الخميس، 6 أغسطس 2020

محمد ديب: نحو تعريف لما يسمّى لغة الكتابة

لامية أوشريف. ترجمة: جلال الدّين سماعن

نسعى في هذه الدّراسة إلى مقاربة كلمة «أطلال»، التي وردت بالعربية في ثلاثة أعمال لمحمد ديب: «الصّحراء دون مُواربة»، «الأميرة الموريسكيّة» و«شجرة الأقوال». ما هو المعنى الذي أراد الكاتب إعطائه لهذه الكلمة؟ أطلال.. كلمة ستجعلنا في النّهاية نُدرك وجود كتابة متفرّدة وثنائية اللّغة، تخصّ محمد ديب وحده. هذا الأخير عمل على أن يُزاوج بين لغته «الأمّ» واللّغة الفرنسية ليخلق لغة يمكننا نعتها ﺑ «لغة الكتابة».

اخترنا في عملنا هذا أن نوليّ اهتماما بالكاتب محمد ديب. فبعد صدور روايته «من يتذكّر البحر»، أشار إلى أنّ مبلغ اهتمامه هو خلق أدب أطلق عليه اسم أدب الإبداع (création)، كما أوضح أيضاً بأنّ الكتابة باللّغة الفرنسية لم تعد تشكّل له أيّ مشكلة. غير أنّ هذا لم يثنه عن العودة إلى هذه المسألة من أجل توكيدها وجعلها أكثر جلاءً بالنسبة لقرّائه. هكذا سنقرأ في كتابه «شجرة الأقوال»:

«أصبحت اللّغة الفرنسية بالنسبة لي لغة متبنّاة. لكنني حين أكتب أو أتحدّث أشعر بأنّ فرنسيتي اعترتها معالجة ما وتتحكم فيها لغتي الأمّ بشكل يتعذّر شرحه. هل هو عيب؟ بالنسبة للكاتب، يبدو لي الأمر كورقة رابحة إضافية شريطة أن يتمكّن من المزاوجة بطريقة وديّة بين اللّغتين».

يبيّن محمد ديب بنفسه بأنّ المشكلة لا تكمن في قضية استعمال اللّغة الفرنسية ولكنها متعلّقة بشيء آخر. بالفعل، هو يعبّر صراحة على أنّ ما يشغله هو رغبته في أن تتشارك «لغته الأمّ» واللّغة الفرنسية لتعطيا معا لغة واحدة: «لغة الكتابة». لا يشكّ ديب في أنّ اللّغة الفرنسية التي يستعملها «متأثّرة» و«تخضع لتحكّم» من طرف لغته «الأمّ» إلاّ أنّ ذلك لم يمنع شيئا من اللاّيقين أن يتسرّب من كلامه، هذا اللاّيقين يتمثل في عبارة «يتعذّر شرحه»(indéfinissable) التي وظّفها في حديثه عن المزاوجة بين اللّغتين. هذا الإحساس بالمتعذّر شرحه – بل قل بالمجهول – سيكبر عند الكاتب إلى الحدّ الذي يجعله متوجسا من عدم القدرة على الكتابة باللّغة الفرنسية:

«يحدث، جرّاء حادث ذو طبيعة مجهولة، أن يعتريّني خوف من أن تخونني اللّغة الفرنسية، أن تصمت بداخلي. هكذا يمكن أن يغدوّ صمتها هو صمتي لأنّها سكنتني في غفلة مني، قبل أن أعرف أدنى شيء عنها. مذ ذاك، لم تتوقف عن مخاطبتي، كصوت آتٍ من بعيد ليتحدّث عنّي».

قد تبدو هذه الفقرة بسيطة من أوّل وهلة، ذلك أنّ محمد ديب يعرّف بنفسه علاقته باللّغة الفرنسية. بيد أنّه وباستعماله عبارة «اللّغة الفرنسية» فهو لا يشير إليها إطلاقا كلغة أجنبية. اللّغة الفرنسية بالنسبة إليه في هذه الحالة هي لغة الكتابة. يتعلق الأمر تحديدًا بهذا الصّوت الذي تطّرق إليه والذي يمثّل له وسيلة للتعبير. هكذا نجد أنفسنا حيال إبهام مؤكد فيما يخصّ التسمية التي يروم محمد ديب إعطائها إلى اللّغة التي يكتب بها. ثم ألا يرتبط هذا الإبهام بالعلاقة التي يحياها الكاتب لا مع اللّغة الفرنسية وإنما مع اللّغة التي يكتب بها؛ هذه اللّغة المعالَجة والمتحكم فيها ستُنتج لا محالة نصّا مبهما، نصّا يروم أدبا يدعى أدب الإبداع.

شجرة الأقوال، 1998
شجرة الأقوال، 1998

إنّ محمد ديب، ومن خلال تعريفه لأعماله على أنّها أعمال إبداعية، يسعى إلى إبعاد قارئه عن الخوض في أبحاث تنجر عنها مواضيع تتناول ما اصطُلح على تسميته «الأزمة الهووّية». ما يريد الكاتب مقاسمته بشكل خاص مع قارئه هو هذه الصعوبة التي يواجهها أثناء تعريف الكتابة أو بتعبير أدق تعريف اللّغة التي يستعملها من أجل الكتابة. منبع هذه الصعوبة هو عدم قدرته على الفصل بين اللّغتين، اللّغة الأمّ واللّغة الفرنسية. يقول عنهما بأنهما «متعاطفتان» وتنخرطان في مكان واحد كي تحيدا عن بعضهما البعض فتتوّلد عنهما لغة الكتابة. في إشارته إلى مثل هذا الانصهار بين اللّغتين، الأمّ والفرنسية، وجد كاتبنا نفسه في قلب الإشكالية المتعلقة بالشخص ثنائي اللّغة.

ولأنّه ثنائي اللّغة فقد كان محمد ديب مطالبا بأن يحدّد موقعه وسط جدلية «المماثل والآخر». لا ينبغي، مع ذلك، التخمين – انطلاقا من هذه الجدلية – بوجود أيّ مصدر للصّراع عند كاتبنا؛ بل العكس هو الذي حدث حين غدت هذه الجدلية أرضية ملائمة للوحدة، «للتعاطف» ولعلاقة تعمل لصالح الصّفاء.

في دفاعه عمّا أمكننا تسميته لغة الكتابة، هذه اللّغة الموحِّدة بين اللّغة الفرنسية واللّغة الأمّ، لم ينشغل محمد ديب بهذا الارتباك في المشاعر الذي قد يراودنا حين نتساءل: «كيف يمكننا أن نكون ذاتنا دون أن ننغلق على الآخر؟» (إدوارد غليسان). يكمن الارتباك في نقطة أخرى وتتمثل في السؤال المتعلق بدوافع هذه الكتابة بالضبط وليس كتابة أخرى. بتعبير آخر، لا يجّر محمد ديب قارئه ليرى لماذا يكتب باللّغة الفرنسية، ولكنه يجرّه ليرى ماذا تمثّله هذه اللّغة في كتاباته؟ كيف تتجلى هذه اللّغة الفرنسية في أعماله وهي متشربة بلغة أخرى، لغته الأمّ (العربية)؟

سنحاول الإجابة على هذا السؤال معتمدين في ذلك على العمل الذي ذكرناه آنفا، «شجرة الأقوال» ولكننا أيضا سنعتمد على عملين آخرين هما «الصحراء دون مُواربة» و«الأميرة الموريسكية». سينصب اهتمامنا على كلمة عربية واحدة: أطلال.. وردت في هذه الأعمال. تُحيلنا هذه الكلمة إلى تساؤلاتنا المرتبطة باستعمال لغة أدبية خاصّة بمحمد ديب. في الأميرة المورسكية والصحراء دون مواربة، لفت انتباهنا حضور فضاء معيّن وهو فضاء الصحراء وفيه بالضبط سيورد كاتبنا كلمة أطلال.

الصّحراء دون مُواربة، 1992
الصّحراء دون مُواربة، 1992

علامات «كتابة غامضة»

 في رواية «الصحراء دون مواربة»، نعثر على فقرة هي عبارة عن محادثة بين شخصيتين تتواجدان في عمق الصحراء، شخصية سيكليست (Siklist) وشخصية حاج-بار (Hagg-Bar):

  • الأطلال: ألا تعرفها؟
  • لا سيدي، أقّر بجهلي.
  • هي بالمناسبة ما سنحاول فك شيفرته.
  • وما هي إذا؟
  • سيقول لك البعض هي ذا ويقول آخرون هي ذاك.
  • وما هي في النهاية؟
  • في النهاية لا نعرف الكثير عنها. وجب الاكتفاء بشيء تقريبي على غرار: آثار مخيمات مهجورة، علامات كتابة غامضة.

ماذا تُراها ستكون علامات الكتابة الغامضة إن لم تكن علامات رواية الصحراء دون مواربة بحدّ ذاتها؟ بالفعل، يتعلّق الأمر في هذه الرواية بشخصيتين يكتنفهما غموض كبير، لا نعرف من أين قدمتا ويدور بينهما حوار عصيّ فهمه في مكان أمكننا وصفه بأنّه ضائع. لا يمكن للقارئ، وهو يقرأ العمل، أن يغفل عن إبداء اندهاشه وانزعاجه. هكذا سيجد نفسه منخرطا في هذا العالم الغامض وسيحاول أن يفهم مفهوم الكتابة بحدّ ذاته. إنّ التساؤل الذي يفرض نفسه على القارئ هو نفسه الذي سيدفعه إلى التفكير المتواصل عن آلية كتابة الصّحراء دون مواربة.

بالنسبة للكاتب، هل الكتابة الغامضة هي هذه الكتابة التي لا يمكن تعريفها؟ إلى ماذا سيؤول الغموض إذا لم يكن هذا التقريب وهذه الضبابية واللّذان يقدمان كتابات محمد ديب بوصفها سراب؟ هذا السّراب ذاته الذي نكاد نلمحه حين نجد أنفسنا في مكان ضائع فنبحث عن مخرج؟ قد يكون هذا المخرج موجودا ولكنه شبه متوارٍ. هذا الذي خلق كتابة وصفها بالغامضة وضع نفسه في مكان غير مريح. مكان يتوغّل فيه كاتبه ولكن هذا المكان (مكان الكتابة) يتوغّل فيه أيضا القارئ. ينطلق هذا الأخير نحو العلامات ويشعر وكأنه يعيش مغامرة؛ مغامرة لن تكون فريدة من نوعها لأنّه سبق وأن عاشها غيره، ذلك الذي كان قد خلقها وفي نفس الوقت استكشف أغوارها: إنّه بطبيعة الحال الكاتب وهو يجوب هذا الفضاء الذي خلقه بنفسه، يترك الكاتب شيئا يشبه الآثار سيتعقبها لاحقا هذا الذي سيرثها، أي القارئ.

إذا ما هو واصل قراءة الرّواية ذاتها، سيجد القارئ نفسه قد طوّر ذائقته المتعلقة بالمغامرة، لكنّه سيجد نفسه أيضا متسلحا بالصّبر: «سيستعمل الآن الصبر، لديه كامل الوقت. الصّبر هو حكايته. مثل هذه الطريق أيضاً، هذه الرمال التي لم يعد فيها طريق وليس فيها غير نارٍ يجري لهيبها بعيدًا ليوقد لهبا آخر». قائل هذه الجمل هو شخصية حاج-بار في حديثه مع شخصية سيكليست. يشعر القارئ وكأنّه هو المقصود بهذه الكلمات. إنّه مثل فرد «غير مرغوب فيه» يحضر محادثة بين شريكين مقربين يتبادلان ألغازا. القارئ هو شخص غير مرغوب فيه أو بالأحرى القارئ هو «شاهد».

سيتمكّن القارئ المغامر والمتسلّح بالصّبر من إنهاء قراءة نصّ الرّواية وسيحاول في النهاية أن يعيد تشكيل الحكاية وأن يخلص إلى نتيجة. ومهما كانت المجهودات التي سيبذلها فإنّه سيخرج بنتيجة مؤكدة: ليس في مقدوره أن يرويّ الحكاية لكنه سيحتفظ منها بالأطلال، آثار ستقوده إلى التفكير في عدد لا بأس به من المواضيع الجادّة والمعقدة. يمكنه التفكير في موضوع التناهي (finitude) الذي يعجّ به النصّ.

لكن نهاية ماذا ونهاية من؟ ليس في مقدورنا معرفة ذلك لكن يمكننا القول بأنّ الأمر غير متعلق بنهاية مأساوية، إنّها بمثابة نهاية تأتي من تلقاء نفسها أو دعنا نقول هي عبارة عن «موت طبيعي»، ذلك الموت الذي نميل أكثر إلى تقبّله بل إلى تفضيله على الشكل الآخر من الموت «الرّهيب»، ذلك الموت المنجّر عن قتل أحدهم لغيره: «لا، لا أحد يقتل أحدًا. سنجد النّقش، سنجد الشّعار المخصصّ لنا. انتشرت على سحنته عبارة السّعادة وكأنّ به يُنصت إلى الوقت وهو يبتعد، وهو يذهب أبعد من ذلك».

يتحدث حاج-بار عن مكان قصيّ يرغب بشدّة في الإيمان به وهو يشكّل بالنسبة له حياة أخرى، تلك التي سيرى فيها ميلاد عالم جديد وسيعرف فيها السّعادة. وحتى قبل أن تجد نفسها في هذا العالم، ها هي هذه الشخصية تتطلع إليه وهذا التطلع هو الذي يسمح لها بعيش شعور استثنائي (السّعادة)، تاركة آثاراً لكل من يرغب في جمعها.

الأميرة الموريسكيّة، 1994
الأميرة الموريسكيّة، 1994

الكتابة، القراءة: إدلاء بشهادة

في رواية «الأميرة الموريسكيّة» أيضاً، سيقودنا الكاتب إلى اكتشاف كلمة أطلال وذلك من خلال محادثة بين شخصيتين: ليلي بيل (Lyyli Belle) وجدّها المزعوم. وهي في الصّحراء، ستلمح ليلي بيل «خيمة لشخص بدويّ». في هذا المكان ستلتقي بجدّها من جهة أبيها. تطرح عليه كل تلك الأسئلة التي لطالما رغبت في توجيهها له قبل أن تلتقيه. ستتمحور هذه المحادثة التي جرت بينهما حول سؤالين أساسيين: ستطلب الطفلة من جدها ما معنى كلمة «رمل» وسيطلب الجدّ من حفيدته ما معنى كلمة «ثلج». لكي يعرّف «الرمل» سيعطي الجدّ في كل مرة نفس الإجابة التي أعطتها ليلي بيل وكأنّ الأمر يتعلق بتعريف الشيء نفسه.

  • يصنع الثلج الصّمت.
  • الرمل أيضا يصنع الصّمت […]
  • الثلج نقي […]
  • نقي، الرمل أيضا يجعل العالم نقيا».

ستتحوّل المحادثة إلى شيء يُشبه الدرس البيداغوجي، حيث تقوم الطفلة بطرح الأسئلة ويقوم الجدّ بالإجابة كما لو أنّه يلقّنها تعليما ما. يشرح لها المقصود من كلمة ما ويصرّ على أنّ الكلمة لوحدها لا تعني شيئا، بل على المتحدث أن يمنحها المعنى. بعدها، سيتركها تكتشف حيوانا. وجب التنبيه إلى أنّه وفي كل مرة تريد فيها ليلي بيل تسمية جسم ما فهي تلاقي بين الشيئين اللذين عادة لا يلتقيان، الثلج والرمل؛ تتكلم عن «ثلج ساخن من الرمل». الحيوان الذي ستكتشفه ليلي بيل هو حيوان «العظاءة الأمريكية».

«غاصت (العظاءة) وذابت في الرّمل، ولم تنس غير الآثار التي تركتها مخالبها، آثار محفورة بشكل واضح وكأنها قد حفرت على الرّخام. هكذا غدت الصّحراء بكل رملها صفحتها البيضاء فدوّنت عليها كتابتها. هل هذه هي طريقتها في الكلام؟ ثم ماذا تُراها قد كتبت؟ رحت أتأمّل بعناية هذه الخربشة وأمعن فيها».

نرى من خلال هذا المقطع بأنّ ليلي بيل تقيم علاقة واضحة بين المكان والكتابة. يشكّل الرمل، كما أبرزت ذلك، صفحة بيضاء للعظاءة ويكفي هذه الأخيرة المشي عليه لتخلّف وراءها آثار الكتابة. لكنها كتابة تعجز ليلي بيل تماماً على القبض عليها بالرّغم من مجهوداتها الكبيرة. وحتى إجابة جدّها بقيت متملصة وغير مكتملة حين اكتفى بكلمة «أطلال»، مبتورة من كل سياق. قال لها: «عودي إلى حيث وضعت الحيوان واقرئي ما كتبه. أطلال، لا شك في ذلك. اذهبي يا بنيتي». ودون أن تعيّ أيّ شيء، ستحاول ليلي بيل أن تفهم لوحدها كتابة العظاءة لكن دون جدوى.

كتابة رواية «الأميرة الموريسكية» تشبه الكتابة التي أبدعتها العظاءة. هي كتابة يظهر فيها المعنى قبل أن يختفي في الحين فاسحا المجال لمعنى آخر، وهكذا دواليك. الكتابة في نصّ الأميرة المورسكية قد تكون مشابهة للعبة يمارسها أهل الطوارق. كتب محمد أغالي زاكارا:

«يشكّل الرمل بالنسبة لأهل الطوارق أفضل أداة للّعب: الأدّاة الطبيعية التي يمكن العثور عليها في كلّ مكان والتي تستعمل في اكتساب رموز التيفيناغ. نخطّ العلامات ثم نمحوها، نكتب، نمحي… وهلّم جراً. نتلاعب بالعلامات حتى نخلص إلى إتقان كلّ الرموز. نستمتع بالكتابة من الأسفل نحو الأعلى، من الأعلى نحو الأسفل، من الشّمال نحو اليمين، من اليمين نحو الشمال، على الطريقة البوستروفيدونية وأحيانا على شكل حلزون».

يبدو لنا مهما هذا التعريف الذي اقترحه محمد أغالي زاكارا والخاص بلعبة الكتابة عند شعب الطوارق، ذلك أنّه يسمح لنا بفهم أفضل لنص الأميرة الموريسكية. هذا الأخير يحيلنا إلى الصّحراء ويقودنا إلى التّفكير في المعنى الذي تحويه كتابة العظاءة. في نظرنا، كتابة هذا الحيوان مطابقة لكتابة الطوارق. هي كتابة سرعان ما تمّحي بعد كتابتها؛ كتابة العظاءة كما كتابة الطوارق هما سريعتا الزوال. تودّ هذه الممارسة الكتابية الانصياع للّعبة لكنّها لعبة لها هدف محدّد وهو التعلّم؛ تعلّم علامات تُستخدم في التعبير. تستعمل ليلي بيل (مثلها مثل العظاءة أو الطوارق) الكتابة لإنتاج الكثير من العلامات، تعطي لها في البداية معنى معّين، ثم معنى آخر وآخر…

محمد ديب في شبابه
محمد ديب في شبابه

في انصياعها للعبة الكتابة، تتبع ليلي بيل نصيحة جدّها، «ستدلي بشهادتها» كما تقول بنفسها: «وها أنا أملك هدفا في الحياة: سأدلي بشهادتي أنا التي كنت مكتفية بمشاهدة الأشياء دون أن أفكر في أيّ شيء. المشاهدة ثم المشاهدة. هذا ليس سيئا ولكنه غير كافٍ».

تتكلم ليلي بيل عن الإدلاء بشهادتها، لكنّها لا توضّح عماذا وكأنّ استعمال هذه العبارة لوحدها كفيل بذلك. سيحاول قارئ الأميرة المورسكية أن يفهم ماذا تقصد ليلي بيل بهذه العبارة وفي مقدوره أن يقول بأنّ مجرد التعبير هو في نظر ليلي بيل شهادة.

لا تهم الوسائل التي اختارتها من أجل هذا الفعل (التّعبير)، ما هو مؤكّد أنّها جعلت من انتاجها الكتابي لعبة، هي لا تريد الكتابة من أجل اللعب لكنها تريد التظاهر بالكتابة. على القارئ حينها اعتبار نص الأميرة الموريسكية كشهادة من بين الشهادات الأخرى. هي شهادة تسلّط الضّوء على حياة فتاة صغيرة تتحدّث عن انفصال والديها ولا يجب قراءتها على أنّها تقرير بسيط لما آلت إليه الأمور. وهو يقرأ الأميرة الموريسكية، فالقارئ مدعوّ إلى اقتراح شهادة أخرى وعلى الانصياع بدوره للّعبة كما فعلت ليلي بيل. ليس على القارئ أن يفكّر في التبعات التي قد تنجر عن شهادته ذلك أنّها لا تعدو أن تكون لعبة بالنسبة إليه وهي سريعة الزوال. في الصفحات الأخيرة من الرواية، تتحدّث ليلي بيل بنفسها عن خاصية الزوال السريع للكتابة؛ فتكتب:

«هكذا وفجأة أصبحت الحديقة فارغة والعالم فارغا. لم يعد هنالك إلاّ الشمس. وحدها تملأ كلّ شيء. أتضرّع ألاّ تأتي أدنى كلمة لتفسد هذا الصّمت الجميل! أنا أتكلّم، لا أحد يسمعني إلاّي. السعادة هي هذه الدقيقة التي لا تمر. شيء بسيط. أنا أيضا لا أمر. هل قلت هذه الدقيقة؟ لكن سرعان ما يحدث ما لم يكن في الحسبان: يصبح الفراغ ممتلئا. دون سابق إنذار، دون أن يكون في إمكاننا فعل أيّ شيء حيال ذلك».

في نظر ليلي بيل، لا يملك العالم أيّ معنى إذا لم تتكفل هي بإعطاء معنى لكل العناصر المشكّلة له. سيغدو العالم فارغا إذا لم يقرر أيّ شخص إثراءه بإدلائه شهادته. تشبّه ليلي بيل هذا العالم بملعب من واجب كلّ لاعب فيه أن يبذل جهدا ليجعل منه عالما موجودًا. ملعب من دون لاعبين هو بالفعل مثل عالم فارغ، مثل عالم ليس لديه بما يثبت وجوده.

في كلتا الروايتين، يتمثل الأمر بالنسبة للقارئ في محاولة فك شيفرة كتابة غامضة؛ كتابة حاكتها الآثار.

«دعونا لا نذهب أبعد من ذلك، لنعترف منذ البداية بأنّ الصّحراء والعلامة كأنّهما قد عقدتا اتفاقا منذ الأزل وبأنّهما، منذ ذلك الحين، تتصرفان في تواطؤ: تعرض الصّحراء نفسها كصفحة بيضاء ينخرها حنين العلامة، والعلامة بدورها، بسبب غيرتها من بياض الصفحة، تخضع للأمر وهي واعية بأنّ هذه الصفحة سوف تستنشقها وتبتلعها في نفس الوقت الذي تسجّل فيه نفسها عليها، أو بالكاد بُعيد لحظات قليلة. تندثر إذ ذاك العلامات والكتابة. الأمل الوحيد والأعظم هو أن يتبقى منها آثار غير محتملة، أطلال».

انطلاقا من هذا المقتطف، أمكننا القول بأنّ محمد ديب يرى في الفضاء الصّحراوي فضاءً مثاليا يسمح له بتعريف كتابته الشخصية. هكذا ستتجلى هذه الأخيرة على شكل «آثار». الآثار تشبه بقايا الأشخاص وهم بصدد البحث عن الكلام، أو بأكثر دقّة يسعون إلى كسر حاجز الصّمت. ذلك أنّ الكلام يُصبح صعبا في حالة من لا يعرف ماذا سيحدث لما سيقوله. لذلك فكسر حاجز الصّمت هو أن تمنح نفسك الكلمة بما يستدعيه السّياق. المقصود بالسّياق هنا تلك الظّروف التي تجد فيها نفسك ثنائي اللّغة. ولأنّه على وعي بالسياق الموجود فيه فإنّ محمد ديب أراد تفسير مثل هذه الحقيقة. إنّه يسعى ليبيّن لنا، باعتباره كاتبا بأتم معنى الكلمة، بأنّ حقيقة الشخص ثنائي اللّغة حاضرة في كلّ عمل يبدعه. غير أنّه سرعان ما يتجاوزها ليمر إلى الأهم وليدرك في النّهاية فقط الآثار التي تبقى من تقاطع لغتيه اللتان ليستا هنا إلاّ لتتعاطفا مع بعضها البعض.

وهو يتتبع آثار كتابة كهذه، سيجد القارئ نفسه منشغلا بأدبيّة (littérarité) النصّ وسيرى ما هو خاص ويميّز مبدع هذه الأدبيّة. أن نتلمس خاصية كتابة ما هو إدراك بالأهمية التي نوليها للنص. هي إذن هذه «الأطلال»، هذه الآثار التي بمقدورها تشكيل خاصيّة كلّ عمل أدبي، هذا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار آثار ما يمكن أن يشكّل أدبيّة النصّ الأدبي.

ما يتبدّى لنا مهمّا عند محمد ديب هو أنّه من جهة، يصرّح بغموض كتابته المتفردة وبالتالي نستطيع أن نقرّ له بلغة أدبية خاصة به، ومن جهة أخرى، حين نقرأ بتمعن تأمّلاته الشخصيّة حول الكتابة فنحن ملزمون بالقول بأنّه ينسب نفسه إلى نوع من الكونية (العالمية)، بمعنى أنّه يهدف في نهاية المطاف إلى التعريف الجوهري للكاتب أيّا كان. ممّا لا شك فيه هو أنّه ومهما كانت اللّغة التي يكتب بها الكاتب فإن هذه اللّغة تبقى لغة «أفكاره الحميمة». وسنستدل هنا بما كتبه جوليان غرين: «يستطيع المرء أن يتكلم بطلاقة ستة لغات لكنّه لن يشعر وكأنه في منزله إلاّ في لغة واحدة، لغة أفكاره الحميمة».

في الختام، نرى بأنّ كلام جوليان غرين يتقاطع بامتياز مع ما حاولنا عرضه من خلال هذه المقالة البسيطة. اللّغة التي تجعل محمد ديب يشعر وكأنّه في منزله هي إذن هذه اللغة التي لا «يتكلم» بها ولكن يكتب بها؛ لغة «غامضة» بحسب تعبيره، يريد أن يشاطرنا إيّاها لكن من غير أن يعرّفها. هكذا ينعدم أيّ تفسير للغموض ولا يجب محاولة البحث عن منبته، يجب الاكتفاء بأن تعيشه. وربما هذه الطّريقة التي يمتلكها الكاتب في حديثه عن كتابته الشخصية هي من تجعلها خاصة به وحده.

 

(الشكر للأستاذة أوشريف على قبولها ترجمة ونشر النص. ولجهاد شارف على المراجعة والتنقيح).

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

على هامش الحراك.. اللحظة الجزائرية وأسئلة ما بعد الكولونيالية

على هامش الحراك.. اللحظة الجزائرية وأسئلة ما بعد الكولونيالية

من يقدر على قراءة “اللحظة الجزائرية” – الآن – حيث تتشرذم النّخب المثقفة وتشتّت، مع …

إذا الموءودة سئلت.. المرء يتحمل مسؤولية أفعاله

عائشة بلعابيد سورة التّكوير وعدد آياتها 29 تبدو صغيرة ومهملة بين باقي السوّر الطوال. أول …