الأربعاء، 27 مايو 2020

نعم يمكننا انتقاد الإسلام: علم الكلام الإسلامي يبيح ذلك بجرأة غير متوقّعة

ترجمت مقال الباحث الأستاذ هواري تواتي من الفرنسية بعد نشره في جريدة «لوموند»، نظرا للنّقاشات الواسعة التّي أثارها موضوعه: هل يُمكننا نقد الإسلام؟ وهو موضوع مهمّ أيضًا أن يطرح عندنا لأنّه يفتح أفقا للنقاش دون تحفظ، مثلما أتاحه علم الكلام الإسلامي في أزمنة سالفة، كما يرسم الحدود بين النّقد والسّب أو التهجّم وهو غالبا ما يختلط على الكثيرين إذ بمجرد أن تطرح فكرة للنقاش ويتراءى منها نقد ما إلاّ وينهال الغاضبون بالسّب والشتم على صاحبها. نعم يمكننا نقد الإسلام لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال سبّه.

ترجمة: عائشة بلعابيد

هل يمكننا انتقاد الإسلام؟ طرح السؤال بهذا الشكل يبقى عاماً لأنه يمكننا توجيهه إلى أي دين اتفق، في الوقت ذاته من الملاحظ أنه يحمل سمة الحتمية التاريخية لأنّه لا يعني حاليا إلاّ ديانة بعينها، تسمح لنا هي الأخرى بالإجابة عليه تاريخيا.

ولكن ليس للتّخفيف منه، بمجرد وضعه في سياقه، بقدر ما هو من أجل إبراز مَناطق الظلّ والنسيان والطّمس. صحيح أنّ عناصر فكّ ترابطاته تبعدنا عن قضايا عصرنا وتقلباته، لكن على الأقل جوهرها يعيدها في شكل شهادة عن ماض لا يمضي بكل ما تحمل العبارة من معنى.

ولأنّ المسألة وعلى عكس ما هو متوقّع ليست جديدة في الإسلام، فعلم الكلام الإسلامي الذي أظهر جسارة منقطعة النّظير في هذا المجال، قد ناقشها ليس ليعاجلها كـ «فرضية كافرة»، بل ليجعل منها إمكانية للنّظر، للانفتاح على الآخر لتقبّله في اختلافه ولرفع تحديه. بلا شكّ أنّه لم يكن من الممكن لهذه الجرأة الفكرية أن تحدث دون إثارة للسخط والاضطراب، هذا ما تشهد عليه القصّة التّالية:

مناظرة

قُبيْل نهاية القرن العاشر الميلادي، قام عالم أندلسي بجولة إلى المشرق، وأثناء عودته إلى موطنه برّا نزل بالقيروان التي كانت وقتها بالإضافة إلى قرطبة أكبر مركز فكري في الغرب الإسلامي، فيه زار شيخ المالكية في إفريقية أبي زيد القيرواني الذي ما يزال مرجعية دينية مهمة من خلال مؤلّفه «الرّسالة» وهو أحد الكتب الأساسية في الفقه المالكي ببلاد المغرب.

عند استقباله ضيفه الأندلسي، سأله إن كان قد حضر مجالس المتكلّمين أثناء إقامته في بغداد، فأجابه الضيف بأنّه حضر بعضها لكنّه سرعان ما تركها، حينما تملكته الحيرة بعد مغادرته لأحدها والذي كان مسرحا لمناظرة بين متكلمين من ملل مختلفة.

ما رآه وما سمعه في المجلس قد ملأه اضطرابا، لم يتصوّر أبدا أنّ علماء دين مسلمون يمكنهم إظهار ذلك القدر من الاحترام لممثلي الملل الأخرى الذّين يعتبرونهم أقرانا لهم، أثناء المناظرة وقف الجميع على مسافة واحدة من ملته ليدافع عن معتقداته، قاعدتهم في ذلك مبدأ وحيد متفق عليه بغض النظر عن اختلافاتهم الدينية والعقيدية: مبدأ العقل.

حضر المجلس إلى جانب المسلمين سنّتهم وروافضهم، مسيحيون، يهود، زرداشتيون، ليس هذا فقط بل الزنادقة كذلك ومن الدّهريين القائلين بأزلية العالم، القاعدة المحدّدة للشروع في المناظرة: أنّه لا واحد من المتناظرين يلجأ إلى أدلة من كتابه المقدّس عند ملّته. لم يقاطع الأندلسي الحَلَقَة بل تابعها إلى النّهاية، ولأجل إرضاء فضوله بذل جهدا ليحضر جلسة أخرى في الحلقة ذاتها، ثمّ لم يطق الأمر، لم يعد يحتمل حرية مقال ونبرة خطاب مماثلة فغادرها متجها إلى حلقة أخرى، إلّا أنّها لم تكن مختلفة عن سابقتها فانسحب نهائيا. بينما هو يروي حكايته اختنق مضيفه غيضا واستشاط منفجرًا ضدّ حالة أفول الإسلام، وأقسم إن كان الأمر بين يديه أن يقتل كلّ هؤلاء الكفرة، لا نعلم إن كان الأندلسي وافقه في ذلك أم لا. ما رآه في بغداد لم يعجبه حتما مع ذلك يبدو أنّه اتخذ موقفا وسطا بين حرية العراقيين وتشدّد العالم القيرواني. المواقف الثلاثة لها قاعدة مذهبية في علم الكلام الإسلامي، وهو ما تدل عليه هذه القصة الثانية والتي تبقينا دائما في بغداد.

هل كان محمد كاملا؟

قصّة بطلها فيلسوف يهودي من أتباع ابن سينا، صاحب كتاب «تنقيح الأبحاث للملل الثلاث»، ألّفه سنة 1280، واسمه ابن كمونة عندما تعرّض لهجوم جمع من الناس، بدون شك مؤلّب من طرف نشطاء حنابلة في بغداد الذين اضطهدوا كثيرا من المتكلّمين العقلانيين المعتزلة، مطالبين برأسه. واحتجزوه في بيته. يدين الفيلسوف اليهودي بسلامته إلى أحد العلماء المسلمين الذي تمكن من إيجاد الكلمات اللازمة لتهدئة الحشود الثائرة وثنيها عن طلبها. ما قام به هذا العالم المسلم ليس مفاجئا إن علمنا أن كتب ابن كمونة الفلسفية والكلامية لقيت ترحيبا أكبر في الثقافة الإسلامية منها في الثقافة اليهودية.

لكن ما الذّي يمكن أن يكون قد قاله – إذن – العالم اليهودي ليُثير مثل ذلك الغضب العارم لدى ساكنة بغداد المسلمين؟ قال أنّ محمد ليس بالإنسان الكامل كما يؤكّده المسلمون! تبدو الفرضية صادمة، لكنّ النظر إليها عن قرب يتبيّن بأنها ليست كذلك إلا في ظاهرها. لأنّ هناك نظرية للمعرفة طوّرها المتكلّمون المسلمون أنفسهم تؤكّد ذلك. يتعلّق الأمر بالنظرية التي سمحت بكتابات أخرى مُجَادلَة للمسلمين كتبت بالعربية بالتداول بحرية عبر أطراف العالم الاسلامي، كالرسالة التي ألّفت في القرن التاسع أو العاشر الميلادي من طرف المتكلم المسيحي عبد المسيح الكندي، والتي يفترض أنّه دوّن بها مناظرة جرت في البلاط العباسي. تكون الرسالة وصلت إلى غاية إسبانيا أين حصل بطرس المبجل Pierre le Vénérable أسقف كلوني، قد حصل على نسخة منها أثناء قدومه إلى طليطلة سنة 1142، التّي قصدها رجل الكنيسة من أجل الحصول على عدد من مؤلفات المسلمين وترجمتها منها نسخة من القرآن الأولى من نوعها التي تترجم إلى اللاتينية، أو كذلك كتاب «المعراج» الذي يروي قصة صعود الرسول إلى السماء والتّي سنجد أثرها فيما بعد في الكوميديا الإلهية لدانتي.

ما الذي تقوله تلك النظرية؟ بأن المعرفة نوعان: بينما إحداهما «ضرورية»، فالأخرى «مكتسبة»، تحدث الأولى عن طريق الحواس، وهي أيضا معرفة آنية للعقل كتلك التي تقول أنّ الشيء ذاته لا يمكن أن يوجد في مكانين مختلفين في آن واحد، مع ذلك المعرفة الضّرورية يمكن أن تكون كذلك مكتسبة، هكذا نعلم أن الظلم شرّ: المعلومة ضرورية عندما تنطلق من المعرفة الفورية للعقل، مكتسبة عندما تستنبط من أمثلة خاصة، إذا كانت المعرفة الضرورية لا تحتاج إلى برهان فالمعرفة المكتسبة يجب أن تكون عن طريق الاستدلال العقلي، ومع ذلك من بين شكلي المعرفة المذكورتين الحدسية أقل اعتبارا دينيا من المعرفة الإخبارية.

جائز تماما

لأنّ هذه المعرفة الإخبارية هي التّي سمحت للمسلمين لأجيال متتالية بالتعرّف على أنّ رسولهم قد أقام الصلوات الخمس اليومية، صام شهر رمضان، أدّى الزّكاة وحجّ. علمنا كلّ هذا من انتقال الخبر بالتواتر، الذي امتلك مشروعيته من تعدّد طرق نقله. مع ذلك يبقى هناك إشكال عويص عليهم حلّه وهو معرفة ما إذا كانت نبوّة محمد صحيحة، لكن من أجل ذلك عليهم اللجوء إلى عملية معرفية أخرى أكثر تركيبا من السابقة. ولأنّها ليست طبيعية في الإنسان فهي تكتسب عن طريق التعلّم والتمرين خاصة المنطق. هكذا يجب عليهم توفير منظومة استدلالية لإثبات نبوّة محمد.

في حين يمكن للبرهان أن يثبت استدلالا كما يمكن أن ينفيه. بالمحصّلة يمكن لمن يقدّم الحجة أن يثبت أن نبيا ما أقل كمالا من نبي آخر. الإجابة على السؤال المطروح في بداية هذا النّص تنبع إذن من المصدر: يمكننا انتقاد الإسلام بشرعية تامة، لأنّ علم الكلام الإسلامي نفسه يسمح بذلك، لكن لا يمكننا سبّه. لأنّه وكما قال المحلل النفسي جاك لاكان: «السّب أول وآخر كلمة في الحوار»، لأنّه عِدائِي بسبب استغراقه في رفض المعاملة بالمثل ويغلق الباب أمام كل إمكانية للتبادل، وهذا ليس من النّقد في شيء، لأنّ النّقد يتغذى على أخلاقيات المناقشة، لا ينحرف عنها، يبقى منصفا ووثيق الصّلة بموضوعه في كل الحالات.

هواري تواتي، مدير أبحاث في المدرسة العليا للدراسات في العلوم الاجتماعية (EHESS) بباريس، له عدّة مؤلفات في التاريخ الإسلامي الوسيط، وسيصدر له قريبا كتاب بعنوان: الأصول التراجيدية للثقافة الاسلامية، عن دار غاليمار، باريس.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …

كورونا…وباء ما بعد حداثي

هكذا تحول كورونا إلى أهم حدث على وجه البسيطة، بدا لأول مرة كشبح ليصبح حقيقة …