الخميس، 6 أغسطس 2020

الكورونا.. بين الخلعة، السّينما والنّظام الدولي الجديد

جلال الدّين سماعن

أمّي متحدثة عن الجائحة: «وَايِّي إيسِينَانْ: أَكْدِيفْكْ ربي أُوعْلِيمْغَانِي ذَاشُو! ترجمة: هذا أّلي قالك: الله يعطيك ماعلاباليش واش!»

عمّتي غنية: «ياخي راح أنمَّثْ.. إوَاشُو اتْلَهْفَنْ فَالسميذ؟! ترجمة: بما أننّا سنموت، لماذا هم بصدد تخزين كل هذه الكميات الهائلة من السميد؟!»

قرأت أو سمعت في مكان ما بأنّ مخرجاً (أظنّه مصطفى العقاد) قد تساءل يوما: «لا أفهم هؤلاء الذين يذهبون إلى السّينما، يشترون تذكرة ليشاهدوا فيلما يُشعرهم بالرّعب والخوف!». لا أظن بأنّ هذا المخرج يجهل الحقيقة من وراء أفلام الرعب بصفة خاصّة والأفلام بصفة عامّة(1). لكنّني شبه متأكد بأنّ القلّة القليلة من المخرجين أو سواهم تعلم بأنّ أمريكا وأثناء عرضها لمشروع مارشال على أوربا لتُعيد بناء نفسها كان من بين شروطها إن لم يكن الشرط الأوّل هو أن تشتري الدول الأوربية أفلام هوليود بمجرد صدورها… فتأمل (على قولة صديقي رشيد فيلالي)(2).

هكذا إذًا بدأت أمريكا حربها الباردة مستعينة بما يسمّيه مختصو الجيوبولوتيك السوفت باور (SoftPower، القوّة الناعمة). كانت تعلم بأنّ خطوتها هذه ستُأتي أكلَّها ولو بعد وفق ثالوث يصرّ عبقريّ مثل إدريس أبركان في الكثير من محاضراته على التطرق إليه (المراحل الثلاث التي يمرّ بها كل شيء): يبدأ تافهاً ثم يشكّل خطراً قبل أن يصبح أمراً واقعاً وحقيقة شبه مطلقة.

الحرب الباردة 2.0

إلى غاية سقوط حائط برلين (1989)، كان العدوّ الرئيسي ومصدر الشرّ المطلق في الأفلام الأمريكية هو الاتحاد السوفيتي. انتصارات رامبو وروكي على السوفييت على سبيل المثال هو فوز لمعسكر الغرب والرأسمالية على معسكر الشرق والشيوعية. بعدها وحين ظنّ العالم بأنّ الحرب الباردة قد وضعت أوزارها، بدأت حرب أخرى يُطلق عليها أهل الاختصاص حرب 2.0، حرب المعلومات، الإنترنت وفي يومنا هذا الذكاء الاصطناعي (هي بالمناسبة باردة فقط على الغرب أما في المناطق الأخرى فمازال الهارد باور (السلاح والجيوش) هو سيّد الموقف وملايين الموتى أحصتها سِيَما شعوب الشرق الأوسط، آسيا وإفريقيا.

ولأنّ أمريكا لاحظت بداية استيقاظ العملاق الصّيني النائم وبوتيرة متسارعة لم تكن مطلقا في الحسبان، كان على كُتّاب السيناريو في هوليود أن يُحيِّنوا حبكتهم وأن يتخذوا من هذا الآسيوي العدوّ الجديد بطريقة أو بأخرى (حين تقرأ كتاب “صناعة العدو” لأمبرتو إيكو ستفهم المغزى والهدف من إصرار الدول – وبخاصة أمريكا – على اختلاق أعداء حتى ولو كانوا وهميّين). ولأنّنا في زمن الكورونا، سأحاول تبيان طريقة توظيف الولايات المتحدة الأمريكية (بتعبير أدق حكومة الظل التي تتحكم فيها وفي العالم بأسره) للسينما لصناعة الرّأي وتضليل الشعوب في سبيل تحقيق مآربها الاقتصادية والمالية المحضّة وذلك بالتطرق إلى فيلمين كثر الحديث عن أحدهما بالنظر إلى التشابه الصارخ بين ما يحدث حاليا وبين وقائعه… والأمر ليس «صدفة» كما يتوهّم الكثيرون.

1995.. فيلم Outbreak

من إخراج ولفغانغ بيترسن، بطولة دوستين هوفمان، روني ريسو ومورغان فريمان.

القصّة باختصار تبدأ في الزائير سنة 1967 حين انتشر في قرية من قراها فيروس يُدعى موتابا (مستوحى من فيروس إيبولا). يقرّر الجيش الأمريكي إبادتها عن بكرة أبيها بإلقاء قنبلة عليها. يعود ويظهر الفيروس في الزائير مرة أخرى سنة 1995 فيسافر إليها سام دانيالز وكازي شولر (عضوان في الجيش الأمريكي تخصّصا في “الأسلحة البيولوجية”) إلى هناك ويعودان بتقرير يُنبأ بكارثة، أنّ الفيروس أخطر من الموتابا وسريع العدوى. لكن رئيسهما يرفض أخذ الأمرّ بجدية ويقرّر إرسال سام دانيالز إلى النيومكسيك حيثتم اكتشاف فيروس.. هانتافيروس (Hantavirus) (راك تقرا ولاّ؟! الفيروس نفسه الذي بدأ الحديث عنه مؤخرا بعد تراجع الكورونا في الصّين).

في هذه اللحظة يظهر على الشاشة رجل “آسيوي” الملامح بصدد اصطياد قرد (مصاباً بالفيروس) في إفريقيا. يصل القرد إلى كاليفورنيا وحين يفشل جامبو في بيعه إلى صديقه رودي – في هذه الأثناء يصيب القرد رودي كما تسقط منه حبة موز ويلتقطها قرد آخر كان في محل رودي فتنتقل إليهم العدوى – يقرّر إطلاقه في الغابة ويسافر إلى بوسطن لملاقاة حبيبته. في المطار، يقبّلها بحرارة قبل أن ينهار لأنّه هو أيضا مصاب. في الجهة المقابلة، يصل رودي إلى المستشفى وحين يحاول الطبيب هنري تحليل دمه يتلطخ به نتيجة حادث. يقضي هنري أمسيته في قاعة للسينما وقد ظهرت عليه أعراض المرض فينقل بذلك العدوى إلى من هم حوله من المشاهدين. هكذا إذن ينتشر الفيروس في مدينة سيدار كريك ويكتظّ مشفاها بالمرضى.

يمكنكم اكتشاف بقيّة التفاصيل بمشاهدة الفيلم أو على الأقلّ بقراءة شيء عنه على النت. لكن من بين الأشياء التي لفتت انتباه كاتب هذه السطور جملة قالها الجنرال ماكلينتوك: «إنّنا في حالة حرب»، قالها ليبرّر قراره بإبادة مدينة سيدار كريك الأمريكية بإسقاط قنبلة فراغية (ThermoabricWeapon) عليها. نفس الجملة بالضبط يرددها على مسامعنا الكثير من رؤساء العالم وربما كان أوّلهم الرئيس الفرنسي ماكرون. هي ليست بريئة بطبيعة الحال كما يعتقد الكثيرون. يمكن تأويلها ببساطة: سنقتلكم (نمحيو ربكم بالطابع المحلي تاعنا) كحلّ من الحلول لتوقيف انتشار الوباء!

2011.. فيلم Contagion

إخراج ستيفن سودربرغ. بطولة ماريون كوتيار، مات دايمون ولورنس فيشبورن.. بلا ماننساو كايت وينسليت.

تبدأ أحداث الفيلم في اليوم الثّاني من الوقائع. تعود بيث من هونغ كونغ إلى أمريكا وعليها أعراض التعب. في هذه الأثناء، يظهر شاب في هونغ كونغ يتعرّق بغزارة كذلك الحال مع شابة في لندن، وأربعيني في طوكيو. في اليوم الرابع تسقط بيث في مطبخ بيتها وتموت في المستشفى. ولأنّها منذ عودتها احتكت بالكثير من الأشخاص في المطارات وفي المدينة، يتزايد عدد المصابين بعدوى فيروس غريب (يقول كتّاب السيناريو يوم صدور الفيلم بأنّه مستوحى من فيروس “نيباه” (Nipah) الذي ظهر في ماليزيا سنة 1998). يتناقش الدكتور إليس شيفر(3) والدكتورة إيرين ميرز(4) حول هذا الفيروس “المستجد” ويقرّر الدكتور إرسال الدكتورة إلى واحدة من بؤر الفيروس في أمريكا. تعمل إيرين كالمجنونة وهي تتقصّى مصدر الفيروس ونوعه قبل أن تنتقل إليها العدوى وتجد نفسها طريحة الفراش في قاعة رياضية كبيرة حوِّلت إلى مستشفى كبير – تماما كهذه المستشفيات التي نشاهدها في كل دول العالم، المتقدم منها على وجه الخصوص..

على عكس زوجة سام دانيالز في فيلم Outbreak، التي تعمل كمختصّة أيضاً في الفيروسات وتنتقل إليها العدوى لكن يتم إنقاذها في آخر لحظة، ستموت إيرين ميرز متأثرة بالفيروس، ستموت وهي تحاول أن تعطيّ معطفها إلى شاب طريح الفراش بجانبها. هذا المشهد من الفيلم يمكن تأويله على أنّه رسالة إلى الأمريكيين أنفسهم وهو أنّه سيتم التضحية بعدد منهم بل حتى بأخيارهم (إلى لحظة كتابة هذه السطور، بلغ عدد الوفيات في أمريكا أكثر من 6766). ليس في اليد حيلة وقد بلغ جشع حكومة الظل “والحكام الفعليّون” مبلغا لا يمكن كبحه. كما الفيلم الأوّل، هناك الكثير من الأشياء ستلفت انتباه المشاهد لا محالة. هي ليست وليدة الصدفة ولا “تنبؤات” كما هو شائع في عنوان عديد الفيديوهات التي نصادفها على اليوتيوب والتي تخصّ مثلا سلسلة الرسوم المتحركة “عائلة سيمبسون”: إنّها أقرب إلى التسريبات أو الإشارات التي يتكرّم بها علينا كتّاب سيناريو هذا العالم البائس والتي نرفض في كل مرة استيعابها أو أخذها على محمل الجد.

في الدقيقة 29 من الفيلم وحين يُطلب من الدكتور يان سوسمان التوقف عن المضي في بحوثه العلمية بالرغم من التقدّم الذي أحرزه في مختبره، فهنا لا يمكننا عدم التفكير في الدكتور راووت الفرنسي والهجمة التي تعرّض لها بمجرد تقديمه مقترح الكلوروكين وفعاليته النسبية في مكافحة الفيروس. شخصية آلان كرومويد هي أيضا شخصية محورية في الفيلم لم يغفل صانعوه عن إدراجها وشيطنتها وذلك استعدادا لليوم الموعود، يوم يقومون فعلا بنقل هذا الخيال إلى حقيقة، أي آواخر 2019 وسنة 2020 وربما سيطول الأمر أكثر.. آلان “هو المريض رقم صفر” أو “الحالة الدّالة” وهو مصطلح طبي «يشير إلى أول ملف يسجل لمريض في علم الأوبئة أو الحالة الأولى من متلازمة أو حالة مرضية تسجّل في الأدبيات الطبية» يمثلُ أشخاصا (كصاحب هذه السطور) ممن يؤمنون إلى حد بعيد بنظرية المؤامرة.

ما سيحدث لآلان الصحافي المستقل في نهاية الفيلم هو اتهامه (باعترافه طبعا) بجمع ثروة طائلة وراء مقترح على موقعه حول دواء – الفورسيسيا – لا فعالية له إزاء الفيروس. بمثل هذه الممارسات، وكم هي كثيرة في الأفلام الأمريكية، ترفض البشرية الإنصات إلى شخص مثل ديفيد آيك ولا تصدق إلاّ ما تبثُه دون توقف قنوات الأخبار التي هي ملك… لحكومة الظلّ. كدت أنسى، ففي الدقيقة 67 من الفيلم تظهر صورتان لمسجد خاو على عروشه… فتأمّل!

بعد 135 يوما، ينتهي الفيلم طبعا بالعودة إلى اليوم الأول من الوقائع وكيف بدأ كل شيء: صورة “خفاش” يلتقط شيئا من الموز. يطير إلى مزرعة للخنازير. تسقط قطعة الموز من فكّه فيتناولها خنزير. يُذبح الخنزير في مطعم وفي الوقت الذي كان فيه الشيف بصدد تحضيره يطلب منه صاحب المطعم الذهاب ومقابلة زبائن أُعجبوا كثيرا بالأكل الذي قدّمه. ذهب ولم يغسل يديه مكتفيا بمسحها على مئزره. وطبعا واحدة من الزبائن التي صافحها الشيف بحرارة زائدة لم تكن إلاّ… بيث!

 

هوامش

(1) بالمناسبة، مصطفى العقاد قام بإخراج سلسلة أفلام الهالويين فقط لأنّها تدرّ مداخيل كبيرة جدّا. هذه المداخيل استعملها في إخراج أفلام أخرى تعكس تسامح الإسلام، كما قال بنفسه. تذكّرني هذه “الحيلة” بنظرة الأحزاب الإسلاموية إلى الديمقراطية – مجرد حصان طروادة لبلوغ السلطة وشرعنة التيوقراطية بعدها.

(2) لعلكم لاحظتم مثلي قيام القنوات الوطنية منذ نهاية 2017 وطيلة سنة 2018 بإعادة بث مسلسلات قديمة معظمها كان قد أنتج وبُثّ في التسعينات بالضبط. لا يخلو الأمر من براءة فتلك كانت طريقتهم في القول “إمّا نحن أو الإرهاب” لتيقّنهم بأنّ إعادة مشاهدة هذه الأفلام والمسلسلات سيدفع المتفرج عن غير وعي إلى استحضار السياق الذي شاهدها فيه لأوّل مرّة وهي فترة الإرهاب. ويخرجولهم منهيه مواليد 2000 وأبطال الديجيتال.

(3) أدى الدور الممثل لورنس فيشبورن. حين تقرأ كتاب “الهويات القاتلة” لأمين معلوف ستفهم بأنّ اختيار الممثلين أصحاب البشرة السوداء في الأفلام الأمريكية هو اختيار مدروس بدقة.. بالمناسبة، من 2007 إلى 2017 كانت الصينية مارغاريت شان هي المديرة العامة لمنظمة الصحة العالمية أما المدير الإثيوبي الحالي تيدروس أدهانوم غيبريسوس فتم تعيينه فقط سنة 2017 وله ما له من السوابق حين كان وزيرا للصحة في بلده من 2005 إلى 2012.. فتأمل! 

(4) اختيار كايت وينسليت لهذا الدور له دلالته سيكتشفها فقط المشاهد الفطن. أمّا من ينظر إليها – العرب طبعا – على أنّها مجرد “روز” تاع التيتانيك فلن ينجح في فهم الرسالة أبداً.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هادي يحمد

هادي يحمد: لا يمكن تأسيس ديمقراطيّة دون العلمانيّة

حاوره: العائش تركي اشتهر هادي يحمد بكتابه “كُنت في الرّقة.. هارب من الدّولة الإسلامية” وصدر …

مخطوطات نادرة لايزابيل ايبرهارت تُعرض في جنيف

يُقام في مدينة جنيف السويسرية، خلال الفترة من 17 جانفي 2019 والى غاية 07 أفريل …