الجمعة، 24 يناير 2020

فيلم «بابيشة».. كليشيهات، فلكلور واقتباس

عائشة بلعابيد

شاهدت قبل أيام فيلم «بابيشة» (إنتاج مشترك جزائري، فرنسي وبلجيكي) لمخرجته (وكاتبة السيناريو) الجزائرية الفرنسية مونيا مدور. يروي الفيلم قصّة ثلاث صديقات يُقمن في الغرفة نفسها في حيّ جامعي بالعاصمة؛ سميرة محجّبة ملتزمة دينيا، نجمة البطلة الرئيسية غير المحجّبة هاوية تصميم الأزياء ووسيلة. تدور وقائعه في العاصمة في بداية التسعينات حيث تختلط الأحلام بالدّم.

العنوان
عندما سمعت بعنوان الفيلم، لأوّل مرّة، لم أكترث كثيرًا لأنني عادة لا أحبذ الأفلام التي تحمل عناوين متداولة في عبارات التحرش في الشّارع (وإن كان بابيشة ليس نعتا سيئا لكنه بالنسبة لي فيه تقليل من قيمة المرأة)، ثم تراجعت وقررت مشاهدته، أول ما لاحظته أن المخرجة هي نفسها كاتبة السّيناريو وهذا النوع من الاحتكار يخيفني عادة ولا يوحي بأن العمل سيكون كبيرا، إذ المخرج الذي يأخذ الفيلم في قبضته حتما سيعمل بجهد أقل اعتقادا منه أنه يفهم فكرة الفيلم جيدًا.
القصة بسيطة جدا وغير متماسكة إلى درجة التساؤل – وهذا ما حدث معي فعلا في لحظة سألت من كان يرافقني في مشاهدة الفيلم – أين هي القصة؟ الأحداث غير مترابطة أو على الأقل لا يشعر المشاهد أنّ هناك علاقة حقيقية بينها، الشخصيات تسير في خطّ أفقي رتيب لا تتطوّر مع التقدّم في الفيلم ربّما هذا لأن مدة الفيلم غير كافية لتصنع شخصيات مركبة تنضج باستمرار.

كليشيهات…وإثنوغرافيا
جزء كبير جدا من سيناريو الفيلم كليشيهات مكرّرة بشكل يدعو للغثيان، الفتيات القاطنات في الحيّ الجامعي وخروجهن ليلا للسّهر لا يدلّ على معالجة قضية لتحرّر المرأة وهروبها من القيود بقدر ما يُعيد إنتاج الفكرة الشائعة عن الفتيات المقيمات في الأحياء الجامعية والذي كان قبل ثلاث سنوات موضوع معالجة شائنة على قناة «النّهار» في شريط لها عن الكيفية التي تتبعها فتيات الأحياء الجامعية للخروج ليلا من الحيّ الجامعي، ربّما اعتقاد المخرجة كاتبة السيناريو أن هذه الطريقة تدل على تحرر البنات من القيود هو اعتقاد خاطئ يعزّز الفكرة السائدة والتي مفادها أنّ بنات الأحياء الجامعية كلّهن يهربن ليلا للسهر في بارات المدن الكبيرة حيث لا رقيب عائلي ولا حسيب عليهن، رغبة المخرجة في الظهور بمظهر المدافع عن الحريات غطىّ عنها التناول الواقعي واعتبار ما هو متداول على انّه واقعي بل وأكثر من ذلك أنّها حاولت أن لا ترى غيره، ولتثبت صحّة رأيها ربطت فيما يشبه الاستدراك محافظة الفتاة التي تخرج للسهر على عذريتها مقابل تلك التي لا تخرج، وكأنها تقول “نعم أسهر وأعيش كما أريد لكنني مع ذلك عذراء (حديث بين نجمة ووسيلة).

بالمقابل البنت المتدينة المسكينة التي لا تخرج والمتحجّبة والمصلية حامل من رجل آخر غير خطيبها، وهذا في ذاته إعادة تدوير للخطاب السائد حول النساء وربط القيم بالملابس ولا يهمّ أن تحوّل الفضيلة من لباس لآخر حتى تصبح مقبولة (من الحجاب إلى غير حجاب)، هل كان من اللازم اتّهام امرأة من أجل تبرئة أخرى أم أن تحرّر المرأة مقتصر على نوع من النساء دون غيرهنّ؟ أم هل يكفي أن تقول إنني عذراء أو حامل لتكون الفضيلة حاضرة أو غائبة؟ السّؤال فعلا كبير هنا ولا أعلم كيف فهم النقاد أن الفيلم يعالج قضية الدفاع عن المرأة وحريتها؟

لقطات طويلة ومكررة تركز على جانب إثنوغرافي كتكفين الميت، لقطة طويلة فوق الاحتمال (فوق ما يحتمل الفيلم) وكأنك تشاهد تصويرا لباحث إثنوغرافي مندهش في تكفين الميت، بتتبع كل سنتمتر من جسده والتركيز على الغسل ولو أنه لا يتم غالبا بنفس الكيفية، ثمّ مسألة الحايك كتدوير لخطاب هويّاتي ركيك الهوية الجزائرية المرتبطة دوما بالمرأة وبلباسها يجب أن تكون مرّة أخرى معلقة بطرف قماش ولا بأس بتغطية الوجه والرأس مادام هذا حايك وتأخذ الأم أكثر من دقيقتين تشرح كيفية الحايك ولبسه للبنات كأنّهن قادمات من عالم آخر ولا يعشن في مجتمع من المفروض أنّ النساء في تلك الفترة كان مازال الحايك أو على الأقل في طفولتهن في الثمانينات يشاهدن الحايك وكيفية لبسه في الشارع.

مهما يكن من أمر ما يزعج في هذا هو التركيز على الجانب الإثنوغرافي كنوع من الانبهار بالفلكلور المحلي المجهول والذي يتم اكتشافه لأول مرة دون أن يكون هناك داع له في السيناريو، مثل هذا طريقة تلوين الكتان بالشّمندر والكركم التي كانت في لقطة طويلة مملّة دون حاجة لها.

فيلم يقتبس فيلما آخر بقوة (برّ بحر الفرنسي – الاسرائيلي)
قبل أكثر من سنتين طرحت المخرجة الفلسطينية الإسرائيلية ميسلون حمود فيلما بعنوان “بر بحر Je danserai si je veux”، يروي قصة ثلاث فلسطينيات (عرب إسرائيل) ينتقلن لأسباب مختلفة للعيش في تلّ أبيب ويقطن بشقة واحدة (البنات إحداهن متدينة ملتزمة مرتدية الحجاب والأخريان بدون حجاب ومتحررات)، المحجّبة مخطوبة تتعرّض للاغتصاب من طرف خطيبها المتدين وتلقى كلّ التآزر والدعم من طرف صديقتيها في الغرفة تماما كما تتلقّى سميرة الدعم والتآزر من طرف صديقتيها حتى لقطة تحميمها مقتبسة، نفس الطريقة في الطّرح نفس كمية السجائر نفس السّهر في الأماكن الصّاخبة، نفس لقطات استعمال مادة الحلاوة لنزع الشعر(الفرق أن ميسلون استعملتها في بداية الفيلم ومونيا في اللقطات الأخيرة من نهاية الفيلم)، نفس لقطة ذهابهن إلى البحر كمطهّر بعد الاغتصاب في الأول والتصريح بالحمل في الثاني – وهو حمل دون مقدمات لا تظهر مونيا أيّ شيء من ملامح شخصية سميرة غير صلاتها وأغنية أمام زميلاتها تؤديها بأسف ثم في لقطة بعيدة جدا خبر حملها – وهي أيضا نفس اللقطة من فيلم “ماتش لوف” لنبيل عيوش.

ملاحظلات هامشيّة

في كثير من اللقطات كان النّص مبتذلا مثل صراخ مديرة الحيّ الجامعي “كلكم تنتظرون شيئا من الفوق من الدولة” وهو في الواقع لا ينسجم مع لقطة تمرّد الطالبات الّراغبات في تمرير رغبتهن في تنظيم عرض للأزياء. ما الذي يدعو مديرة حيّ المفروض أنها هي ممثلة السلطة التي تتحدّث عنها بأن تقول جملة مماثلة في لحظة لم يطلب منها تلك الفتيات أي شيء من فوق أو من سلطة عليا؟ صحيح كانت صرخة موجّهة للفرد الجزائري الذي يعتمد كثيرًا على الدولة في أمور كثيرة ولكنّها لم تكن مناسبة أبدا للقطة التي أقحمت فيها، أو مثل الخطاب الطويل حول الهجرة واستنكار شخصية نجمة لفكرة هجرة حبيبها التي وإن كانت أيضا خطابا موجّها للذين يفكرون في الهجرة إلّا أنّها كانت غير مبررة في الفيلم في تلك اللقطة بالذّات. ترديد الجماعة التي نفذت الاعتداءات على الحي الجامعي “الله أكبر” هو أمر مرتبط مباشرة بواقع الاعتداءات الإرهابية في أوروبا حاليا ولا أظنّه كان مظهرا من مظاهر الاعتداءات في الجزائر، أيضا من الأمور التي سقطت في تكريرها السيناريست، بالإضافة إلى ترديد عبارات من الحاضر ما كتب على احد الجدران: “سمحونا كي رانا عايشين” وهي عبارة حديثة عمرها لا يتجاوز سنوات قليلة، أو جمل جاهزة لا اجتهاد فيها: “Avancez  للور (تقدّم للوراء) التي طالما استحضرها فكاهيون من أصول مغاربية (يعيشون في فرنسا) في عروضهم من أمثال محمد فلاق وجاد المالح”، إصرار المخرجة على إقحام الحياتين في حياة واحدة، حياة المغاربي الذي يعيش في أوروبا في حياة الجزائري في الجزائر، أظهر الفيلم وكأنه بدون اتجاه واضح، وإن كنت حسنة النية سأقول أنه ربّما هو إيحاء أو تداخل بين الواقع الآن والواقع آنذاك – والواقع هنا وهناك –والتجاذبات الحاصلة لم تتغير منذ أكثر من عشرين سنة.

فيلم من أجل الجوائز
يمكنني القول أخيرًا أن الفيلم مستعجّل جدًا، حوارياته مقتبسة من جمل جاهزة مستعملة غير متمهّلة ولا مفكَّر فيها، اعتمدت فيه المخرجة على توجيه النصائح (حول الحرية، حول العمل حول الاتكال على الدولة، حول البقاء في الجزائر وأكل التراب بدل الرحيل) وكأنها في محاكمة أخلاقية لمجتمع كامل، هذه الرغبة في جمع كلّ النقائص وتصحيحها في فيلم واحد هو ما أضعف الفيلم جدًا وحوّله من فيلم سينمائي كان من الممكن أن يكون ممتعا إلى مجرد تكرير لعبارات وكليشيهات يلاحظها سائح فيعتقد أنها هي الواقع وحقيقة الناس، هذه النظرة الفلكلورية المتعالية جعلت الفيلم فارغا يركض خلف الجوائز.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

لهذه الأسباب اندلعت ثورة 22 فيفري السّلمية

لهذه الأسباب اندلعت ثورة 22 فيفري السّلمية

د. لطيفة لونيسي، جامعة عنّابة شكّل حراك الشّارع الجزائري نقلة نوعية في الوعي السياسي لدى …

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

ناتالي فيناس. ترجمة: جلال الدّين سماعن رغم أنف الرّقابة، طفح على السّاحة جيل جديد من …