الأربعاء، 27 مايو 2020

الطّاهر جاعوط.. عسّاس العقل

 أحمد شنيقي

الطّاهر جاعوط
الطّاهر جاعوط

لا أدري لماذا أصرّ أن نلتقي قرب مقر صحيفة «ألجيري – أكتياليتي»، في مقهى ضيّق، مكتظّ ومتهالك من تعب السّنين والضّجر. ليس خفياً أنه كان يحبّ فيلليني، وذلك المكان يُشبه في غرابته الفضاءات المظلمة المرحة التي كانت تعرضها كاميرا ذلك السّينمائي الإيطالي الكبير، والتي يمنحها هالة متفردة. كان يبتسم، لا يتوقف عن التبسّم، مداعبا طوال الوقت شاربه المعقوف على شكل ناب كما لو أنّه يُداعب خيوط الخيال المتدليّة.

كنا نستذكر تلك الأوقات الآسرة وتلك الأحاديث التي لا تنتهي عن الأدب، السّينما والمسرح. أحاديث كانت تجعلنا نخلق عالما خاصا مع أصدقاء مشتركين مثل بلحي، زنتر، جعّاد، موني برّاح، بن علام وأيضا كاتب ياسين، ديب وكثيرون غيرهم. يصبح الشاعر الخجول ثرثارا حين يتملّك الثقة، يصعب إيقافه، يحدّثني عن نصوصه الأولى، عن لقائه بعمل عملاق شعر آخر: جان سيناك، وعن تأثّره بأسماء غُيّبت اليوم: تيبوشي لغواطي، سبتي..

يثير الشّعر في نفسه كلّ الأحاسيس، دائما ما ينتعل حذاءً ملمعاً بشكل سيء، ويحافظ على نظرة فلاح متوجّس مما حوله. من المفارقة أنه حادّ وحاسم، ضائع في غموض الذكريات الأدبية إلى درجة يتحوّل فيها إلى إحدى شخصيات كوزينسكي. يضحك من نكت لا يحسن سردها، يلف إيماءاته عنف أصم يعبّر عن الخجل العميق للطّاهر الذي لا يحب أبدا الرداءة، وهو الروائي والصّحافي الشّهير الذي نشر نصوصا تحوم حول خيبة الأمل.

أحاول أن أدفع الطاهر للتّحدّث عن حياته، مغامراته السّابقة، وسرعان ما يحمرّ خجلا إلى درجة أنه يوقفني مستعيناً بحكم، حتى لا يخوض في الحديث عن مواضيع لزجة: عن قصص حبّه. كثيرًا ما يتلاعب به الخجل لدرجة أنّه يكسر كلّ شيء في طريقه، مثلما كسر فنجاني قهوة. يبتسم الإبريق خجلا من الشّاعر، أو ربما من الغيظ، ثم يختفي على أطراف قدميه، عائداً بفنجان آخر. يحدّثني عن أعماله الرّوائية وشغفه الأدبي ويعود كلّ شيء إلى مكانه. رواية “المٌصادر” هو النصّ الذي يفضله، يجد أنه أفضل ما كتب، النصّ المنجز بشكل أجود، المميز بألعاب التفكيك والكيانات الزمكانية وبكتابة تبرز فيها نزعة توفيقية حيث الأسطورة تُحاكي التّاريخ.

بالمناسبة، سؤال الزمن والتّاريخ يشغل كل نصوصه: «العسس»، «الباحثون عن العظام»، «ابتكار الصّحراء» و«صيف العقل الأخير». في حوارين مطوّلين أجريتهما معه في 1990 و1992 نشرا في صحيفتي «أخبار الشّرق» و«المسار المغاربي»، شرح لي هذه النزعة في استخدام زمنين وفضاءين يتجاوران ويضاعفان شذرات الأزمنة والفضاءات، ما ينتج عنه رواية فريدة.

لست أدري كيف سألته عن روايته الأخيرة في لقائنا في شارع باستور، أياما قليلة قبل اغتياله، حيث أفصح لي عن قلقه ومخاوفه، وحدّثني عن تلك الملاحظات التي أشار إليها ناشره في دار «لو سوي» حول مخطوطه الذي لم يحمل عنواناً بعد حينذاك. أخبرني أن الناشر طلب منه إعادة صياغة بعض المقاطع، كما يفعل دائما مع روائيين آخرين. ذكر لي مثالين نعرفهما جيدا: روايتا «نجمة» و«نجل الفقير» اللذان تمت إعادة تحريرهما على يد الناشر نفسه. كنت قد تحدثت سنة 1982 في هذا الموضوع. قام مدير عام منشورات «لو سوي» آنذاك: ميشال شودكيفيتش، بالردّ عليّ وأوردت ردّه في الجريدة.

لكنه يكمل حديثه بضحكة ماكرة عن «الكتَاب» الذين يُطلب منهم إعادة صياغة نصوصهم كاملة. نضحك معاً. أشاطره الرأي وأذكر له بعض الأسماء المعروفة. هنا، يصبح صديق مولود معمري الذي يقدّسه، وبرنار نوال، فضوليا ويسألني عن الوضعية الرّاهنة. أخبره ببساطة أن هناك بعض الأسماء الإعلامية، بعض الرّوائيين «الجيدين»، هناك ناشر أو اثنان يحاولان بشتّى الطّرق تقديم أشياء جميلة، كثيرون غادروا البلاد متبنين ازدواج الجنسية، حتى كتّاب اللغة العربية انتقلوا إلى باريس، بجوازي سفر اثنين.

أحكي له عن «مشاريع» وزارة «الثقافة»، القائمة على مهرجانات زائفة ومال منهوب، مع هجر الأدب. عن المترجمين، أولئك المحتالون الكبار، لا يتقنون لا العربية ولا الفرنسية، وحيدو السّاق، يحتفى بهم في الصّفحات الثقافية لجرائد بعيدة جدا عن واقع الكتابة الصّحافية وعن «الثقافة». الشرّ استشرى. عندما بدأت الحديث عن الصحافة، تذكر مباشرة ذلك المقال الذي آلمه كثيرا، الذي نشر في 1980 في صحيفة «المجاهد» عن معمري والذي كان عنوانه «مقدّمو الدروس». هاجم فيه زملاء سابقين يكتبون في صحف أجنبية. أقول له مبتسماً: لكن يا الطاهر إنك تتحدث عن حالة اليوم. أكيد أن هناك الكثير من الصحف. ولكن..

الطاّهر جاعوط على اليسار
الطاّهر جاعوط على اليسار

يأخذ نفسا عميقا، بعد رشفة من قهوة بردت، ويعود للحديث عن لقاءاته مع ديب وديجو في باريس، كنا معا، كان مشدوها بديب، معجباً بتواضعه وثقافته الواسعة، لكن غير مفتون كثيرا بديجو، الذي لم يكن بحسبه سوى بيبليوغراف. قلت له: أذكر هذان اللقاءان وأذكر أيضا ما أسرّ به لي ديجو في لحظة ذهبت فيها إلى دورة المياه، بأن أحسن صنيع تؤديه أن تكتب، كما لو كان الشمال إفريقيون غير جديرين بالاستقلالية ولا روايات جميلة كما رواياتك. كان يعلم أنني أستحسن كثيرا نصوصه، هو المحقق الصّحافي الذي أكرمنا بروبورتاج حول اليمن ونسائه بلباسهن المميّز، جميلات كما شمس تلك البلدان التي كان يحبها ذلك المتنعم: الطّاهر.

مثل كثير من الأصدقاء لم أفهم أبداً انتقاله من الكتابة في الثّقافة إلى الكتابة في السياسة، حاول الإجابة بالقول: أتدري، بلحي، أنت أنا وآخرون، اخترنا «الثقافة» لأنه يمكننا فيها نقل الواقع دون خوف من الرّقابة. سألني عن ضجّات وإشاعات السياسة آنذاك. انتهى بالقول بأن الممارسات الديمقراطية قادرة على تغيير الأمور كما في التراجيديا الإغريقية، حيث شعر البشر بضرورة مقاتلة الآلهة لإستعادة نوع من المواطنة، هذا هو النّضال! ذكرته بتلك المناوشة بيننا سنوات الثمانينات في المركز الثقافي الإيطالي، ابتسم، ضحكنا معاً، كنا قد طويناها. الطّاهر كان زميلاً، نتحدّث عن الأدب والثقافة كعارفين. ابتسم وختم الحديث: «المثقفون» يختبؤون، «الفنانون» أيضاً، يبحث جلّهم عن جمع الفتات. كما لو كان قد حضر لقائي بكاتب ياسين الذي يحبّه كثيراً، والذي قال الشّيء نفسه. كان الطاهر يحبّ الحديث مع العصافير، كان له شغف كبير بالطيور المهاجرة، يحسدها على تلك الحرية التي يستعيرها في كلّ نصوصه.

الطاهر كان يحب الحديث عن الشعر كثيراً، عن رامبو، إيمانويل روبلس، برنار نوّال الذي كان يحبه كثيراً وأيضا رواية «جنرال الجيش الميت» لإسماعيل كاداري. كان يبتسم مداعبا شاربه، المتفرد في تسريحته، دون توقف، كان يحب الحديث عن صداقاته وكذلك مغامراته. كثيرا ما كان يقلّد نفسه بسخرية غامزًا بعينيه اللتين تعكسان نظرات تتفنن في تصنّع السّذاجة. لم يكن بمقدوره التوقف عن الحديث عن الأدب: «الأدب هو الحياة. بدأت حياتي الأدبية بالشعر. بالمناسبة، الكتّاب الكبار بدأوا لعبة الكتابة بتجربة الشّعر. لطالما أحببت رامبو، بودلير، أراغون، نيرودا.. نلت ليسانس رياضيات ولكن قدري هو الكتابة. ولذلك اخترت الصّحافة دون تردد. كثير من الروائيين الكبار مروا عبر الصحافة، كامو، ديب، كاتب، ماركيز، مالرو وآخرون كثيرين».

الطاهر يبتسم، يتذكّر تلك النظرة الودودة من محمد خدة ولوحات مسلي، أكسوح، علي سيلم، يقهقه حين يذكر اسما محمد اسياخم ودوني مارتنيز الذي يحبه كثيراً. الطاهر كان يحبّ الرسم.

يسير الطّاهر، يدقق في الآفاق البعيدة، يدوس بعض الحجارة ثم يكمل مشيه، مبتسما دائماً.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جورنال: أسبوع أوّل في الحجر الصّحي

كريمة أ.نواصر أسبوع من الجهاد في سبيل الحياة، بين أربعة جدران، اكتفيت فيه بعدّ السّاعات …

كورونا…وباء ما بعد حداثي

هكذا تحول كورونا إلى أهم حدث على وجه البسيطة، بدا لأول مرة كشبح ليصبح حقيقة …