الجمعة، 10 أبريل 2020

«الفالس» أو المرأة الحالمة بالابتهاج

سارة خرفي

غلاف الرواية
غلاف الرواية

«رقصة الفالس» لليندة شويتن الصادرة عن منشورات القصبة والمتوّجة في ديسمبر 2019 بجائزة آسيا جبار للرواية المكتوبة بالفرنسية، هي رواية «الابتهاج»، الوحدة والاختلاف (باعتباره حقاً وخيارًا). تغوص بنا صاحبتها في اليوميات الحزينة لشهيرة لهاب، أربعينية عزباء تقطن في قرية «الموجة» وتشتغل خيّاطة، بل نجحت في أن تصل إلى نهائي مسابقة دولية في فيينا بالنمسا. تكابد شهيرة سوء الفهم وعنف أقربائها (وبخاصة والدتها)، لهذا كان بمقدور الصّمت أن يكون هو «الريتم» الطّاغي على حياتها إلاّ أنّه وبسبب معاناتها من مرض عقلي أطلقت عليه اسم «المشكلة» فقد وجدت نفسها تعيش وسط أشباح يخرجون مباشرة من روحها المعذّبة. وبالإضافة إلى هؤلاء المرافقين المتخيّلين (محند، ناصر، ثيمرقوشين…) تنحصر العلاقات الإنسانية لشهيرة فقط مع خالتي نوارة التي لقنتها حرفة الخياطة ومع عمي عمار، صاحب محل (Libellule) للوازم الخياطة.

بالرغم من مرضها النفسي وقرارها بالتوقف عن أخذ جرعاتها – وهو ما سيزيد من خطورة حالتها –، بالرغم من مواهبها المهدورة (وبخاصة موهبتها في الكتابة)، بالرغم من موهبتها التي خنقها الخوف من الحياة ومن الانخراط فيها، بالرغم من توجّسها من أنت تكون ذاتها وهو ما أدى إلى إخفاقها لأكثر من مرّة في الحياة وحتى في الموت (“إلى متى ستواصل إدارة ظهرها لدعوات الحياة ولدعوات الموت؟”، ص 220)، بالرغم من كلّ هذا فإنّ شهيرة لهاب مازالت تحلم. نعم، تحلم بالسفر إلى فيينا وبأن تكون أميرة للحظة لا يتجاوز زمنها زمن رقصة الفالس، رقصة تؤدّيها على إيقاع أغنية «ليالي الأنس في فيينا» للمطربة التي تعشقها: أسمهان.

في انتظار ذلك، يُخالجها شعور بأنّها ليست إلا محض عصفور داخل قفص (أو كعصفور الأغنية): «كانت هي ذلك العصفور. عصفور حبيس يوميات حزينة ووحدة تطاردها الأشباح؛ غير أنّ وعدا بالحرية لهذا العصفور يلوح في الأفق: حرية ظرفها وجيز وتدعى فيينا» (ص 70). تحلم شهيرة لهاب بأن تكون متصالحة مع جسدها وبأن تحيا في توافق تام مع آمالها وشغفها بالحرية، لكنها تفتقد إلى الثقة في النفس ذلك أنّها «ومهما حفرت في بئر ذكرياتها، فهي لا تعيد إلا شريط كلام لا ينفك يتردد على مسامعها وهو أنّ المرأة المحترمة من واجبها أن تكون متحفظة وصارمة حدّ المغالاة. المرأة المتحرّرة والسّعيدة جدًا هي بالضرورة امرأة عاهرة. أن تكوني سيدة فاضلة معناه أن تكوني عدوانية، محرومة وبائسة. يمكنك أيضا أن تكوني متعالية، وهو الوصف الذي كان يعايرها به» (ص 170-171).

بيد أنه سيكون من الإجحاف أن نلقيّ بكامل اللوم على شهيرة لهاب، هذه التي لم تنل يوما فرصة الانفتاح – باستثناء مرة واحدة نجحت في اقتناص نصيبها بالرغم من كل الألم الذي صاحب ذلك – داخل أسرة لطالما حكمت عليها (بسبب مرضها) وربطتها بها علاقات عنيفة. كما أنّها لم تنل بتاتا أدنى فرصة في المجتمع ولا في محيطها الذي ينبذ الاختلاف، نبذ مردّه الجهل أحيانا أو الحسابات الضيقة والنفاق في غالب الوقت. تعيش شهيرة معضلة كبيرة وتناقضا مستمرا: بين المرأة التي أصبحتها، خاضعة لشروط أملتها التقاليد والأعراف الموروثة والتي تجاوزها الزمن، وبين المرأة التي تريد أن تكونها. بها رغبة في «الابتهاج»، بمعنى المتعة والشهوة، إلاّ أنّ هذا «الابتهاج كان، على أي حال، شيئا ثانويا بالنسبة لأهلها. هؤلاء كانوا قوما لا يحلمون إلا فيما ندر، فكرت فجأة. هل كان هذا هو السّبب الذي جعلها تحسّ بأن هؤلاء قوم حزن شديد؟ أن تحلم وأن تبحث عن البهجة هما فعلان تافهان، بل خطيران، ولا يمكن إلا أن يؤديا إلى الانحراف خاصة إذا ما تعلق الأمر بامرأة. لا يحق لهذه الأخيرة إطلاقا أن تطلق العنان لأحلامها. ثم إن أسلافها دائما ما كانوا يسخرون من المرأة الحالمة؛ حتى في مظهرها البدني كان لزاما على هذه المرأة أن تثبت تشبثها بقوانين الجاذبية: جسد ثقيل، ممتلئ ومزروع جيدا» (ص ص 171-172).

تعتبر رواية «رقصة الفالس»، التي قُسمت إلى ثلاثة فصول (الموجة، ثيزي نتليلي، فيينا)، العمل الثاني لليندة شويتن، عمل يُقرأ في جلسة واحدة في حضرة سارد ثرثار (وعالم بكلّ تفاصيل الحكاية). ينقلنا إلى عالم امرأة – نعيش الانغلاق مع هذه الشخصية – تتمرّد ضد وضعها أو على الأقل ضدّ الحياة التي لم تخترها بنفسها! في هذه الحالة، مرضها العقلي ليس نتيجة بل ربما أمارة عن صحوة وعيها، خاصة وأنّ كل صراعاتها قد صاحبها الألم. تعيد رواية «الفالس» طرح أسئلة خالدة في الأدب كما في الحياة: هل يجب أن تحلم بحياتك أم عليك أن تعيشها؟ ربما أوجب أن نبدأ بالتوقف عن التفكير فيها…

ت: جلال الدين سماعن

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ماذا قال كاتب ياسين عن مولود معمري في ذكراه ؟

تعتبر رواية “الربوة المنسية”، أوّل عمل روائي، وأول كتاب أنجزه الكاتب الجزائري مولود معمري (1917-1989)، …

يانيس ريتسوس

قصائد مترجمة ليانيس ريتسوس

ترجمة عن الرومانيّة: يوسف حنا يُعتبر يانيس ريتسوس أحد الشعراء اليونانيين المهمين في القرن العشرين، …