الجمعة، 25 سبتمبر 2020

شمس الدّين شيتور.. أصفار تدور في الفراغ

كريمة.أ.نواصر

شمس الدّين شيتور
شمس الدّين شيتور

صار من الضّروري إعادة رسكلة كلّ الوظائف الرّسمية وغير الرسمية داخل دواليب الحكم في الجزائر، وإخضاع المستويات العليا في اتخاذ القرار إلى دورات تدريبية في الاتصال ورهاناته. قد يخبرنا التّاريخ يوما ما إن كانت خرجة شمس الدين شيتور الأخيرة بتدبير أم غير تدبير، لكن الواضح أنها سقطة، قد لا يكون هو ذاته على وعي تامّ بها، ولا مدركا لتبعاتها من شروخ على مستوى قطاع ينضح بضروب من المشكلات عمقها التلاعب السياسي به.

شيء من الأبوية وكثير من الشوفينية

صاحب مشروع الجهويات البحثية، لا ينفك يحكي عن مسيرته التدريسية التي جاوزت الأربعين عاما، ولا تزال مستمرة (يضرب موعدا للجميع كل خميس في المدرسة العليا متعددة التقنيات بالحراش)، وقد عرفه الجمهور الواسع من خلال التحليلات التي كان يقدمها قبل وأثناء الحراك.

بعيدا عن شهادات ومسيرة الرجل، فما بدر منه من أقوال في مجلس الأمة، مؤخرا، يتطلّب إعادة تفكير جدية في في الصورة التي يريد أن يرسمها شيتور لنفسه. قال أن «مستوى الأساتذة ببعض الجامعات صفر»، بعد أن قال أن «معدّلهم صفر» و راح مساء اليوم ذاته يعتذر ويوضح أن رسالته قد ساء فهمها، فهو يقصد الجامعات التي فتحت حديثا، ما يعيد إلى الأذهان نماذج راسخة في المخيال الشعبي الجزائري عن صورة الأب والجدّ والمجاهد والرئيس المجاهد حامي الحمى، الذي لا يجد إشكالا في تجميع كل السلطات بيده، ولا مشكلة في إحراج وإلقاء اللوم على الآخر المذنب دائما، كما يقول سارتر.

أن يستثني الرجل كبرى الجامعات من كلامه، كمن يستثني شلة أصدقائه، وزمرة العجزة الجاثمين على الصدور حتى يتفقد «زيوس» أماناته. يستحيل أستاذ «البوليتاك» صورة كاريكاتورية، يتهجّم عمن هم أصغر سنا وأقل خبرة وينعتهم ﺑ «اللاشيء» تماما كما يفعل مدرس أفقده زمرة طلبة طائشين صوابه.

مكامن الألم غير الملامسة

أبهر الرجل بقوله الجمهور العريض، وصار مادة للنقاشات بدلا من مشروعه (ربما ليغطي على نقائص مشروعه، في بلد ينتج مشاريع أكثر من إنتاجه لمادة الخبز). من الجيد أن يتذكر من يحاكم اليوم أجيالا جديدة غير قادرة على التأطير – مثلما يقول – أن يحاكم الظروف التي أنتجتها، ويحاول أن يتوقف عند نضالاته (التي لم تك يوما) لمنع انحدار الجامعة بخطوات ثابتة ومحسوبة استراتيجيا نحو المجهول، لمواجهة أدلجة الجامعة وتسييسها لتغدو مكانا لكل الصّراعات باسم كلّ شيء وأي شيء عدا البحث العلمي الجاد. أين كان سيادته وقت أخذ القرار بجزأرتها، ومنع الباحثين الأجانب من تقديم محاضراتهم؟

أليس الأولى أن نبحث في المشكلات الحقيقية التي تنخر القطاع والتي ما هي سوى انعكاس للمشكلات التي يعيشها المجتمع: انغلاق ثقافي، غياب كلي لا يمكن أن يشكل مصدرا لمعرفة حقيقية، فخلاف كتب قديمة رثة موروثة عن حقبة كان فيها للجامعة مكانة أرفع، تزدان رفوف المكتبات وخصوصا في العلوم الاجتماعية والإنسانية بكتب مستوردة، موجهة للاستهلاك العام لا أكثر(إحدى الجامعات تنعدم فيها نسخة لرواية «نجمة» في وقت يتشدق قائمون عليها بتوفر مختصين في أدب «كاتب ياسين»)، حركة الترجمة مشلولة تماما، عصابات المتاجرة بالمنشورات العلمية امتداد لعصابات تفيض بها الحياة الإجتماعية في الجزائر، سوء تسيير، غياب رؤى واضحة عن الهدف من وجود جامعة، أعداد رهيبة من الطلبة في سبيل المصالح الضيقة والعريضة لطرف وآخر.

ولم لا يلامس مكامن الألم الحقيقية من ضرورة بعث جوّ نقدي، وحركية فكرية حقيقية وانفتاح على العالم والثقافات؟ ألا يبدو الأمر أولوية لوزير في حكومة أول خرجات وزير تعليمها كتابة البسملة على سبورة!

تقاليد كسر التقاليد

لكلّ بلد تقاليد السياسية، وبروتوكولات يخضع لها من يحسبون على رجالات دولة. قضت ثقافة الإستهلاك على خصوصية بعض الأخلاقيات النبيلة وعوضتها بأخرى على قياس الزمن الجديد بما يحمله ريحه من ألوان وأنغام، لكن من الواضح أن الأمر في الجزائر يتجه نحو السقوط بعيدا، حيث اللارجوع، ففي غياب لدراسات إنسانية واجتماعية تؤسس لممارسات محترمة في الاتصال السياسي، يتغوّل أصحاب المعالي، ويتفننون ملء الدنيا شتما وصراخا، وحتى «buzz» رخيص في سبيل كسب تعاطف شعبي، على حساب التفكير الملي، والتريث والحدّ الأدنى من الحكمة التي تحفظ للشخصية العامة الحد الأدنى من الاحترام.

لقد قضى الزمن البوتفليقي على تقاليد الدولة ورجالاتها، وتفنّن في بثّ الخراب في كل شيء وأي شيء، وهاهم اليوم أبطال الركمجة على ظهر الحراك يقضون عما تبقى من جميل بغبائهم وحساباتهم الصغيرة، صغر أفكارهم.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

عزم

عقدنا «العزم» أن نضحك عليكم

بينما كان الشّعب يخرج، كلّ جمعة، في حراك غير مسبوق، من أجل دولة جديدة، تحترم …

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …