الخميس، 24 سبتمبر 2020

أن تقرأ ريلكه بالعربية

محمد الصّالح قارف

مرّت عشر سنوات على ترجمة كاظم جهاد لأهم الآثار الشّعرية لراينر ماريا ريلكه (1875-1926)، وكنت قد أمضيت العام الفائت، في الاندهاش العذب والمتمهل للمجلّدات الثلاثة، ولي أن أستعير من ت.س. إليوت والمقامُ مقام شعر، مع شيء من التحريف بنزع اسم سبينوزا، أنه لم يبقَ للإنسان المعاصر سوى أن يحبّ ويقرأ ريلكه، وقد حُزت الاثنين العام الماضي.

وصلت متأخراً كعادتي، استغرق الأمر مني عقداً من الزمن، ذلك لأن هذه الترجمة صدرت في 2009 عن منشورات الجمل ومشروع كلمة. ويبدو أنه ليس من المقدّر لي معايشة ومعاينة الأعمال العظيمة لأسباب يطول شرحها، كلّ ما أبهرني في السابق كان قادماً من جِرار قديمة، لدرجة أن القراءة تبدو لي اليوم كحدث مفارق للزمن وغير معني به.

كان من أسباب التعطّل تلك، ريبة من كاظم جهاد نفسه! اكتسبتها بعد قراءة تقديمه لترجمة الكوميديا الإلهية لدانتي، التي قام بترجمتها عن الفرنسية، كانت ترجمة «حفيدة» ولم أستسغ كل ما بذله لتبرير نقل عمل عظيم عن لغة وسيطة، لكن ما حدث لي بعد قراءة ترجمته ريلكه، طوال أزيدَ من 900 صفحة، جعلني أحاول رصف سطور من أجل صياغة «شكراً» تليق بهذا الصنيع العظيم.

يقوم عمل ريلكه – كما يشير كاظم في تقديمه – على «قلب المنظورات»، وهي عملية استبطان للعالم وتحويله إلى مادة جوانية، وقراءتي لريلكه عبر كاظم جهاد كان لها مفعول القَلب كذلك، فبالرغم من وقوعي في نطاق الجذب النيتشوي في «قلب القيّم»، إلا أن تجربة ريلكه كانت بمغناطيس أشهى وأخطر. وعليه فإني أرى، من جهة ذائقة ذاتية ومتحمّسة من فرط جرعات الشعر (overdoses de poésie)، بأن هذه الترجمة حدث مهم وتاريخي في تاريخ الترجمة العربية على عراقته المبكرة وعِلّاته المتأخرة، وأزعم أن كاظم قد نجح في استضافة شعر ريلكه داخل اللغة العربية، مانحــاً لقرّاء هذه اللغة العبقرية فرصة لاكتشاف جمالية فريدة.

لقد أثبت كاظم جهاد بأن ما يُقال في مقدمات بعض المترجمين، حول صعوبة النقل إلى العربية، ومن الألمانية بخاصة، والتي «تعلّ الصبر» وفق تعبير المترجم أبو يعرب المرزوقي، ليست سوى إلا شططاً من لدن من يحسبون بأن اللغة العربية بدأت معهم، وليست تسبقهم بأربعة عشر قرناً.
هذا العمق اللغوي، أو بعبارة أخرى، هذه التجارب اللغوية التي شهدتها العربية في رحلتها الطويلة متعددةٌ تبلغ حدّ التناقض، وليست فرداً صمداً، إن اللغة التي دوّن بها كاظم هذه الترجمة إنما تجتاز في طريق احتضانها لشاعر مثل ريلكه طبقات وصفائح لغات المتصوفة، كلام الله، حساسية الشعر الجاهلي، وبيان المعتزلة، ولغة مترجمي الأناجيل الليبرالية.

شعرية ريلكه إذاً هي ابنة الظّلمة، وكان هو نفسه قد لاحظ أن شعراء العربية «الذين تبدو الحواس الخمس وهي تساهم في تصوّرهم للشعر بأكثر تكافؤا وفورية، مما عند الشعراء الغربيين». لكن كاظم أخرجها إلى العربية المثقلة بالحسيّة وسياط الشمس، كان يمكن للغة حينئذ أن تصاب بالسويداء، لكن العربية التي صاغها المترجم استطاعت أن تقول ريلكه بكل أطيافه اللونية؛ هذا ما أحسست به كقارئ، أن لغتي العربية بإمكانها أن تسرد كلّ العتمة التي يحملها شاعر كريلكه. من جهة أخرى، تساءلت، وأنا أرى أمامي ثراءً معجمياً ملفتاً، عن مصير المعنى والصّورة الشعريين: ألن يودي دَغل اللغة العربية مجدداً بكل ذلك؟

وجدتُ أن كاظم جهاد يستعين بخبرة المتصوّفة تجاه التّجريد النّابع من الذّات والذي يبلغه أحياناً شعر ريلكه، فيستعير مثلاً من النِّفري اللفظ/المفهوم «ما لا يُنقال»، ومن ابن عربي يقوم بإسقاط «الحقيقة القلبية» على عملية «تَجْوين» (من الجوانية) العالم التي يُباشرها ريلكه. وكنت في البداية أرى أن في هذا مخاطرة عظيمة، إذ تقف روحية ريلكه في تضاد قُطري (diagonalement opposée) من روحية المتصوّفة المسلمين، فهي روحية (ريلكه) تسعى وراء المادة وتقتحم بردها، الرّوح ليست إلا أعطاب الجسد وظلالاً قلقة لما يمور بداخله؛ «روحية مادية» تلك كانت رؤية ريلكه، أو روحية علمانية إن شئنا الاختصار والتبسيط، اقتادها ريلكه إلى خرائط الجسد ومجهولاته المعتمة.

قام كاظم جهاد باقتحام قاموس المتصوّفة ذي اللاهوت المعقد والكثيف وتخيّر منه ذلك الشكّ المستديم واليقين بالفقد الذي نستشفه في تجارب المتصوفة اللغوية، لذا نرى أن لغته توسعت «كقفازات أرتديت في سفر»، والوصف من لدن ريلكه، وحذر القتلة في استعمال قفازاتهم من هذا الاستخدام المكلّف المميت.

ليس هذا فحسب، بل إن كاظم جهاد يرّشح لغته العربية على مصافٍ أخرى من الفرنسية وحتى الإيطالية التي يشير في تقديمه أنه قد استأنس بهما، إننا نقرأ عملاً بأوجه الوحش الأسطوري الهيدرا، كيف لا و«الجمال إن هو إلا بداية الرّعب» كما يعلّمنا ريلكه.

إعجابي في المجمل كان متعلقاً بالجرأة والصّبر والجهاد الذي بذله المترجم في تعريبه لآثار ريلكه الشّعرية، ولست في موضع أن أحكم عليه من ناحية «الدّقة والأمانة»، فمن جهة لست عارفاً باللغة الألمانية رغم محاولتين لي لم تسعفهما الظّروف، لكنّي من جهة أخرى مُوقن بأن أي ترجمة إنما هي إمكانٌ من بين إمكانات أخرى، وليس لترجمة مهما يكن مؤلفها بأن تدعي أنها الاحتمالية الوحيدة الحقيقية. ولعل هذه الأسطر تدين لريلكه وكاظم جهاد على النحو الذي صاغه بول فاليري في معرض مديحه للشاعر النمساوي، إنها تدين لهما «برنين لغة أجهلها».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …