الجمعة، 25 سبتمبر 2020

مات نبيّ تمازغا.. من يحمينا من وحش الغابة الآن؟

جلال حيدر

إيدير
إيدير

اسمه الحقيقي حميد شريط. وُلد في قرية آيت لحسن في أعالي جرجرة (تيزي وزو) سنة 1949، وسط الخضرة ومجتمع متآزر في محنته. شاحنات الفرنسيين تزأر في الطرق الصاعدة نحو دشرته. متجولة أو تبحث عن واحد من “المتمرّدين”. حوافر فرس القايد تصعد أيضًا بلا توقف. مع اللفيف. لكنها لا تطال أرض الأمازيغ الأحرار.

كبر مثل أترابه وانعجن في عائلة بسيطة. مستمعا لغناء الجدات يجنين الزيتون. أو لشخص هرم يعبر الطّريق. مرددا أشعار سي موحند أومحند. ذلك الشّاعر المدرسة. الذي خرج من معطفه فنّانون كثر. شاءت القبائلية أن ترزق بابنها إيدير في عزّ الأزمة الشهيرة في حزب الشعب التي كان آيت أحمد جزءا مهما فيها رافضا الاقصاء الذي انتهجه مصالي الحاج للهوية الامازيغية. فقد عاد هذا الاخير من باريس وفي يده رسالة إلى الأمام المتحدة بمسمى «الجزائر العربية»، مما دفع آيت أحمد للتّصدي له وللتيار القومي الذي أثّث الحادثة. كما كان سببا في صراعات كثيرة أيام الثورة.

خصوصية العائلة الامازيغية عموما تجعل الطفل متعلقا بأمّه. وبكل ما هو وطن. وهذا ربما أحد الاسباب التي تحكّمت في اختيار إيدير دراسة الجيولوجيا. وكان التحق بداية السبعينات بشركة بترولية للعمل إلا أنه لم يعمر هناك طويلا والتزم الفنّ.

إيدير انتصر للفن سنة 1973 وقد شجعه رفاقه على الغناء، استطاع الحصول على فرصة في الإذاعة، حيث سجل اول أغنية له بعنوان: «أفافا اينوفا»، لاقت ترحيبا واسعا من المستمعين ومن الفنانين أيضا. وانفتحت أبواب كثيرة في طريقه. ليقرر اختيار الغناء والفنّ على حساب وظيفته في الشركة البترولية.

اعتمد على ثقافته المحلية في التفتح على العالم. وهناك مكمن حكمته. أول أغنية له كانت قصة تراثية متداولة في المنطقة عن فتاة تعمل لإعالة والدها العجوز وأبناء صغار في زمن انتشرت فيه وحوش كثيرة في الجوار حتى أن والدها لا يفتح الباب حتى يتأكد منها. خشية أن يفقد أبناءه. حوار تراجيدي تخاطب فيه «غريبا»/والدها: «أخشى وحش الغابة»، فيجيبها بشكل محزن في لحظة شاهقة من الحقيقة: «أنا أيضاً خائف»، فقلما يستطيع أب أن يتخلى عن كبريائه أمام أبنائه.

الأغنية ذاتها خليط من الكتابات ووصف الشيخ أو للثلوج المتراكمة.. هي تحفة جميلة وخالدة. بعد هذه الأغنية بسنوات(1979) عاد بألبوم كامل بعنوان «أياراش اناغ» ثم في سنة 1991 قام بإعادة تسجيل بعض الأغاني. ثم أقام ببعض الحفلات في عدة دول. وتم تصنيفه فنانا عالميا. وموسيقاه أيضاً. في 1993 عاد بعمل محترف مع مجموعة بلو سيلفيري وعمل بعدة ايقاعات وآلات مختلفة. كما سجل ديو مع ألان ستيفان وتمكن من الظّهور على الأوليمبيا لثلاثة أيام متتالية. هذه القاعة الشهيرة جدًا والمخصصة للفنانين العالميين الذين يحظون بشهرة واسعة.

قام بعدها بعدة ديوهات مع الشاب خالد ومامي وأمازيغ كاتب لصالح جمعية خيرية. وهنا نلاحظ أنه ليس متعصبا للأمازيغية وناكرا لبقية مكونات البلد عكس ما يسوق له اليوم من طرف أعداء الحياة. استمر خاصة سنة 1999 التي كانت أخصب سنة في حياته الغنية، حيث جمع العديد من مشاهير العالم مثل ماني شاو وماكسيم فوريستي وغيرهم.

 إيدير والقضية الأمازيغية

من الصعب ان تولد بين هذه الجبال ولا تعشق الأرض وكل ما يحيطها من غناء وأشعار وقصص وبطولات وتاريخ إيدير تعلق أكثر من أي شخص آخر وترجم ذلك بأغنيته التي لقيت نجاحا كبيرا. بفضل أصالته ومحاكاتها الأرض وهموم الناس: الحب، الكراهية، الموت، وغيرها من الثيمات. بصوت رقيق هادئ ساحر مثقل بالدفء والحنين. غنى بالأمازيغية وسجل أول ألبوماته (1976) في أكبر أستوديوهات فرنسا عندما كان نظام بومدين يبتلع هذه اللغة ويعوضها بأعواد الثقاب القادمة من الخارج.

وقد جنينا ثمار ذلك «الاستيراد» في التّسعينات. وقبلها عندما توفي الأديب كاتب ياسين واستهجن الغزالي في صفحات (البصائر) دفنه في مقابر المسلمين. في تلك الفترة كانت محاكم التفتيش تقام ضدّ كلّ ما هو أمازيغي، فالمنطقة لم ترتح بعد من جراح 1963.

إيدير انفتح على العالم واستمع إليه الناس في كلّ بقعة من العالم بينما نظام بلده كان يرفضه. انقطع عن الغناء في الجزائر لمدة أربعين سنة. وعندما سأله صحافي عن سبب هذا الإعراض عن قبول الدعوات التي كان يقدمها له النظام خلال هذه العقود. وعن سبب قبوله، في السّنوات الأخيرة. قال إيدير: الآن اعترفوا بلغتي. باللغة التي أغني بها. وأصبحت رسمية. في السابق لم تكن كذلك… كانت إشارة قوية الى أنه أعرض عن الغناء وعن قبول دعوات النظام لإحياء حفلات في الجزائر إلى أن تحقق مطلبه أن تصبح اللغة التي يغني بها رسمية ومحمية بالدستور.

هذا هو إيدير مناضلا وفنانا ملتزما ونبياً للشّعر وللأغنية الأمازيغية إلى العالم. مات ليلة أمس، فمن يحمينا من وحش الغابة الآن؟ كما جاء في أغنيته الشّهيرة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

20 سنة مرّت والفرجة ما تزال طازجة

بعد عشرين عاماً، ما نزال نتذكّر ذلك اليوم، الذي استوى فيه الرّاي على سماء باريس، …

رشيد طه

رشيد طه.. المُسافر خارج الأزمنة

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو …