الخميس، 6 أغسطس 2020

مأساة المهاجرين وتلاشي الإنسانية

العربي رمضاني

بعد انفجار شرارة الربيع العربي، بفترة وجيزة، ظهرت تحوّلات عميقة، من سقوط كاريكاتوري لأنظمة مُتسلطة وبروز ثورات مضادّة عنيفة وتجلت «الأسلمة» بظلامية مفرطة وتدخلات إقليمية وعالمية، مع نجاح نسبي للثّورة تكلل في تونس، فضلا عن عنف نسف النسيج الاجتماعي لدول الرّبيع الأخرى وأول ما استهدف الإنسان، الذي كان يتظاهر سلميا وهتف من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ليجد نفسه – لاحقاً – مُجبرا على الهروب إلى وجهات آمنة له وعائلته حذر الموت أو الاعتقال أو التعذيب أو الإبادة.

لم يكن الهروب الجماعي المروّع للسّوريين تحديداً إلا رحلة أخرى مؤجّلة مع محطات الموت العديدة، ِبدءاً بالمافيات الحاكمة الإجرامية وصولا إلى بشاعة البحر وجشع المُهربين ومتاجرة مختلف الأنظمة بأرواحهم واستقطابهم لأجندات غير بريئة.

ما حدث منذ 2014، في المسار الممتد من الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أوروبا، كان أسوأ ما حصل من هجرات جماعية لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. وللمفارقة أن دول جنوب المتوسط وبلاد الشام كانت أول من احتضن الفارين من جحيم محاكم التفتيش ولاحقاً الفاشية والنّازية، لكن الذي يحدث في عصر ما بعد الحداثة وعولمة الاتصال ومواثيق حقوق الإنسان وجمعيات الرّفق بالحيوان أسوأ مما حدث زمن هتلر وموسيليني وستالين وفرانكو.

إن مشهد الصّبي الغريق إيلان الكردي لم يكن إلا لقطة هاربة من فيلم تراجيدي طويل ومستمر في البحر المتوسط وبحر إيجة والصّحراء الكبرى وبقية بؤر الصّراع ونقاط العبور المميتة، والتي يتجاهل العالم رؤيتها ولا يريدها أن تشوّش على مشاريعه الإمبريالية وصراعه التجاري مع بقية الأقطاب الشّرهة، واستمرار تدفّق المهاجرين وتكدّسهم في مخيمات غير آدمية وتركهم عرضة للأمراض والعنصرية والاستغلال الجنسي وأعمال السُخرة والموت جوعا وبردا وغرقا يتراكم أكثر وغير قابل للتراجع بالنّظر إلى تعمّق أزمات بلدان المهاجرين وبقاءها مسرحا لصراع القوى الإقليمية والدولية وأرضاً لتجريب الأسلحة واستعراض كفاءتها التدميرية، مع ما يرافق ذلك من تهجير وتغيّر ديمغرافي ونهب للثروات والآثار وإعادة رسم الخرائط ونشر قواعد عسكرية وتثبيت الاستبداد باعتباره الضامن الوحيد لهذه المقتلة والاستباحة المُفزعة لمُقدرات الشعوب الهائمة على وجهها، بحثاً عن حياة آدمية كريمة سُرقت منها وتبحث عنها في فضاءات أقل صخبا ودموية، لكن ما حدث مؤخرا بعد قرار الأتراك السّماح للمهاجرين غير الشّرعيين الوصول إلى أوروبا، بعد أن كان المهاجر قبل هذا القرار مطاردا في المدن التركية ومهددا بالرمي خلف الحدود، يفضح النوايا السّيئة والتعامل اللاإنساني مع المهاجرين واعتبارهم ورقة ضغط تُشهر في وجه أوروبا والعالم، مثل وباء يُستعمل عند الحاجة لتحقيق مكتسبات ما.

إن مشهد الحافلات وسيارات الأجرة في شوارع إسطنبول وهي تصطف لنقل المهاجرين إلى مدينة إدرنة الحدودية مع اليونان يعكس انحطاطا وسقوطا لم تفعله حتى النظم الفاشية في أعتى فترات جنونها وساديتها، ولا يقل سوءاً عنها الوحشية التي قابلت بها السّلطات اليونانية أولئك البؤساء من تشديد لإجراءات مراقبة الحدود وقذفهم بالغاز المسيل للدموع وجلب معدّات عسكرية لمنعهم من التّسلل إلى التراب اليوناني، حتى من نجحوا في العبور عبر قوارب مطاطية تجاوزت نهر إيفروس أو بلغت الجزر اليونانية، كان في استقبالهم عناصر من اليمين المتطرف الذين تجمهروا حولهم محاولين منعهم من النزول، مع ما رافق ذلك من عبارات عنصرية مهينة وتهديدات بالطرد والقتل في مشهد ترتعش له الإنسانية.

ولن يتوقّف الأمر عند هذه العدوانية والشّحن العنصري، بل سيتعمّق كثيراً وفي أكثر من دولة أوروبية يصلها المهاجرون خاصة مع تنامي العداء للأجانب وصعود حكومات يمينية متطرفة برامجها الانتخابية ترتكز على خطابات الكراهية والانعزال ضد الآخر القادم من مناطق صراع تُركت لمواجهة مصيرها الأسود دون الالتفات للأسباب الحقيقية، والتي يتحمل الغرب جزءا كبيرا من مسؤولية تفاقمها بدعمه التاريخي لأنظمة فاسدة على حساب نضال يطمح للقطيعة مع كافة أشكال الأبوية سواء كانت دينية أو سياسية.

إن استقرار المنطقة وتحقيق الديمقراطية والتوزيع العادل للثروات وتكريس حقوق الإنسان والحريات كفيل بوضع حدّ لهجرة الملايين والحدّ من «ازعاج» أوروبا بوافدين لهم ثقافة تناقض الحداثة وتهدّد السلم، كما يزعم اليمين المتطرف.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هادي يحمد

هادي يحمد: لا يمكن تأسيس ديمقراطيّة دون العلمانيّة

حاوره: العائش تركي اشتهر هادي يحمد بكتابه “كُنت في الرّقة.. هارب من الدّولة الإسلامية” وصدر …

مخطوطات نادرة لايزابيل ايبرهارت تُعرض في جنيف

يُقام في مدينة جنيف السويسرية، خلال الفترة من 17 جانفي 2019 والى غاية 07 أفريل …