الخميس، 29 أكتوبر 2020

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر

أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات وامتثلت لقواعد اللعبة تماماً كلاعب الشّطرنج في رواية ستيفان زفايغ، أسأل نفسي وأجيبها، أدور في فراغ وأسجّل ملاحظات عن هذا الزّمن «الفيروسي» الذي يُحيط بنا.

حين تتحول الأسطورة إلى حقيقة

منذ أزيد من شهرين شاهدت فيلم «I am a legend»، بطولة ويل سميث، كانت أزمة ووهان في بدايتها، والحقيقة أنني لم أكن لأتابع ربع الفيلم ذاته لولا تلك الأزمة، تماما لأني لا أطيق سينما الخيال العلمي وفكرة البطل المطلق، كيف لرجل أن يحارب لوحده من أجل إيجاد ترياق و يتمكن من ذلك (عكس ما يحدث اليوم بالتفاصيل).

بين كتابتين تابعت نصف الفيلم على مضض، وها هو اليوم يخيم عليّ مثل شبح، كلما تقدم المرض منا. تبنى الدراما على الخيال، والخيال ينطلق من جمع قطع متنوعة من الواقع لبثّ الحياة فيها، لكن الحدود تنتفي اليوم بين الواقع والخيال، صرنا ناسخين للاستعراض. في عالم المنافسة الشرسة لا مكان للرتابة، الحياة مغامرة كبرى مبنية على تسلسل جملة مغامرات صغيرة، هي قيم الإعلام منذ صار يصارع من أجل الحفاظ على مكاسبه التقليدية، ينوّع في لغته، يستنجد بقواميس اللغات المجاورة، شيء من المسرح و بعض من السينما.. نوع من «the  purge» تمارس علينا نحن الموكلون للفناء.

لكن الجديد هنا أنه بعد اﻟ«avatar» والواقع الافتراضي، انتقلنا بفضل الوسائط الجديدة إلى مستوى آخر، نُشاهد ثم ننغمس في كتابة باقي الفصول بكل ما تتطلبه الحبكة الدرامية من مقادير العمل الجيد: إثارة، تشويق، حزن، خوف، موت، وأبطال.

كورونا: انتقام النّساء

أنا في البيت منذ أسبوع تقريبا، اضطررت لمقاطعة قاعة الرياضة وكل النزهات التي كنت قد رتبت لها، تمت إحالتي على عطلة إجبارية رفقة الكثيرين من قطاعي التربية والتعليم العالي، وذهبت مشاريعي ومواعيدي مع طلبتي مهب الرياح.

سيناريو السّنة الماضية يتكرّر: قلق وضغط، ترقّب محموم للأخبار والمستجدات، بفارق واحد تقريبا: أتساوى أنا وأخي في ضرورة البقاء في البيت، مخافة أن ننقل لأمنا المريضة ذلك الفيروس اللعين. عكس السنة الماضية وقت انطلاق «الحراك»، حين كنت أُمنع من حضور المسيرات، فالحرب للرجال كما يدّعي أخي. مساواة من نوع آخر يحققها هذا الفيروس الملعون في شهر حقوق المرأة. هنا حيث الفضاء العام الرقمي أكثر نشاطا من الفضاء العام التقليدي، ينوب عنه في أوقات كثيرة بفضل سقف الحريات الرقمية الأكبر (نسبيا). عشنا وشفنا، حملة «شد دارك» تعوّض حملة «بلاصتك فالكوزينة»، وكلّ الحملات الشرسة التي تدعو النساء لالتزام بيوتهن، وترى في تملك النساء للفضاء لعام رذيلة.

الأوبئة والقوميات

بين خطوتين أوقف المسير لأطالع شيئا على شاشة الموبايل، وفي أقصى حالات الإفلاس النفسي أستسلم لبحث مضن أمام شاشة التلفزيون التي أعيد اكتشافها هي الأخرى. لا مجال للاستسلام لعبثية أكبر مما أعيشه هذه الأيام.

صادفت ما يشبه الفيلم الوثائقي على شاشة «Arte»، يعود إلى الصراع المحموم الذي حصل بين الفرنسي لويس باستور، صاحب اللقاحات العظيمة والطرائق العلاجية الثورية ومؤسس علم المناعة الحديث والألماني كوخ، رائد علم الأوبئة وصاحب الأبحاث الفذة حول الكوليرا، وكيف غذى الإنتماء القومي لكليهما عملهما الدؤوب من أجل تطوير لقاحات وكشوفات غير مسبوقة من شأنها إعلاء اسمي ألمانيا أو فرنسا، بحسب صنيع وذكاء وبحث كلّ واحد من العالمين.

بالنسبة لأجيال لم تعرف الأوبئة سوى في كتب التاريخ وكلاسيكيات الأدب، يبدو الموضوع عصيا على الفهم، خصوصا في ظلّ تصدّع مفهوم الدولة التقليدي أمام قوة رأس المال، وعقود من التبشير بدين الفردانية، انتماء المخترعين الجغرافي لم يعد سوى خلفية جميلة تساهم في التأثيث لصورته في حال عثر على سوق لها. من العبث أن نبحث عن نجاتنا في الآخرين وعن خلاصنا في تطبيق صارم للقوانين القومية، كنا نتمنى زوالها حتى نتقاسم امتلاكا أكبر للفضاء العام العالمي المشترك. ها نحن نطالب بترسيم أكبر للحدود السيادية بعد أن تفشّى فيروس مجهري.

هل يسعنا العالم جميعا؟

تجاوزنا السبعة مليارات منذ فترة، وأعلن عن إفلاس الكوكب، زاد عدد الأفواه و بقي عدد الممسكين بزمام الثروات و توزيعها يراوح مكانه. أنا من جيل لم يع حروبا غير تلك التي شاركنا فيها بالنيابة من خلال الشاشات، بل حتى عشرية الذبح التي صاغت حدود عالمي أرفض كما كثير من جيلي في لا وعينا الجمعي تسميتها بحرب. لكن مخلفات الفايروس «التّاجي – الناجي» تهدينا إلى سبيل أنفسنا مرة أخرى، بعد أن أضاعتنا كثرة السبل لنطرح السؤال الوجودي: ماهي حدود العيش المشترك على وجه الكوكب؟

لقد وحدت أشكال الانتاج والعولمة البشر كما لم تفعله ظاهرة من قبل، وعلى رغم الفجوات التي ترتب تفاصيل حياتنا كبشر إلا أن عبور أشكال الإنتاج والاستهلاك بين الثقافات وحدود الدول التقليدية وحجمها لم يسبق لها مثيل تاريخيا. أكثر المتفائلين يرى في الأزمة التي تعيشها البشرية اليوم عامل توحيد آني مباشر وفعال غير مسبوق، تسقط أمامها الحدود الجغرافية والثقافات، وتسلط الضوء على أكثر ما يوحد البشري: الخوف من الفناء. ولكن هل ألغت أزمة الفيروس الفروقات التقليدية والفجوات؟ ربما في الواجهة فقط، فقد سلّطت الضوء على ما يجمع البشر، لكنها أوضحت بما لا يترك مجالا للشك الفروقات في التعاطي مع الأزمات الكبرى.

صوت الإمام

للإمام صوت معلم المرحلة الابتدائية ومدرب الكارتيه. يمارس نهيه وزجره بأريحية، يتاجر بلغو الحديث كما يتاجر كثيرون بمادة السميد هذه الأيام. للإمام ريشة فنان عدمي وخيال لصّ. يعشق الإمام الظهور والحديث عما لا نراه نحن الخطاؤون، وحده مكشوف الحجاب يعلم ما تخبئه الصدور. الإمام هو الزمان وقد انتفى. الإمام حرباء اجتماعية، خادم الكسل والفشل. أخي يصلي وسط الليل عند زاوية رطبة تزينها بكتيريا الزمكان، والإمام هناك يقود موكب الناصحين، يطأطئ الطبيب رأسه، ويخفض الشرطي والدركي عيونهم في حضرة الإمام.

«إخواني إلزموا بيوتكم» صدح الإمام بحنجرة الرّعب والانتظار…الإمام يعزف مقطوعة «الخوف» على العالمين، أخي يصلي…أمّا أنا؟ أنا لا أهتم، التّاريخ تاريخ أمراض وأوبئة…

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

كورونا…وباء ما بعد حداثي

هكذا تحول كورونا إلى أهم حدث على وجه البسيطة، بدا لأول مرة كشبح ليصبح حقيقة …