الأربعاء، 27 مايو 2020

كوكايين وكرة قدم في بلاد العجائب

غادة بوشحيط

يصنع الفيلم القصير «النّادي الكروي لنفطة» الحدث منذ صدوره في 2018، من خلال حيازته العديد من الجوائز، وها هو يكمل مشوار الإثارة منذ ما يقارب الأسبوع، حين ورد في ترشيحات الأوسكار هذا العام. باكورة المخرج إيف بيا (Yves Piat) السّينمائية الأولى عرفت تجاوباً من النقاد كما الجمهور، حيث حظي الفيلم على أزيد من خمس وستين جائزة.

تدور أحداث الفيلم الذي لا يتجاوز سبعة عشرة دقيقة، في قرية نفطة الحدودية بين تونس والجزائر. يحكي قصة أخوين: عبد الله، الطّفل الصّغير الذي يحلم بكرة القدم ويعشق رياض محرز، ومحمد المراهق المشاكس. يتقاسم الأخوان ضنك العيش دون رقيب. مفارقة عجيبة تضع عجلة الفيلم على سكة السرد السينمائي المتفرد، تتمثل في العثور على حمار على الحدود الجزائرية – التونسية، يضع سماعات موسيقية، ويحمل كميّة هامة من الكوكايين، ليتحول سيناريو الفيلم إلى قصّة «الحمولة التائهة».

ديزني، علي بابا..وقصص أخرى 

ذكاء المخرج يتجلى في بساطة الطرح وعمقه في آن. فيلم قصير يتطلّب قصة قصيرة ليس ما أفضل من قصص الأطفال لتوفير مقادير العمل الجيّد. لم يعمد الكاتب والمخرج إلى اللعب على الأزمنة والفضاءات، بل الحكاية كلها – كما في قصص الأيام الخوالي، وأفلام ديزني – تدور في قرية بعيدة وفقيرة، أبطالها أطفال أبرياء، وراشدون جشعون وأغبياء.

الحمار أيضاً بطل أبطال القصّة، وإن لم نسمع له صوتا، على الرغم من واقعية السرد، فروح «علي بابا» حاضرة، لتصبح (someone like you) للمغنية البريطانية آديل بمثابة «افتح يا سمسم» لا يتحرك الحمار صاحب السماعات الكبيرة الحمراء إلا إذا سمعها.

تقترن واقعية المخرج بالعجائبية، ينتفي الحضور الأنثوي، على الرغم من تنوع الديكورات: الجبل الحدودي، البيت، محل تصليح الدراجات وملعب كرة القدم. المناظر الداخلية كما الخارجية لا تتسع إلا لرجال، حتى داخل البيت حيث يعيش الطفلان عبد الله ومحمد، لا يرد ذكر لأمهما طيلة الفيلم، من خلال الحوار يستشف المشاهد أن أباهما غائب بحجة العمل. غابت نون النسوة عن العمل تماما، ربما لأن الفيلم يدور حول ثنائية الكوكايين – الكرة، فالنساء لا تدمن، لا تلعبن الكرة، ولا تحلمن في هذه القطعة من الكوكب.

نشيخ إذ نفقد أحلامنا

يدور العمل حول مصير شحنة «الكوكايين» التّائهة، ففي حين يندب المهربان (لياس سالم وهشام مصباح) حظهما العاثر بفقدانهما لما كان سيحقق لهما ربحاً، يتخيل محمد المراهق مصيراً أفضل له ولعائلته الفقيرة محاولا تصريفها بمعية مجموعة من معارفه، أما عبد الله فهو صاحب الحلّ البريء والقاطع: يحقق ربحه إذ يرسم بشحنة الممنوعات حدود حلمه، حدود ملعب كرة القدم حتى يتفادى المشاحنات مع أقرانه حول خرق قواعد اللعب الناتج عن غياب حدود ملعب كرة قدم واضحة. وفي حين يفكر الكبار فيما يمكنهم حلّه بمال الممنوعات من مشكلات، يطبق عبد الله حله بواسطة «مسحوق الغسيل»، كما خيّل له. دون مبالغات، لا استفاضة في إنسانيات خادعة، ولا سطحية في الطرح، التي تعوّد عليها المشاهد في أفلام تدور في فلك العالم العربي، يقدّم «النّادي الكروي لنفطة» خلطة سحرية. مع طرح يتجاوز النّقد الاجتماعي والسّياسي نحو طرح فلسفي كوني.

عوالم لياس سالم

يؤدي لياس سالم دورا ثانويا في هذا الفيلم، لكن من يتابع الفيلم حتى النهاية سيحس ببصمته الإخراجية حاضرة بقوة، حيث يعيد «النّادي الكروي لنفطة» إلى الأذهان أحد نجاحات سالم السينمائية الجزائرية: فيلم «مسخرة»، فتجتمع المفارقات الغريبة والتراجيكوميديا، ولا وسيلة سوى السخرية والعبث للتعبير عن الواقع. يضل الحمار الذي ينقل شحنة المخدرات طريقه لأن أحد المهربين (هشام مصباح) أخطأ في وضع الموسيقى المناسبة التي تعوّد على سماعها الحمار كي يقطع طريقه: عوض أن يسمعه صوت البريطانية (Adèle)، يسمعه أغنية أخرى للشيخ عادل، وتحلّ عقدة الفيلم باستغلال الكوكايين في رسم حدود ملعب الكرة.

الجزائر: بلاد العجائب

هل يحكي الفيلم قصة تونسية أم جزائرية أم قصّتان معاً؟ يشير عنوان الفيلم إلى قرية نفطة المعزولة والفقيرة ككثير من القرى التونسية، تعاني العوز والتّهميش، يعيش أطفالها على وقع ظروف صعبة. كما يحكي قصة «الأخت الكبرى» المجاورة، الصّامتة، المثيرة، الغريبة في حمقها، المدهشة بجميع الأحوال. هي أمنية الصغار، «إلدورادو» الكبار، تصدّر المعجزات ممثلة في لاعب كرة القدم، رياض محرز، تستورد الكوكايين، وتصنع بفضائحها أساطير الأزمنة الحديثة.

أرض المفارقات، حيث لا شيء ينمو وسط خراب الأمكنة والأرواح غير الإدمان: الكوكايين، الكرة، الحلم.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …

كورونا…وباء ما بعد حداثي

هكذا تحول كورونا إلى أهم حدث على وجه البسيطة، بدا لأول مرة كشبح ليصبح حقيقة …