السبت، 4 يوليو 2020

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها وأُمومَتها، وتُؤدّي فيه كلّ ما اسْتقتهُ في السّنون المَاضيَات، وهي بذلك تتصوّرُ أنّ السّعادةَ الحقيقيّةَ والأبديّةَ تكونُ برفقةِ الزّوج وفلْذاتِ كَبِدها، فالزّواج بالنسبةِ لها أمانٌ رغمَ عُيوبه، وهو قيدٌ لا بدّ منهُ في مجتمعاتِنا الشّرقيةِ، ووسَط هَذه الأُمنِيات تتنَاسى المرأَة ثِقلَ مسؤوليةِ هذا الالتزام، فالزّواج ورغم استسهالهِ منَ الكثيرين إلا أنّه ميثاقٌ غليظٌ.

صَحيحٌ أنّ بعض الزّيجاتِ قد مَنَحت المرأةَ امتيازاتٍ حُرمت منها في بيتِ أهلها كالحريّة في اللّباس والتنقّل وربطِ علاقاتِ صداقةٍ وحتّى مساحة خصوصيّة لم تظفَر بها في كَنف العائلة وغيرها من الإيجابيّات التي كانَ الزّوج فيها سَندًا لزوجته بِحُكم ما يربطهما، غيرَ أنّ الكتابَ وسَط هذه الفضائلِ جميعًا قليلاً ما نالَ حُظوتَه. عنّي شخصيّا، كامرأة عاملة ومتزوجة منذُ ما يقاربُ الثلاث سنوات، ورغم امتلاكي لمكتبةٍ أوفر كُتُبا ممّا كنتُ أملكُ سابقا وكذا مساندةِ الزّوج لي إلا أنّني أحاولُ جاهدةً إيجادَ الوقتِ الكافي لقراءةِ كُتبي واسترجَاع شَغفي بها والتلذُّذ بجَواهرها المَكنونةِ، ومُجالسةِ خِيرة الكُتَّابِ والأُدباء والتمتُّع بسَردهم، فبَعد أن كنتُ فأرةً تقرضُ الكُتبَ في كلّ حينٍ بينَ استحسانِ بعضهم لِنَهَمي المتواصِل للقراءة واستهجان البعض الآخر لِهَدْر وقتي دونَما انتفاعٍ وعدم التمتّع بالحياة ومُغريَاتها، تغيّرتُ دُون إنذارٍ مُسبق.

كانت القراءةُ  مُتنّفسي الوحيد بَعيدًا عن مشاكلِ الأسرة والحياة ونافذَتي التي أُطلّ منها على كلّ ِجميلٍ، فمن خلال الكتب كنت أهرُب إلى شخصياتٍ أعيش معها تفاصيلَ يومها من أفراح وأقراح، آمال وخيبات، أمانيها وطموحاتها، أحاورها وأسامرها، وأتعرّف على أساليب تفكيرها كما أحاول تطبيق نصائحها، فبلجوئي للقراءة كنتُ أُصاحب أدباءَ وعُظماءَ مثقّفين أفادوني ورَغَّبوني في الحياةِ وأَنْسَوْني آلامي وإخفاقاتي، وكثيرًا ما فاتتني حفلاتٌ وجلساتٌ نِسويّةٌ وخرجَاتٌ مع صديقات لأنّني فضّلت إنهاءَ قراءة كتبي على تَضييع وقتي في أمور أقلّ إفادَة، حسب ما اعتقدت، كما كنتُ أفعل ذلك دائما مع وجباتِ الطّعام التي أقطعُها شَوقًا لكُتبي فقد كنت أقرأ دون أن أكادَ أتنفّس خوفًا من ألا تمتدّ بي الحياةُ لقراءة ما أحتاجُ قراءته.

مِن الأمورِ الطّريفةِ التي حَدَثت مَعي وهي تُروى في كلّ وليمةٍ وعُرسٍ، وقد لاقَت آنذاك استنكارًا من طَرَف عائلتي وأقربائي، هو تأخُّري يومَ خطبتي في الخروج إلى أهل العريسِ بِسبب عدم إنهائي للرّواية التي أقرؤها، إذ كنتُ أحيا الشخصية الرئيسية بكلّ تفاصيلِها، فلَبثتُ هادئةً أقرأ تحت صُراخ والدتي وتوسّلاتها بِقطع القراءَة حتّى خُيِّل إليها أنّني تراجَعتُ عن الخِطبة، وبِصمْتي ذاك كنتُ أُعبّر عن رفضي للعرِيسِ. واستمرّ جُنون تعلُّقي بالقراءة إلى يومِ زفافي حينَ انتقالي من بيتِ أهلي كعرُوس إلى مدينةٍ أخرى، ويحلُو لِحمَاتي أن تَذكُر هذه الحادثة بمُناسبةٍ أو بدونها، وهو مَوقفٌ جعلَ أهلَ العريس حينها يرتبكون ويتخوّفون من كنّتهِم الجديدة، فبِحُكم أنّني سأنتقلُ يومَها إلى مدينة بسكرة التي تبعُد بحوالي خمس ساعات، فكّرتُ في أخذِ كتابٍ معي ليؤنسني وِحدتي ويُعزّيني في فِراقِ أحبّتي، فاخترتُ كتابا أَهدانِيهِ صَفيّي الّذي كان لهُ الفضلُ الكثيرُ في هَوسي بالقراءَة وكذا تمكّني من انتقاءِ كُتُبي الّتي أقرَأ.

وَضَعتُ الكتابَ على مَكتبي إلى حينِ عَودتي من صَالَون الحلاقةِ، لكن، ولسببٍ غير معروفٍ أخَذَت والدتي الكتابَ وسَجنتهُ دون وعيٍ في مكانٍ منسيٍّ، فكانت ردّةُ فعلي حبسَ نفسي في غرفتي إلى حينِ إيجاده لكنّني لم أصبو إلى ما رغبتُ، ما جَعلني متكدّرةً عند زفّي كعروسٍ، يومَها لم أبك فراقَ أهَلي قَدْرَ بُكائي عَلَى ضَياعِ وَقتي دون كِتاب.

كَثيرًا ما اقتنعتُ أنّ الكتابَ مخلوقٌ وِجدانيٌّ، فإضافةً إلى أنّهُ يُغيّر مُعتقداتنا ونظرتنا للعالَم ويمنحُنا دروسًا للاستفادةِ منها ولتكون مُعينًا لنا في حياتنا فهو يبادلُنا الوجدانيّاتِ، فإن أحببتَ القراءة تولّعتْ بك وتعلّقتْ، وإن مَللتَ منها ونَفرتَ رحلتْ عنك وفَقدتْها، أما إنْ غِبتَ عنها تدلّلتْ كثيرًا قبل أن ترضى عنك، لذا ستُحاولُ جاهدًا استرجاعَها، إذ أنّها دائمًا ما تكونُ راغبةً إذا ما أنتَ رغّبتَها، فالقراءةُ أشبهُ بالنّور الّذي يُنير طريقنا، نحنُ نعرفُ ما هو لكنّنا لا نستطيعُ تحديد ماهيتَه ولا كيفية تاُثيرِه علينَا.

بعد ساعاتٍ، وصلتُ إلى بسكرة مأزُومةً وكُلّي يقين أنّه بضياعِ كتابي قد ضاع منّي الكثير إذ أنّ كُتبا ورواياتٍ وعوالم خطيّة لا أعرفُها بقيَت طويلا تنتظرُني على رُفوف المكتباتِ، وبعد أن كنتُ أقرأ دونَ هَوادة كلّ ما أشتريهِ ويُهدى إليّ، خَمدتْ الآن رَغبتي ومقدرتي على القراءة وأنا ساهيةٌ عن ذلك، فنحنُ في تقصّينا عنِ القراءة القديمة يتعَسّرُ علينا إيجادُها حيث أنّها تتخفى وتتوارى راغبة متمنّعة، وفي تخفّيها هذا تُلاعبنا وتلعبُ بنا لا لنَهجُرها ونَرتحل ولكن لِنشقى لأجلها، حينها فقط تأكّدت أنّ سقفَ توقُّعاتي قد انْهارَ على رأسي فأصابتني اللّعنةُ، وكأنّ كتابي قد مدّ لي لسانَه وهو يقول: “ها قد أصابتك اللّعنة يا آمال، فلنرَ إن كنتِ ستنتبهين لذلك وتجدينَ حلاًّ!”.

تأثّرتُ كثيرا بضياعِ كتابي، فأنا أعتبرُ نفسي أنانيّةً ومن هوّاة تكديس الكتب وعدم إعارتِها إلا لأقربِ المُقرّبينَ الّذين لم يتجاوزوا الواحد! وفي الواقع، لم أكُن أُعيرُها بل أَعفو منها مَا يَروقني حينَ قِراءته وأُهديهِ عن طِيبِ خاطرٍ لِصَفِيّي، لذا فإنّني مَأيتُ في خَيالي وبَدأتُ بتوهُّم أمورٍ أرهقَتْ تفكيري كاستمتاعِ أحدِهم باختلاسِ الكِتاب وإخفائه عنّي لِتصفُّحهِ أو لإغاظَتي يومَ عُرسي، وهو ما حدثَ فِعلا فقد اختلط عليّ الأمرُ يومَها ولم تَعُدْ بي رغبَة لِشيءٍ.

حقيقةً، لم أكن أعلمُ كيف سأواصلُ العيشَ من دونِ قراءةٍ، فالكُتب على اختلافِها تسمحُ لنا برؤيةِ العالَم إذ تُغَيِّـر نظرتَنا إليه وتُطوِّر من أفكارنا، فهيَ تؤثِّر علينا من خلال ما يَعرضُه الكاتبُ من صُورٍ بأسلوبِه المُميّز والمشوّق وما تحملُه من ميراثٍ ليتوارثه الأجيالُ، فأنا لم أكُن أقرأُ بدافعٍ المُتعة فقط بل أيضًا الفضول الذي لم ولن يرتوي.

أصابني الرُّعبُ وبلغَ بي الأمرُ حدّ البقاءِ جالسةً لساعاتٍ غائبةَ الذّهن غيرَ آبهةٍ بما حولي لأنّني لم أعُد أستطيع القراءةَ أو محادثةَ الأصدقاء أو حتّى الاستماعَ إلى الموسيقى. فكّرتُ في وَعدي للكتاب بأن يُزَفّ معي إلى بسكرة وأن أَفرَغَ منه  قبل وصولنا، فكّرت فيه وَحيدا معزولا قسرا لم يُفتح بعد، أو غُصِب ليُقرأ، فهو ولا بدّ، كان بانتظاري أنا لأستنشق عطرَ أنفاسه وأُداعبَ حوافَه حتى يتجرّدَ عمّا بينَ دفّتيه من حروف ويكشفها لي على استحياء فأنسجمَ معهَ بكلّ حواسي، فكّرت في أنّني قد خيّبتُ ظنّهُ بتخاذلي في البحث عنه يومَها وإنقاذه من الضّياع، كذلك، فكّرتُ في مَن يقرأ كتابي ويستمتعُ، وهو، غيرُ راضٍ عن قارئه، فكّرتُ حتّى في مَن أخذهُ وألقاهُ جانبًا إلى حين فَنسيَهُ، وبَقي بذلك كتابي مُهمَلا كَمِشبك ورقٍ معدنيٍّ مُثبّتٍ في جيبِ قميصِ سِتّينِيٍّ لا هو استفادَ منه ولا هو استغنَى عنه، تصوّرتُ آنذاك أنّ كتابي في حالةٍ من الخذلان والجَزع فاختلجَني شعورٌ بالضّيقِ وبتأنيب الضّمير والنّدم.

تناولتُ الأزمةَ بهدوءٍ، لكنْ، بعد تفكيرٍ وتأمّلٍ صمّمتُ على مواجهَة مَخاوفي وتصرّفتُ كمُحقق مُبتدئ، فاتّصلتُ بجميعِ مَن حضروا يومذاك موكبَ عُرسي، ولِحُسن حظّي كانوا قلّةً تُعدّ على الأصابعِ، غيرَ أنَّ مُحاولَتي تلكَ باءَت بالفشلِ، وخَسرتُ صداقةَ أغلبهم نظرًا لاتّهاماتي المُباشرة لهم دون لباقةٍ فلم تكن لديّ أيّة حُجّة أو دليل عقلانيٍّ، في حين تفهّم البقيّةُ مُبرراتي بأريَحيّةٍ.

حاولتُ قراءة كتب أخرى، فطلبتُ من صَفيّي أن يُحضرَ لي كُتبا، الكثير من الكتب، أكبر عددٍ مُمكنٍ منها لأغرقَ فيها علّني أنسى بذلك مُعاناتي، فهي وإن لم تُشفِ غليلي وتُشبع نَهمي إلا أنها تُنير دَربي كي أمضيَ في شغفي بالقراءة ولو على مضض، إذ يحدثُ أن نقرأَ كتبًا لم نتحمّس لها لكنّها تُمتّعنا بروائع ما تَحويه صفحاتُها ونجد فيها إجاباتٍ وافية لأسئلة بَدرَت في أذهاننا وأخرى غَابت عنها، فما قرأتُه بعد حادثتي تلك كان كالرّيح التي تكنُس بقايا ماضٍ قاحلٍ لتفتح لي أبوابًا جديدة، إذ أنّ القدر كثيرًا ما يرأفُ بنا ويوجّهنا إلى غيرِ ما أملناهُ لأنفسنا.

كان الخوفُ غير المُبرّر يُوقظني في أيّ ساعةٍ من ساعاتِ اللّيل فلا أستطيعُ التغلّبَ عليه إلا بِمزيدٍ من قراءة ما وجدتُه من كُتب لم تُنسني مأسَاتي، وبمُرور الأيام وتَغيُّر ظُروفي كامرأةٍ عاملةٍ ومتزوّجة أنهكَها التّعليمُ ومشاغلُ البيت، صِرتُ أكثرَ شُحوبًا ممّا أنا عليهِ عادَة، وكُنت بِحاجةٍ لقراءة ذلك الكتابِ لترميم صحّتي مِن التّفكير المُجهد واستعادَة تأقلُمي، فَحسمتُ أمري بالسّفر إلى مدينة البويرة وزيارة عائلتي وكلّي أملٌ في إيجاد ذاتي التي غابت بغيابِ كتابي، لكنْ حدَث أنْ نَسيتُ عنوانَ كتابي تماما، وقتذاك كان علّيَ أنْ أقرأ كل ما أمتلكُه من عناوين في مكتبتي وحتّى ما يُهدى إليّ وأستعيره وأشتريه علّني أقرأ ما فقدتُه دونَ وَعيٍ منّي. كان الكتابُ المفقودُ بمثابَة الشّيفرة التي أفتحُ بها المكتباتِ التي سَقطت من رفوفها الكُتب، لكن كيف أقرأ لأجد الكِتاب الذي فَقَدَ قارئهُ؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …

عْبالله نسعِيدِي (1896-1979)

 ايترجميث غثقبايليث: جلال الدّين سماعن عبد الله جيجلي (ثَازْوَارَا، النَقْمَايْنِيسْ تَاغِيتْ “سعيدي” مِّي أُومْبَعَذْ عَلَى …