السبت، 26 سبتمبر 2020

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان

يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر بنية ولغة، سردية ترتبط بمبدعها، تضيف القيمة المضافة للمنجز المتراكم.

«سلالم ترولار».. رواية برزخية الفضاء، يصل فصلا ويفصل وصلا، يلتبس فيها التّاريخي بالمتخيّل، والواقعي بفنتازي يتحايل ليقول واقعي تجاوز ما يمكن للخيال تصوّره.

في عتبات النص التي اعتمدها الكاتب ما يفصح عن رؤية وهاجس، والعتبات من مفاتيح تشفير النصّ.

بدأ العتبات بعبارات لثلاث شخصيات لها اعتبارها، عمار بلحسن الذي فارقنا في سنّ النّضج وكان مشروعًا واعدًا في القصّة وعلم الاجتماع، وعبد الحميد مهري حكيم السّياسة المناضل الذي كان فاعلا لأكثر من نصف قرن، وأنطونيو غرامشي المنظّر والمفكّر الذي كانت أطروحاته إضافة نوعية ليس للماركسية فقط وإنما لكلّ الفكر الإنساني، ويمكن اعتبار طرحه حول المثقفين الإضافة الثانية في عصرنا بعد صرخة إميل زولا «إنّي أتّهم».

قسيمي انتقى العبارات بدقّة وبقصد، وهي عبارات تتكامل لتشكّل بالجمع ما يشكل رؤية أو وصية متعلّقة بالغد ، بهندسة الأفق.

وبدأ بعمار لأن عبارة عمار كانت عن هاجس كاتب يواجه الموت فصاغ وصية خاطب فيها زوجته : «كافحي لكي يستمّر جسدي وروحي في أبنائي، وليستمّر كفاحي من أجل العيش والحياة والثقافة والإنسان».

أما مهري فعبارته: «أحسن هدية تقدّم لأرواح شهدائنا هو في احتفال، يكون فيه الشعب معتّزا بماضيه ومطمئنا على مستقبله».

وختام العبارات ما قاله غرامشي: «يرى الثّوار التّاريخ على أنه نتاج روحهم، حيث يتم صنعه من سلسلة متواصلة من الشّدّ والجذب العنيفين مع أطراف أخرى في المجتمع – إيجابية كانت أوسلبية – وتصل تلك المشادّات ذروتها عند الثّورة الحتمية».

ثم يلي تلك العتبات ما عنوّنه بأبواب وكانت العتبة عبارة للكاتب مالك حداد : «لا تطرق الباب بقوة، فأنا غير موجود هنا».

ويمكن رصد إشارة لها دلالتها وهي أن في العبارات المنتقاة كعتبات يحتفي سمير قسيمي بمن يعتبرون بعض المتراكم الإبداعي الجزائري وفي هذا تأكيد على وعي بمحورية استثمار التّراكم في رحلة التّجريب، وأن التجاوز الإبداعي موصول باستيعاب الرصيد المتشكّل بالتراكم. كما أن العبارات تحمل ما يحيل لمضمون الرواية .

مدخل أبواب يدخلنا عوالم الكتابة والنشر، والصّراع بين هاجس المبدع ومقتضيات السّوق، مقتضيات تجعل التحديد البروكستي مهيمنا لتفصيل نصوص على مقاسات ما يسمى مقتضى. وربما أراد قسيمي أن يمهّد لعوالم الرواية بالإشارة إلى رهانات الكتابة وفخاخها، ويحضر في الرواية من كتب وكان التوقيع باسم غيره، وكتابته ارتبطت بمنحنيات الأحداث وفي هذا ما يُحيل إلى تشابك العلاقة بين الكتابة على الورق وما تكتبه الأحداث واقعيًا.

هي رواية قاربت المسار المعاصر للجزائر بما يتجاوز الاجترار النمطي وبما يساعد على تجاوز مجاهيل المعادلة السياسية الجزائرية… عندما نقرأ الرواية نستحضر شخصيات ووقائع لم تظهر صراحة ولكنها ستكون مستوعبة من كلّ متلق له صلة بالشأن الجزائري، ويمكن أن ينفتح توليد الدلالات بتعدد وتنوع مستويات التّلقي.

الرواية مزجت بين تقنيات متعددة، تقاطعت لتتبلور نصا متفردًا ومتميّزا ينفذ إلى كواليس المسرح السياسي وإلى دهاليز المدينة الدولة… وظّف الأساطير والرموز، واستثمر ما شكّله الحجب والاحتجاب في لعبة إدارة الشأن السياسي. استثمر عطب الجسد ليقول عطب جسد المدينة والبلد. وبتكثيف دلالي ورمزي كان سرد حكاية اختفاء الأبواب للدّلالة على التعري والعراء الذي أدرك المنظومة، وهو ما تحقّق واقعيا بعد كتابة الرواية طيلة شهور الحراك الذي انطلق يوم 22 فيفري 2019، وكانت إرهاصاته السابقة قد تجلّت في مشهد أحداث 5 أكتوبر 1988 وما تلاها.

في الرواية تشريح بليغ لميكانيزمات الحكم ومعايير انتقاء من تسند إليهم المسؤوليات من طرف رجال الخفاء الذين يطبخون ويحبكون وهم من يشار إليهم بتعبيرات مختلفة كالنواة الصّلبة والديوان الأسود وفي السنين الأخيرة تم استيراد مصطلح الدولة العميقة.

تدخلنا الرواية إلى عوالم تشكل المدينة الدولة أو العاصمة، تشكلا يحجب ترسبات كالترسبات الجيولوجية… مدينة كان تخطيط بنيتها، تخطيطا تقسيميا بين الآلهة واللامرئيين كما في الرواية، الآلهة هم الذين يمسكون بالمقاليد وينصبّون أنفسهم أربابا يصنعون القدر، والتخطيط يتجلّى في ازدواجية المدينة، ازدواجية كان الحيّز المكاني الذي يحضر في النص معبرًا عنها وكانت السلالم التي تتميّز بها عدة أحياء عاصمية أكثر تعبيرًا عنها.

إضافة نوعية لنصوص تطرقت للإرث السلطاني والتسلطي، لآليات السلطة، نصوص نذكر من بينها روايتي «عرس بغل» و«الحوات والقصر» للطاهر وطار، «الباحثون عن العظام» للطّاهر جاووت، «شرف القبيلة» لرشيد ميموني، «ألف عام من الحنين» لرشيد بوجدرة ، «عزوز الكابران» لمرزاق بقطاش، «زعيم الأقلية السّاحقة» لعبد العزيز غرمول، «التراس» و«حضرة الجنرال» لكمال قرور …

بتمكن وتمرس استطاع الروائي أن ينسج نسيجا سرديا مشوقا وغير نمطي، نسيج يتشكل فسيفسائيا ليلج بنا أرخبيلا بدهاليز متاهية توازي ما اكتنف المسار من إبهام وغموض جسده رمز الرجل القصير الرهيب المتواري، واقترن الخفاء بالصّمت المقدّس كأثر من أثار حركة التحرر الوطني وأصبح مع الوقت كقانون الأومرتا المافياوي وسبق لمالك بن نبي الإشارة إلى هذا الترسيخ للصّمت، ترسيخا يندرج ضمن مخططات أثبتت فعاليتها في تغذية الخوف وصناعة الآلهة المتحكمة. المرحوم الطاهر وطار اشتغل على هذا التخفي والخفاء في روايته «الحوات والقصر».

في «سلالم ترولار» اختار الرجل القصير الغامض عميد البوابين لكلي يترأس.. وتوظيف البواب يفصح عن معايير الانتقاء المعتمدة لنماذج متحكم فيها ونماذج تشكلت بحسّ المخبر المتلصص.

نتابع في منحنيات السرد أيضا تشكل التصوّر، والتحول من وضع إلى وضع وفقا لنمذجة أمثال الرجل القصير/ نمذجة بروكستية تحدد وتقولب الهوية، قولبة تشتغل على جدلية الحجب – السفور، هوية سفورها مرتبطا بالمحتجب لهذا يصيبها العمى كما أشار عبد الكبير الخطيبي، العمى المنتج لما أسماه أمين معلوف بالهويات القاتلة.

برع الكاتب في بلورة سرد يقول ما ينفلت بتدفق تفاصيل الأخبار، أي يقول ما يتجاوز العابر وما يتوارى خلف المشهد، ولأن النص إبداعي فإن الرهان الأساسي هو الجمالي وهو ما تحقّق ببراعة تجعل الرواية إضافة نوعية للمنجز السردي للكاتب وللمنجز السّردي عامة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

عْبالله نسعِيدِي (1896-1979)

 ايترجميث غثقبايليث: جلال الدّين سماعن عبد الله جيجلي (ثَازْوَارَا، النَقْمَايْنِيسْ تَاغِيتْ “سعيدي” مِّي أُومْبَعَذْ عَلَى …