الخميس، 6 أغسطس 2020

شمس الدّين شيتور «الوزير».. أو كيف تضرب في «صفر» مسيرة علمية حافلة!

جلال الدّين سماعن

شمس الدّين شيتور
شمس الدّين شيتور

في الصّيف الماضي، طلب مني كثيرون أن أكتب شيئاً عن قضيّة اللّغة الإنجليزية التي أثارها وزير الجامعات السابق، الطيب بوزيد. انتابتني رغبة في الإدلاء برأيي المتواضع في الموضوع لكنني رفضت أن أفعل ذلك. كانت يومها المشكلة تكمن في شرعية الوزير أكثر من الفكرة بحدّ ذاتها. كان الأمر أقرب إلى صرف نظر الجزائريين والجامعة بالأخصّ عن الحراك واستمراريته أكثر من تعلقه بمحاولة النهوض بالعلم وبالتالي بالبلد ككلّ (ثم ولأنني أحاول متابعة الظاهرة اللغوية في الجزائر، فقد لاحظت منذ حوالي ثلاث سنوات هذا التوجه الأنجلوفوني ولم يكن وليد عبقرية الطيّب بوزيد، هذا الذي فشل في تسيير جامعة واحدة فما بالك بتسيير وزارة بأكملها!).

راودتني الرّغبة ذاتها في كتابة شيء ما يوم تم تعيين شمس الدين شيتور «وزيرا» للتعليم العالي والبحث العلمي. لا أذكر كيف اكتشفت كتابات السيد شمس الدين شيتور، حدث ذلك منذ أربع أو خمس سنوات. بهرني الرجل بموسوعيته، بلغته الراقية وبتحليلاته المميّزة. منذ ذلك اليوم وأنا أتابع بشغف كلّ ما يكتبه وخاصة في جريدة (لوسوار دالجيري). اقتنيت بعض كتبه لحاجتي إليها في أبحاثي وإلى الآن لا يزال على طاولة مكتبي مقال محكم كتبه عن روايات أمين معلوف الذي أشتغل عليه في أطروحتي للدكتوراه.

يوم سمعت بتعيينه وزيرا للتعليم العالي اختلط عليّ الأمر: اقتنعت بأنّه وإلى حدّ بعيد الرجل المناسب لكنه – للأسف – في مكان غير مناسب إطلاقا لقناعتي بأنّ الحكومة التي وافق على الانضمام إليها تنقصها الشّرعية كما تنقص الشرعية الرئيس الحالي! هكذا رحت أحدّث الكثير من زملائي عن إعجابي الشديد بشخص الأستاذ الموسوعي وبخيبة أملي من قبوله للإستوزار. كثيرا ما ردّدت على مسامعهم كلاما قاله منذ سنتين أو ربما أكثر حين استضافته سهيلة الهاشمي في حصتها “ضيف التّحرير” على أمواج القناة الإذاعية الثالثة. في نهاية الحصة وحين سألته إن كان متفائلا أجاب بالسّلب وبالتشاؤم والسّبب أنّه لا يمكنه التفاؤل والأستاذ الجامعي «يسلك أربعة ملايين وستمية»، وباحثون في مركز بوهران «يتوشيو خمسة ملايين». هذا الكلام بالضبط هو ما ولّد بيني وبين نفسي شيئا من الأمل وبعضا من الغفران لواحد من الذين أعتبرهم قدوة في حياتي.. كيف لا وقد وضع الأصبع على الجرح. فقلت كي النية لا بطلا «خليوه يخدم» وسنرى لاحقا!

ثم جاءت الخرجة الإعلامية الأولى «للوزير»

في ردّه على سؤال حول تعميم الإنجليزية، قال «الوزير» فيما معناه بأنّ مشكلة الجامعة ليست لغوية بل بيداغوجية محضة! كلام مناقض تماما لما قاله في السابق ولأكثر من مرة حين كان يُستضاف كمواطن عادي (بحسب تعبيره) وهو أنّ مشكلة الجامعة الحقيقية اجتماعية ولوجيستيكية. لم يستدرك بعدها الموقف حين قدّم خطة عمله والتي تضمّنت اجترارا لأشياء ألفناها عن التسيير، الألمدي،… وصفر شيء عن وضعية وكرامة الأستاذ الاجتماعية.

ثم قال ما قال في مجلس الأمّة

شاهدت مثل غيري الثلاثين ثانية التي قال فيها «الوزير» ما قال عن الأساتذة الجامعيين. لم أشأ الأخذ بعين الاعتبار جزءا من خطاب مبتور وأنا المتخصص في الأدب وفي تحليل الخطاب فبحثت عن تدخّل «الوزير» شيتور كاملا وحين سمعته لأكثر من عشرين مرة تأكدت بأن الانزلاق خطير: حين قال بأنّ فتح جامعات ومراكز جامعية بنسبة صفر أستاذ (بروفيسور أو محاضر) فالأمر لا ينكره أحد لكن الجملة التي أعقبتها هي التي أسقطت «الوزير» و«المواطن العادي» على حدّ سواء من عيني ومن قلبي. غياب أساتذة بدرجة بروفيسور ومحاضر انعكس على مستوى الأساتذة الآخرين الأقل رتبة منهم: أستاذ مساعد (أ) وأستاذ مساعد (ب)، بل جعل منهم «زيرو» صفراً.

لا أحد يعلم أكثر من الوزير بأنّ هؤلاء الأساتذة الأقل رتبة هم «ألي راهم هازين الجامعة» (بالإضافة إلى إداريي ANEM مساكن) وقد تصل نسبتهم إلى أكثر من… المهم كاين 67000 أستاذ جامعي في الجزائر منهم فقط 7000 rang magistral.. احسبوا وحدكم.

عادت سهيلة الهاشمى واستضافت السيد شيتور لكن هذه المرة في جبة «الوزير» وليس في جبّة المواطن العادي أو بروفيسور البوليتيكنيك. كلّ من تابع الحصة كان يتوقع توضيحا أكثر بل اعتذارا ولو شكليا لكنه لم يفعل بل ربما زاد الطين بلّة! لم وربما لن أفهمه حين قال بأنّ كلاما من قبيل «عدد البطالين الجامعيين مرتفع على عدد غير الجامعيين» هو «ثناء ومديح» وليس عيبا أو كارثة. لم وربما لن أفهم كيف يمكنه البحث عن «الجودة» في ظلّ النّسبة المئوية البائسة التي تخصصها الدولة لقطاع التعليم العالي والبحث العلمي، في ظلّ التّضخيم السنوي لعدد الناجحين في البكالوريا والذي جعل الأستاذ في الجامعة يجد نفسه أحيانا في أقسام من 50 إلى 60 طالبا في الحصص التطبيقية (حدثت معي لأكثر من سنة). لم وربما لن أفهم كيف يمكن لأستاذ في العلوم الإنسانية أن يخلق «ثورة مادية» كما يحلم الوزير ليتمكّن بعدها من تحسين ومضاعفة أجره… وزيد وزيد. وكالعادة، لم يتطرق إلى المعضلة الحقيقية (الجانب المادي) إلا في الدقائق الأخيرة وباقتضاب شديد يُفهم منه ألا أمل يرتجى للأساتذة من هذا الجانب.

ماذا جدّ، فاستثنيتنا؟

توالى سقوط «الوزير» من عليائه بآخر خرجة حين قرّر أن تكون الجامعات استثناءً ولا تُغلق أبوابها بخلاف باقي القطاعات التعليمية الأخرى. مرّة أخرى، هو أعلم من غيره بأنّ كلّ الأقسام معنيّة بالامتحانات الاستدراكية، ومهما كان عدد الطلبة قليلا فإنّ السير الحسن للعملية يستلزم حضور أشخاص كثيرين من أساتذة وعمال وإداريين. قرار غريب لم يتخذه حتى أشخاص دون مستوى شيتور فلم يقل مثلا وزير الشباب والرياضة بأنّ حضور الجمهور للمباريات ممنوع باستثناء الفئة الفلانية أو الطبقة العلانية..

الشاهذ أومسلاي (الشاهد من الكلام)، على «الوزير» أن يستدرك الكثير من الأمور إذا ما هو أراد بحقّ أن يترك بصمة في تاريخ الجامعة الجزائرية وكم هي بحاجة إليها. عليه أن يسارع إلى إلغاء هذا الاستثناء وأن يأمر بتأجيل كلّ شيء إلى ما بعد الخامس من أفريل. عليه أن يبقى وفياً لما كان يقوله آنفا وهو أنّه لا يمكن النهوض بالجامعة «والأستاذ يتقاضى أقلّ من 1% مما يتقاضاه لاعب الكرة». أصّر على هذا الأمر لأن «الأجر السيء يخلق موظفا سيئا» كما قالها ابن النظام بنفسه سيد أحمد غزالي. على المجتمع أن يعرف بأنّ الأستاذ الجامعي لا يتقاضى 15 أو 20 مليون (ربما 5% تصل إلى هذا العدد في أواخر حياتها العملية) وبأن الغالبية الساحقة هم من أمثال كاتب هذه السطور (6 ملايين في الشهر) تذهب زوج منها في الكراء، 1.5 في الحليب وحفاظات الأطفال والباقي في الفواتير وتضخم المعيشة وكتاب أو زوج لعل وعسى نطلع شوية النيفو تاعي.. فعن أيّ كرامة أو مستقبل تتحدثون؟

هذا فإن وُفقت فهاكذاك خير وإن أخطأت فلي فيما قاله القاضي الفاضل عزاء: «رأيت أنّه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غُيّر هذا لكان أحسن ولو زيد هذا لكان يُستحسن، ولو قٌدم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر».

قفلة؟

أقفل!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …