الجمعة، 10 أبريل 2020

من أين تبدأ الثّورة وكيف نصنع التّغيير؟

احميدة عياشي

هل نغيّر من الدّاخل أم من خارج النّظام؟

ورد هذا السّؤال منذ الأيام الأولى للاستقلال، بعد أن تحوّلت الثّورة الجزائرية إلى جهاز بيروقراطي وانتقل الصّراع ضد الاستعمار والتخلّف إلى صراع على السّلطة بين الأخوة الذين تحوّلوا إلى أعداء، وفي الوقت نفسه سدوا الباب أمام مشاركة الشّعب في صناعة فصل الجزائر الجديدة، المنبثقة من حرب التحرير ونيل الاستقلال.

لقد طرح السؤال المثقفون والسياسيون الذين لم يتمكّنوا من التأثير على ميزان القوة، الذي رسمه أصحاب السّلاح من قادة الولايات والمناطق وهم من كانوا يمثّلون الوجه الظاهر والقيادي لجبهة وجيش التحرير، ومركز صناعة القرار خلال فترة الصّراع المسلّح من أجل استرجاع السيادة الوطنية.

كان النّظام في مرحلته الجنينية يتشكّل من الحكومة المؤقّتة وهيئة أركان جيش التحرير والقادة الميدانيين بينما كان الشّعب خارج عملية صناعة القرار وذلك رغم التضحيات التي قدمها والثمن الباهظ الذي دفعه.

كان الشّعب يعيش لحظة مبايعة الزّعيم الذي كان يتماهى مع الثورة. ومن هنا كانت مبايعته لفرحات عباس ثم لأحمد بن بلة قبل أن يكتشف أنه كان مغيبا وأن الآلة التي كانت تسيّر الثورة وتدير صراعاتها وتعيش تناقضاتها حتى العظم لا يعرف عنها الكثير، وكان يجب أن يمرّ الكثير من الوقت لتكتشف الأجيال الجديدة أن البيروقراطية الثورية كان لها عالمها الخاص وجهازها السري الذي عمل على تنشئة النظام والذي سرعان ما كشف عن ملامحه الأولى عشية الإعلان عن الاستقلال وعن حقيقته التسلطية، ذات التوجّه الشمولي عندما منع المجتمع الذي لم يكن قادرا على تنظيم نفسه من ممارسة حريته وبناء شرعيته، مع تبني كلّ السلطات بالنيابة عنه أو برغم أنفه عندما فرض لغة واحدة ووحيدة في فكّ الخلافات والنزاعات وتجاوز التناقضات، وهي لغة القوة، المتمثلة في الجيش أو شرعية القوة.

انقسمت النخبة السياسية إلى تيارين، الأول اختار الدّخول في صراع معلن ومسلح ضد السلطة القائمة (آيت أحمد، بوضياف) والثّاني اختار الدّعم النّقدي من الدّاخل. تمكنت السلطة من إخماد التّمرّد المسلّح ووظّفت لصالحها جزءًا من التّيار الثّاني واعتمدت عليه في صياغة سياساتها واستراتيجيتها واستقوت به على خصومها ممن ظلّوا يحاولون التّغيير من الخارج، لكنهم فشلوا ليس فقط لأنهم كانوا يفتقرون إلى وسائل ممارسة القوة النقيضة والبديلة وحسب، لكن لأنهم كانوا يفتقدون إلى بديل واضح وإلى إمكانية تشكيل القوة الحاملة له والمعبرة عنه.

سمح هذا الفشل المزدوج للنّظام النّاشئ من جهة والمعارضين من جهة ثانية بإبقاء المجتمع في حالة هشّة، ووضع غير قادر على إنتاج الوعي اليقظ، بل تحوّل إلى بيئة مشجّعة على تنمية القوة الكامنة لكبت الحرية وتعميق كلّ ما هو محافظ، مائع، ومعادٍ لكلّ ما يمثّل مشروع النقدية على صعيد القيم والعادات والأفكار والعقائد الشّعبية والّثقافية والرّوحية

رغبة التّغيير من الأسفل والافتتان بجاذبية الأعلى

هناك ثلاث محاولات جرّبها الجزائريون في محاولاتهم تغيير النظام من الأسفل، الأولى مع انتفاضة أكتوبر 88 وتداعياتها، والثّانية مع التيار الإسلامي الراديكالي بوجهيه السياسي الشعبوي والمسلح والثالثة مع انبثاق ثورة 22 فيفري العفوية التي لم تستكمل مشروعها السياسي والثقافي.

فشلت المحاولة الأولى بسبب تخليها عن الجانب الثّقافي للمشروع وعدم قدرتها على خطّ طريق القطيعة الفلسفية مع النّظام كموروث وطني للفترة الاستعمارية، وأخفقت المحاولة الثانية لأنها ألغت روح التعددية لعملية التغيير وحوّلتها تحت رداء الشعبوية الغالبة إلى مشروع شمولي جديد يتذرع بالشرعية الدينية، بينما شكلت المحاولة الثالثة تحديا مزدوجا للسلطة والمعارضات التي لم تتمكّن من تحويل الحركة الشعبية العريضة إلى قوة متكاملة في تشكيل نقلة تتجاوز المطلب السياسي في التغيير إلى مشروع تغيير متعدد يخترق المجتمع، النظام، الأفراد، الذهنيات، الأفكار والثقافات.

إن هذه الرغبة التي فجرتها ثورة 22 فيفري ظلّت تواجه بصورة تمثلت في الافتتان المدمر الذي استولى على جزء من إيديولوجيي «الحراك»، من ثوريين لم يقاوموا جاذبية الافتتان بالأعلى، أي بالوصول إلى السّلطة على نفس طريق رجال الحكم والمعارضة السابقين عشية الاستقلال.

ان هذا الجموح في السّيطرة على رغبة التغيير بواسطة جاذبية الافتتان بالأعلى لا يُساعد على إخراج الثورة من السياق القديم المفخّخ، ولا يفتح مجالات انبثاق مسار جديد أمام الحوار الحقيقي لتحويل الثورة إلى ثقافة وسلوك، ورؤى تنضوي على بناء التعدّد داخل نسيج موحّد محرّك وخلاق لوعي التغيير.

الطوباوية أم الواقعية السياسية ذات الطراز الثّوري النّاعم؟

بدأت ثورات الربيع طوباوية وتمكّن الطابع الطوباوي من إثارة الكثير من الأحلام والآمال عند الشّعوب العربية وكذلك لدى المراقبين، الذين عبروا عن دهشتهم بعودة الثورة منذ حادثة البوعزيزي في تونس عام 2010، لكن سرعان ما عرفت هذه الثّورات مسارات غير منتظرة بانخراطها في حروب أهلية معقّدة، اتّخذت أشكال النزاعات القبلية والطائفية والدينية وطابع التدخل الإمبريالية وحروب الإرهاب وبدا الأمل الديموقراطي شبه مستحيل بعد أن تحوّلت بعض هذه الثورات إلى مستنقع حروب ذات طابع إقليمي معقد استغرقت عشرية بكاملها.

ومن هنا لم تعد الثورة تغري إذا ما افتقدت إلى عقل قادر، متحكم، ضابط للنفس يساعدها ويقربها من الواقعية السياسية بدل الانسياق نحو إجراءات الخطابات المفتقرة إلى بوصلة الطريق، واقعية سياسية تعتمد على الحوار، وفنّ السياسة القائم على ثقافة التفاوض وامتلاك الوعي المتحكّم في آليات الانتقال الحقيقي الذي لا يفرط في  وهج الثورة ولا يتمتّع في حركية الواقعية السياسية، ليجعل منها قوة تجذب نحو الأسمى، لتكون فعلا واقعية سياسية ذات طراز ثوري ناعم، وبالتّالي تصير الطوباوية روحا فعّالة في عملية التغيير الواقعية بنظرة واثقة وجديدة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

شمس الدّين شيتور

شمس الدّين شيتور.. أصفار تدور في الفراغ

كريمة.أ.نواصر صار من الضّروري إعادة رسكلة كلّ الوظائف الرّسمية وغير الرسمية داخل دواليب الحكم في …

نعم يمكننا انتقاد الإسلام: علم الكلام الإسلامي يبيح ذلك بجرأة غير متوقّعة

ترجمت مقال الباحث الأستاذ هواري تواتي من الفرنسية بعد نشره في جريدة «لوموند»، نظرا للنّقاشات …