الأحد، 5 يوليو 2020

السّيرة الغاضبة.. وثيقة أخرى تدين النّظام

جلال حيدر

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

منذ أيام قصدت البلدية. طلبت شهادة إقامة، وراح الملتحي القصير و”المدحدح” الذي تعلو جبهته مساحة بنية بحجم ظلف الماعز، يبحث في قوائمه. وفي كلّ مرّة يردّد شكايات الموظّفين الصّغار التي يعلكها أمام البسطاء، بشكل ممل، حتى تعتقد أنك أمام رئيس الجمهورية.

وبعد جهد، نظر إلي وقال: ماكاش. ضرب حاسوبه. ضرب لوح المفاتيح. حاول إصلاح الكوابل. وبعد جهد آخر. نظر إليّ مجددا وأضاف: إقامتك ليست في الجزائر كلّها.

قضيت أياماً أتنقل من مكتب إلى آخر. ومن بلدية إلى أخرى، لعلي أجد من يوقع شهادة إقامتي. كلهم يرددون نفس الكلام: من وقتاش مافوطيتش؟ وأنا أجيب: من نهار زدت.

هذه الحادثة الطريفة بحجم ما جعلتني أضحك، وأنا أعتبر نفسي أمام إحدى شخصيات صمويل بيكيت، وهو يردد: نولد مجانين كلنا لكن البعض يستمر في ذلك، هذه العبثية أعادتني لقراءة “أناشيد الملح” التي حظيت بقراءتها كمخطوط قبل أكثر من سنة. وانتظرت بشغف صدورها.

أحسب نفسي قارئا جيدا للأدب. واعتبرته نص ذلك العام عن جدارة. لكن، اعتذر الناشر بسبب ما يحتويه المخطوط من إدانة للنّظام في مقبرة الحراقة التاريخية التي تتسع يوميا. هذا النّاشر المثقف الجبان والمتواطئ مع الآلة الهمجية التي تدفع بالشباب للموت لم يكن يعرف أن ثورة ستندلع وستبتلع كلّ أمثاله وتحيلهم على المتحف. آلة دفعتهم ليصبحوا سمادا لأرض الهيلينيين. هناك تمثال يذكر بسخاء ماسينيسا النوميدي الذي أنقذهم ومقدونيا من الجوع. عيب الآن أن يموت عليها شبابنا بردا وخوفا وطمعا بحياة كريمة لم تعد تدر بها هذه الأرض التي استولت عليها مجموعة لصوص وقطّاع طرق ومرتزقة، أو أن يصبحوا قوتا للحيتان في هذا البحر المتوسط الهائج الذي كان بربروس وغيره يوزّعون فيه تذاكر الرحمة على المارة.

يتصدّر أمثال هذا المثقف الجرائد يوميا في إفرازات عاقرة لم تنضج بعد لقول الحقيقة. سواءً فيما يحدث الآن على الصعيد السياسي من تصعيدات خطيرة كاعتقال المتظاهرين بالجملة تعسفا أو على مستوى الأدب أيضا. كيف تنتظر من أمثاله من المتلونين الحريصين على تقديم وجبات لا تعكر صفو بوتفليقة وزبانيته أن يكتب نصا صادقا عن آلام البشرية؟ مثقف يلعب دور الرقيب السياسي والديني على الكتب التي ستطبعها داره بمثابة “شكام” أفالاني يعيش داخل ذهنية الحزب الواحد.

هذه الثقافة المفلسة المجردة من الإبداع، ثقافة البقارة والمتسلقين هي التي عفت عن كل ما هو رديء ليسوّق له عبر إعلام همّه الوحيد مادة يملأ بها الفراغات الرهيبة في ثقوبه. المهم أن “لاتزعزع خاطر النظام”.

حُرمنا من صدور طبعة جزائرية على مقاس جيب البسطاء الذين قد تعنيهم هذه الشهادة الواردة في “أناشيد الملح” أكثر من غيرهم. لأنهم الوحيدون الذين يجيدون فنون العزاء لبعضهم. هذه الشهادة لا يمكن أن ينظر إليها بعين النقد الأدبي وتلك القوالب الجاهزة لتعرية النصوص التي تلبس من اللغة كثبانا من السجع والحماقة. ومن الأحداث ما لايمكن تخيله. ليس لأن مخيلتنا عاطلة. بل لأنهم يتحدثون عن أمور لم يخْبروها. فرق شاسع أن تتحدّث عن الحرقة والموت والأهوال التي تصادف الشباب وأنت لم ترتم يوما في بركة ولم يتبلل جسدك قبالة السواحل، ما بالك أن تركب في “بوطي”! هذه الوجهة يرتب لها في دكاكين الثقافة ومراحيض قسمات الأفلان والراندو ويتقاسمون الطورطة مستحضرين آيات الامتنان لولاة الأم. لا يحقّ لأمثالهم الاقتراب من هذه النصوص النازفة التي ستستمر رغما عن عقباتهم. تستمر لأنها تحمل أرواحا ضجرة لن تهدأ. وجراحا لا تبرأ، بلغة غاضبة، بخيبة أمل كبيرة.

تحدث العربي رمضاني وهو يرنو إلى الوطن من نافذة الطائرة. وهو يتلاشى بين الغيوم. حتى أنك تستحضر تلك المقولة التي رددها الرسول محمد (ص) عندما هاجر مكة. “وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ”. لكن سرعان ما تخف وطأتها وهو يستعرض جماليات الهجرة. عن الروح التي تملئك وأنت تصارع من أجل الحياة. بلدنا يقتل فيك الشغف للحياة يجعلك بليدا ونسخة عن كل ما هو موجود داخل البلاط. مواطن رديء يملك بطاقة ناخب. تتم الإستغاثة به كلّ خمس سنوات لأخرى، ليختار من يتبوّل على أحلامه أكثر.

الهجرة تحررك من هذه البلادة وتجعلك ترتقي لفئة الكائنات. رغم الموت الذي يدنو إليك. تلتقي به كثيرا كظلك. لكنك ستعرف أن الحياة أكبر وأوسع من بيت وسيارة ووظيفة وطفلة “بنت حلال”. الحقيقة أيضا أن البعض يسقط رهينة سماسرة عرب أو أفارقة لا يختلفون كثيرا عن باعة الحشيش في الأحياء السفلية. هذه الوجوه يصفها رمضاني انطلاقا من مطار اسطنبول إلى الفندق والمطاعم والأسواق، حيث تنتشر هذه الآفات التي تستنزف أموال الهاربين من معضلة الوطن الذي يشرحه ويعيد بناءه في نصه دون كلام الخشب، بطريقة تشعرك أكثر بالغربة هنا وأنت تطرح استفهامات كثيرة حول هذا البغل الجاثم على أحلامنا. هذا البغل الذي لايزال تعريفه بائسا وقديما بعمر بومدين ونظامه المتهالك، حتى يتبادر إليك في لحظة سخرية ما قاله الماغوط: “زمان لما كنت أمشي بحلب وأسمع بياع الجرائد يصيح الوطن ﺑ5 ليرات الثورة ﺑ5 ليرات العروبة ﺑ2 ليرتين كنت مفكر أنه بيقصد سعر الجريدة”. هناك تسقط هذه الكذبة الكبيرة. هذه الوطنية التي كرست لعقود من الزمن. والتي لم تلد غير كائنات وهمية أكثر منها حقيقية نراها بوضوح منذ بداية الحراك. تصارع من أجل بقاء النظام الذي بدوره يُبقي عليها غطاء الجهل المنعش. وكأنها تعيش في عالم موازٍ.

لا يهمل العربي رمضاني أدقّ التفاصيل حول رحلته، ما يجعلك أمام كاتب يستحق فعلا الاحترام. كاتب لا يفتأ أن يغمسك معه في أحداث مشوّقة تنتظر فقط نهايتها بوصوله نحو وجهته، لكن للأسف يُسجن ثم يُجري عملية جراحية ويعود إلى الجزائر بنصف بطن. قلت له يومها مازحا: “لقد استأصلوا منك ماكنت ستنجبه من مرارة الجزائر”. لكنه في الحقيقة أنجب هذا النص اللاذع الذي صدر مؤخرا عن منشورات المتوسط.

هذا النص يفرض عليك أن تكتب عنه بلغة أخرى غير التقليدية. وبروح غاضبة قريبة إلى البذاءة. أنت أمام نصّ يمتلك هوية. نصّ لا يمكن إلا أن يكون جزائريا. نحن بكل جمالياتنا ومساوئنا وكلّ خيباتنا. نصّ كُتب بالفصحى لكنها مطوعة لتتناسب مع طريقة الجزائري في التعبير. في استخراج اللغة من جيوبه المظلمة. لغة عنيفة.

أضمن أنك لن تضع الكتاب من يدك قبل إنهائه. وستلعن كثيرا الكتّاب الذين قرأت لهم بعض التخيّلات عن الحرقة. حتى أنك في الأخير ستجد نفسك تفتش عن كتاب هيرودوت لتكمل استكشاف تلك الحضارة الجميلة في أساطيرها. أو الأوذيسة التي تسرد مغامرات أوديسيوس. ومن الغرابة أيضا أن حلم العربي رمضاني انتهى من إيطاليا يوم أعادوه في باخرة إلى اليونان ليفقد الأمل شيئا فشيئا ويعود إلى الجزائر. من الغرابة أن يُبعث كتابه من هناك،من ميلانو. مقر منشورات المتوسط.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …