الخميس، 6 أغسطس 2020

في فلسفة اللذة والمتعة عند الطبيب أبي بكر الرازي

أحمد عمراني

ينطلق أبو بكر الرازي الطبيب (ت. 311هـ) من مسلّمة بسيطة، تقوم على اعتبار أن الذي يشترك فيه المُتديّن واللاديني، الصبيّ والبالغ، الحيوان والعاقل هو : اللذّة. إن اللذة مطلب طبيعي وضروري لكل حي؛ ولا أحد يطلب الألم ويعيش فيه. لكنه يرى أن اللذة ليست معروفة ومفهومة لكل الناس على حقيقتها، لذلك لا يخلو كتاب أو رسالة أو مقالة من مؤلفات أبي بكر الرازي، من الحديث عن اللذة، حتى إنه خصّص لها مؤلفا عنوانها كتاب اللذة.

يقول في كتاب الطب الروحاني : “وأغلب المائلين مع اللذة، المُنقادين لها، هم الذين لم يعرفوها على الحقيقة”. فاللذة مبحث من مباحث الفلسفة، تستحق الفحص والنظر والضبط. ويعدّ أبو بكر الرازي أول فيلسوف عربي، تناول مفهوم اللذة بشكل كبير، وكل ما قيل عنها لاحقا من طرف متكلمي الإسلام وفلاسفته، ما هو إلا رد وتفصيل لما ذكره أبو بكر الرازي.

لم يصلنا كتاب اللذة الذي وضعه أبو بكر الرازي، إلاّ من خلال مقتطفات ذكرها الشاعر والداعية الإسماعيلي ناصر خصرو (ت. 481هـ) بالفارسية، يرد فيها على أطروحات الرازي. في هذه المقتطفات يتضح أن الرازي يتّبع فكرة أفلاطون في كتابه طيماوس حول اللذة. إذ يعرف الإنسان ثلاث حالات : حالة لا يحس بها بشيء، حالة يحس بها بالألم وحالة يحس بها باللذة. فتصبح اللذة – حسب الرازي – هي إحساس أو حسّ مريح، أي تأثّر وتغيّر عن الحالة الطبيعية. ولا تكون اللذة وحدها بل مقترنة بالألم وتابعة له؛ والألم سابق. ويقول في كتاب اللذة : “إن اللذة ليست بشيء، سوى الراحة من الألم، ولا توجد لذة إلاّ على أثر ألم”. لكن جدية الرازي حول مفهوم اللذة لا تظهر في هذه المقتطفات المجزوءة، والتي ذكرها مخالف له. بل تظهر في كتاب الطب الروحاني وفي كتاب السيرة الفلسفية.

يخصص أبو بكر الرازي كتابه في الطب الروحاني، للحديث عن عشرين مسألة منها “العشق و العُجب والحسد والغضب والكذب والبخل والشره والشراب والجماع والعبث والنظافة والامتلاك وطلب الرياسة والرتب والخوف من الموت”. وكما نرى فإنها كلها تجلب لذة ومتعة، أو تسبّب ألما وأذى؛ فيناقشها ويجعل لها ضوابط وحدودا. وكما نعلم فإنها تدخل في المسائل الأخلاقية، وبالتالي هي إحدى أهم مواضيع الدين، والرازي يعلم ذلك جيدا. لكنه بدل أن يناقشها انطلاقا من الدين ومراجعه القرآنية والحديثية، فإنه يهمل كل هذا عمدا؛ بل يناقشها من وجهة نظر عقلية، رغم ما تعج به كتب الدين حول هذه المسائل. يريد الرازي أن يقدم تصوّرا إنسانيا متجاوزا لدائرة الدين، ويخاطب به كل إنسان مهما كانت انتماءاته الدينية. وهنا يظهر الجانب “العلماني” في الثقافة الإسلامية في القرون الوسطى.

وليس لأن الرازي لم يكن محدودا بالدين، فقد أباح كل القيود للذة. بل بصفته طبيبا فقد وضع لها ضوابط. ومنها أربعة ضوابط :

  • إن الإكثار من اللذات يُخرج عن تحقيق اللذة؛ ويقول في كتاب الطب الروحاني : “إن الإدمان والمثابرة على اللذات يُسقط الالتذاذ بها”، فالأكل بعد الجوع يُحدث لذة، لكن لو زاد الأكل عن حد حاجة الجوع، صار مجلبة للألم من تخمة وثقل وأمراض؛ وهنا يخالف تمام المخالفة فيلسوف اللذة على الإطلاق كاليكلاس اليوناني، الذي يقول مخاطبا سقراط في إحدى محاورات أفلاطون التي عنوانها محاورة غورجياس: “إن الحَسن والعادل حسب الطبيعة، ولكي يعيش المرء عيشة طيبة، هو أن يتمرن على الشهوات الكبرى بدل أن يكبحها. وينبغي تلبية هذه الشهوات باستعمال الشجاعة والذكاء وإشباع كل رغباتها”. بينما أبو بكر الرازي يرى أن “كمال اللذة ونقصانها لا يكون بإضافة لذة إلى لذة، بل بتحقيق لذة حسب مقدار الحاجة إليها”. ويمكن لهذه العبارة البسيطة أن تكون مبدأ مناقضا للثقافة الاستهلاكية، التي أنتجها قرننا والنظام الرأسمالي القائم على الامتلاك وعلى قاعدة : كلما اشترينا أكثر كانت سعادتنا أكثر.
  • لا يوجد حد ضابط لكل اللذات، وينطبق على كل البشر، كما تحاول أن تسوّق له الشرائع الدينية. بل المعيار هو فردي وشخصي، يعرفه كل شخص وفق ذاته وتجاربه. لذلك لا يرى الرازي حرجا في تناول النبيذ. لكنه يذمّ الإدمان عليه؛ وحتى إنه لا يتكلم عن حد الإدمان. لذلك تكثر في كتابات الرازي كلمة “العاقل” و”حسب الفكر والروية”.
  • لا يمكن للعاقل أن يطلب لذة، تجلب له ألما يفوق مقدار اللذة التي يطلبها. ويقول في كتاب السيرة الفلسفية : “لا ينبغي أن نحتمل ألما في جنب لذة يزيد عليها ذلك الألم في كميته وكيفيته”. فاللذة لا تطلب لذاتها بل تراعى إلى الحيثيات التي ترافقها من حيث الكمية والكيفية. وهنا يطرح الرازي قاعدة للعيش السليم يذكرها في كتاب الطب الروحاني : “إن العاقل لا يغتمّ البتة. وذلك أنه إذا كان لما يغتم به سبب يمكنه دفعه، جعل مكان الغم فكرا في دفع هذا السبب. وإن كان مما لا يمكن دفعه، أخذ على المكان في التلهي والتسلي فيه، وعمل في محوه وإخراجه عن نفسه” فعبارة “العاقل لا يغتم البتة”، يمكنها أن تكون شعارا فلسفيا، لكل مبتدئ في فلسفة اللذة والمتعة. فهو بين حالتين، إما يُشغل فكره للخروج مما يؤلمه، في حالة إمكانه تغيير الألم، وإما يُسلي نفسه ويُلهيها في حالة عدم إمكانية دفع الألم.
  • بما أن الإنسان لا يعيش وحده، فيلتذ وحده، ويتألم وحده؛ فإنه يطرح ضابطا يحدد تضارب اللذات، داخل العلاقات الاجتماعية؛ فيقول في كتاب السيرة الفلسفية : “لمّا كان ليس للإنسان في حكم العقل والعدل أن يؤلم غيره تبع ذلك أنه ليس له أن يؤلم نفسه أيضا”. فاللذة الفردية لا يجب أن تدخل في تحقيق الألم للغير، وهذا ليس بداعي الأخلاق الاجتماعية أو الدينية، بل وفق مبدأين : العقل والعدل. فالعقل وظيفته تحديد نتائج وتبعات اللذات الفردية، أما العدل فوظيفته العمل بمبدأ عدم التلذذ على حساب تألم الغير. وهنا نجده قد سبق الفيلسوف الفرنسي شامفور، الذي يضع قاعدة أخلاقية للمتعة، تقوم على التمتع في هذه الحياة، بدون أن نضر لا أنفسنا ولا غيرنا.

إن الطبيب أبا بكر الرازي، هو فيلسوف اللذة العقلانية في الإسلام بامتياز. وقد وضع في ذلك مذهبا بديعا، يقوم على مخاطبة كل عقل إنساني، بعيدا عن الأخلاق الاجتماعية الضيقة، أو تحريمات الأديان المُتجاوَزة. ولكنه لم يجد مُواصلا ومُتتما لفلسفته داخل دائرة الإسلام.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

على هامش الحراك.. اللحظة الجزائرية وأسئلة ما بعد الكولونيالية

على هامش الحراك.. اللحظة الجزائرية وأسئلة ما بعد الكولونيالية

من يقدر على قراءة “اللحظة الجزائرية” – الآن – حيث تتشرذم النّخب المثقفة وتشتّت، مع …

إذا الموءودة سئلت.. المرء يتحمل مسؤولية أفعاله

عائشة بلعابيد سورة التّكوير وعدد آياتها 29 تبدو صغيرة ومهملة بين باقي السوّر الطوال. أول …