الخميس، 6 أغسطس 2020

أطلال.. وملحمة تاريخية منسيّة

أحمد عقون

يقع المكان المسمّى : قصر العجوز، جنوب غرب مدينة بني ونيف (ولاية بشار)، عبر مسافة تبلغ 55 كلم، يبعد عنه جنوبا جبل مزاريف مسافة 08 كلم، وغربا جبل مومن 09 كلم، وقد تم اختيار مكان مرتفع ومحصّن طبيعيا على الضّفة الشّمالية لواد زوسفانة لبناء القصر عليه، بمساحة إجمالية تقارب 2200 متر مربع، حيث تمّ تدعيمه بخندق من الجهة الشمالية، مقابلا للسور الرئيسي الذي يبلغ طوله 65 متر.
القصر حسب الرّواية المحلية، هو ملك لقبيلة أولاد جرير، التي تستوطن المنطقة منذ القدم، وقد تم بناؤه قبل دخول قوات المستعمر الفرنسي بفترة طويلة، بغرض استخدامه كحصن لتخزين المؤونة وتمويل المقاتلين، خلال فترات الحرب.
غرب القصر توجد مقبرة يقال أنها تضم رفات شهداء إحدى معارك المقاومة الشعبية، مطلع القرن العشرين.
لا تتوفر مصادر تاريخية تذكر هذا القصر بشكل مباشر قبل الاستعمار الفرنسي، أما بعد دخول الاستعمار وخلال اجتياح القوات الفرنسية لمنطقة الجنوب الغربي، نجد بعض الإشارات التي ذكرها ضباط فرنسيون في مذكراتهم حول قصر العجوز، والذي حوّلته قوّات الجيش الفرنسي فيما بعد، إلى مركز مراقبة، بعد أن بنت فوق أطلاله قلعة محصّنة.
كتب المستشرق والجغرافي الفرنسي “إيميل فيليكس جوتييه”، عند مروره على قصر العجوز سنة 1903م، في إطار إحدى الحملات العسكرية الفرنسية على المنطقة: “..قصر العجوز كان فيما مضى قصرا آهلا بالسكان، محصنا تحصينا، هذا القصر الذي نشاهد آثاره وأطلاله، لم يُعثر فيه على أثر يدل على وجود واحة من النخيل، ولم يعرف أهله ممارسة الزراعة! فلم أشاهد وجود أي نخلة، على غرار قصر فندي، الذي تحيط به واحة من النخيل…  إن حال قصر العجوز، مختلف تماما عن منطقة فندي، لهذا كان ملجأ للرعاة وقطّاع الطّرق، وهي مهن نجدها عادة في الصّحراء… قصر العجوز والبقري مناطق منكوبة ليست آهلة بالسكان، فلا يوجد أي شخص بحاسي البقري، بالرغم أن به مقبرة “البلدة”، نتجت عن عدوان مجموعة مغيرة من اللصوص وقطاع الطّرق على أهله، وقد عملت السلطات الفرنسية من خلال مركز المراقبة الموجود على التّصدي لهذه المجموعات، التي بغياب السلطة القمعية، تكون قد تمادت في إجرامها”.

 

مدخل الباب الرئيسي لقصر العجوز

في هذا المقطع يذكر فيليكس جوتييه، أن القصر لم يكن مأهولا بالسكان عند وصول القوات الفرنسية إلى المنطقة، وأنهم وجدوه عبارة عن أطلال لبناء قديم، استعمله قطاع الطرق والرعاة كملجأ يحتمون به.
أما الملازم الأول الفرنسي Lieutenant Guillaume الذي شارك في الحملة، والتي قادها الجيش الفرنسي على الصحراء سنة 1900م عند مروره على قصر العجوز كتب: “..لما وصلنا قصر العجوز، وجدنا بها بئرين محفورتين وسط الوادي، ماؤهما على عمق المترين، واتضح لنا أن هذا الماء كان وافرا، ويكفينا لشرب الأنعام جميعها، لكننا أصبنا بالدّهشة لما رأينا أن الإبل والخيل والثيران والغنم، تأنف من شربه لملوحته الشّديدة، وحدها البغال استجابت، وراحت ترتشف منه جرعات في استهانة ولامبالاة”.

لا يذكر هذا الضابط أن القصر كان مأهولا بالسكان ساعتها؛ الأمر الذي يؤكد أن القصر قد هجر قبل الاستعمار الفرنسي.

منظر عام للقصر فوق الربوة

أما أهم الأحداث التي عرفها قصر العجوز، فكانت يوم 29 مارس سنة 1903م، حيث شهد القصر معركة شرسة بين قوات المستعمر الفرنسي بقيادة الرقيب Charles Lovy الذي كان يومها يسيطر على قصر العجوز، ويتخذه حصنا منيعا لجنوده، ومقاتلين من قبائل المنطقة، الذين هاجموا الجنود الفرنسيين بعدما كانوا يقومون بإحدى الجولات الاستطلاعية بالقرب من القصر، والذين استطاعوا بعد معركة ضارية، القضاء على الفرقة وقتل الرقيب Charles Lovy  ، الذي دفن بواحة فندي، ثم تم نقل جثمانه إلى Puy-Saint-Clair بفرنسا، حيث وصل صدى معركة قصر العجوز إلى الإعلام الفرنسي وأصبحت قضية رأي عام.

بعدها بسنة واحدة، يوم 27 مارس 1904م أمرت السّلطات الفرنسيّة بإقامة جنازة رسميّة لهذا الرّقيب بكنيسة Saint-Jean-Baptiste بمدينة تول الفرنسية، معتبرة إيّاه بطلا قوميّا لفرنسا، وأقامت له العديد من التّماثيل والنّصب التذكارية التي تخلده.

من داخل القصر

المعركة تعرف عند المؤرخين الفرنسيين بمعركة قصر العجوز، وقد نقلت أحداثها العديد من الجرائد والمراجع التّاريخية الفرنسية، وخصّص لها المحرّرون الفرنسيون صفحة في موسوعة ويكيبيديا، وصفحة خاصة بالرّقيب : Charles Lovy
أما عندنا، ورغم الانتصار الذي حقّقه مجاهدو المنطقة في هذه المعركة، والتّضحيات التي قدموها، إلا أننا لا نجد لها ذكرا في كتب التاريخ، ولا في المجلات والأبحاث العلمية التاريخية، ولا حتى مقال باللغة العربية في موسوعة ويكيبيديا يؤرخ لها..

رحم الله المؤرخ أبو القاسم سعد الله حينما قال: “الجزائريون يحسنون صنع التاريخ، لكنهم لا يحسنون كتابته”.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يوم زارت ايزابيل ايبرهارت عنابة، واعتنقت الإسلام

في شهر ماي من سنة 1897م، جاءت إيزابيل إيبرهارت إلى الجزائر، وعمرها لا يتجاوز العشرين …

إيلين مختفي: المتسبّبون في تأخّر الجزائر هم الأشخاص الذين سبق لهم أن حرّروها

إيلين مختفي: المتسبّبون في تأخّر الجزائر هم الأشخاص الذين سبق لهم أن حرّروها

حوار: أوجيني بورلي وماري فوكي. ترجمة: جلال الدّين سماعن بعد 132 سنة من الاستعمار تخللتها …