؤكّد كل ذلك رأي زعيم المذهب الظاهري، وقد علمنا شدّة تمسّكه بظاهر النصّ ورفضه للتأويل خاصة الخاطئ كما هي الحال هنا. فابن حزم ناقش في المحلّى كل ما قيل في الغرض من أحاديث، ففنّدها واحدة واحدة وخلص للقول أنّه أنّ لا حدّ في الغرض: «إذ قد صح… أنه لا قتل عليه ولا حدّ لأن الله تعالى لم يوجب ذلك، ولا رسوله عليه السّلام فحكمه أنه أتى منكرا فالواجب بأمر رسول الله (صلعم) تغيير المنكر باليد، فواجب أن يضرب التعزير الذي حده رسول الله (صلعم) في ذلك لا أكثر، ويكفّ ضرره عن الناس فقط…»

الحقيقة الرّابعة:

هي في أنّ كتب الفقه، لا الأدب والتّاريخ وحدهما، تزخر بالروايات عن المثليين والمثلية؛ فلم يكن العديد من الشخصيات المرموقة، منهم الفقهاء يخفي ميوله المثلية لكونها طبيعية؛ وقد اشتهر منهم بذلك الفقيه الجليل يحي بن أكثم. كما أنه لم يُتغنّى في العالم بالجنس المثلي مثل ما فعل المسلمون فيما سُمّي بالمذكّرات، أو ما تركه لنا الشاعر المفلق الحسن ابن هانئ، أبو نواس، الذي لم يخف يوما على حياته فلا سُجن ولا قُتل، بل مات شيخا حتف أنفه.

هذا، وقد كان مثليو الغرب يأتون بلاد الإسلام ليعيشوا بسلام طبيعتهم المرفوضة ببلدانهم جرّاء التزمت اليهودي والمسيحي. وهذا يؤكد القول إن الجنس العربي كان ثنائيا لا تفريق فيه بين الذّكر والأنثى، ما يعني أن المثلية كانت من الجنس الذي مارسه العربي المسلم بدون أي مرّكب حتى دخول الاحتلال الغربي إلى بلاده بتزمته الديني. فإذا به يقنّنها كما فعل بالبلاد المغاربية، هذه القوانين التي ظلّت قائمة بعد الاستقلال، إلا أنها تطبّق اليوم باسم الدين.

خلاصة القول هنا أنّه لئن وجب إبطال هذه القوانين المخزية، فباسم الإسلام أوّلا قبل القانون الأعلى أيّ الدستور الضّامن لحقوق المواطنين وحرياتهم. ويكون ذلك بالتذكير أن كراهة المثلية مخالفة لحقوق الإنسان في حياة مجتمعية آمنة، التي هي أساس الديمقراطية، وأن التوجّه الجنسي للبشر من حياتهم الخصوصية التي تضمن حريتها دولة القانون والإسلام، وأن القانون الجنائي الحالي في الغرض يخرق الإسلام وينتهك تسامحه، إذ لا رهاب فيه للمثلية لاحترامه لحرمة الحياة الخاصة للمؤمن وضمانه التام لها.

كيف الاحتفاء باليوم العالمي لمناهضة رهاب المثليّة؟ 

إنّ المسلمين المناهضين للمثليين باسم الدين الإسلامي ليظلمون الأبرياء تماما كما يظلمون دينهم بفهم فاسد، خاصة وأن الإسلام كان سبّاقا للاعتراف بحقوق المثليين قبل الجمعيات المنافحة اليوم عنهم. ولكن كيف الخروج من هذا الظّلم السّافر للدّين وللنّاس؟

لا شك أن تغيير القوانين يتطلّب بعض الوقت، خاصة وأن الموضوع حسّاس؛ فرغم الحقائق التي عدّدناها هنا، إصلاح المفاهيم وتغيير العقليات يتطلّب بعض الوقت. لذا، لا شكّ أنه من المقيّد الكفّ عن تجاهل هذه اليوم العالمي والشذوذ عن بقية العالم الديمقراطي للاحتفال به أيضاً، لكن باسم الإسلام السبّاق للاعتراف بحقوق الناس في حياتهم الخصوصية. ويكون هذا بالأخصّ ضدا على من في الغرب الإمبريالي ممن لا يتجاهل فقط حقيقة الأمور في الإسلام، بل ينجح في مغالطة المثليين المسلمين ليحملهم على الاعتقاد في أن مسؤولية الظلم الذي يعانون منه تقع على عاتق دينهم وليست من مخلفات قوانين الاحتلال.

لكن عمليّا، كيف لهذا الاحتفاء أن يتمّ في أقرب وقت باسم الدين الإسلامي؟ لقد سبق أن اقترحت أن يقع ردّ الاعتبار لدين الإسلام وإعطائه حقّ قدره بانتصار شعوب بلاد المغرب العربي الأمازيغي لحقوق وحريات المثليين في يومهم العالمي.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …

كورونا…وباء ما بعد حداثي

هكذا تحول كورونا إلى أهم حدث على وجه البسيطة، بدا لأول مرة كشبح ليصبح حقيقة …