الجمعة، 24 يناير 2020

كلّما انتهينا من قراءة الشّعر عدنا إليه

هند جودر

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

أصدر، مؤخراً، فارس كبيش (1982-) خامس كتاب له تحت عنوان «مياه للمسافات البعيدة» (دار الماهر، 2019)، بعد اعتزال ستّ سنوات عالم النّشر.

في هذا الكتاب مجموعة من النّصوص الشّعرية؛ نصوص تراوحت بين الطّول والقصر، البساطة الممتنعة الماتعة العميقة والتّعقيد، ولهذا فإن قصيدة النثر اكتملت كلّ عناصرها وأمسك كبيش بخيوطها، ولن يكون بإمكان القارئ الحداثي التوقّف عن قراءتها حتى ينهيها في جلسة واحدة، بل وقراءتها لأكثر من مرة.

نصوص هادئة، مكتوبة بدم بارد، لا تشعر القارئ بفاصل زمنيّ. تعبر ولكنها لا تطفو، سريعة لكنها صلبة. متريثة وثورية، رغم ما يتخللها من هدوء «مع أن الشّعر لا شيء ويمكن التّنازل عنه مقابل جرعة ماء فإنه الوحيد الكفيل بكل هذا». هذا المجتزأ من نصّ «الشعر» الذي استهل به المؤلّف ديوانه يلخّص لنا وبدقّة ما نسميه شعرًا، هذا الجنس الأدبي العابر للأجناس، والذي بإمكانه رغم مآلاته اللا مجدية مواجهة متطلّبات الحياة المادية وترميم صدوع النّفس البشرية، وتقشير ترسبات ومآزق وإحباطات وتمزقات الإنسان، وتحويلها إلى منحوتات لا مرئية قابلة للتجدد وللتّأويل.

«في الجيب الداخلي لمعطفه يأخذها معه إلى المقهى إلى عيادة طبيب الاسنان إلى الحديقة».. هكذا تعيش القصيدة مع صاحبها ومبتكرها وولي نعمتها «الشاعر»، تتناول معه فطور الصباح وتتجوّل معه في الحدائق كما يمكنها أن تزور معه طبيب أسنان والبقّال وأن تدخّن سيجارة على عجل في محطة الميترو، أو عند حافة فكرة عشوائية قد تغري شاعرها بالانتحار.

القصيدة شقية وغالبا صعبة ومع هذا فالشّاعر يصطادها حتى إذا استعصت بعض معانيها وانفلتت تركها وشأنها عند الفجر دون التفاتة حتى. قلق هو الشاعر بشأن قصيدته، فيتجاوز بمخياله الإنسان إلى موجودات وعوالم خارقة وحده صانعها، خيال يتوغّل به في الكون كاشفا أسرارًا ومعانٍ، متنبئا، قارئا متبصرًا لما يعجز العاديون من البشر عن تخيله أو الاقتراب من معانيه، شاعر بمخيلة مفتوحة على الكون قادرة على الابتكار والتشكيل.

ولأن فارس كبيش انطلق روائياً يعايش شخوص رواياته ويتفنّن في تحريكها من مشهد لآخر فلا غرابة إذا كتب نصا بعنوان: «الرّوائي» عندما صدق أنه قادر على سحق العالم بكلماته وإعادة تشكيله على هواه. «الرّوائي ثروته كلماته، وقصصه المتخيّلة، وعالمه الذي يحركه كما يشاء. غير أن فارس متأكّد من أنّ كلّ ذلك مجرد كذبة تخفي حقيقة مفادها أن الوقوف على الحقيقة يفضي إلى السّقوط من نافذة في الطّابق الرابع لا أكثر».. يفزعني النسيان هذا التداخل في الأزمنة حدّ المحو. هذا الهدم المتواصل للخلايا العصبية لارحمة ولا عاطفة فيه سمّ الزمن والوجود يفزعني جدا.. الفزع والنسيان… الخوف من المستقبل.. ذاكرة مزدحمة ومشوشة.. ارتباك وتيه.. احتماء بسالف الأيام..

البكاء على أمكنة ومعالم «كنيسة سان سيمون» وسط مدينة جيجل القديمة. مراهقة مسلوبة تماماً: العشرية السّوداء، نسيان أم تذكّر؟ تتداخل أشياء الحياة وترتبك. نسيان حد المحو، بناء داخل جسد اللغة، هدم متواصل للمعاني القديمة رغبة في تشكيل جديد ومبهر وصادم لعوالم الكلمات التي تجعل من الذاكرة نسيانا مثلا، ومن النسيان حبة برتقال قابلة للتقشير. الشاعر هنا وتحديدا في نصّ «ذاكرات» يحمل على أكتاف اللغة أحمالا وأثقالا من الذكريات والتاريخ، حقبة تلو أخرى، أزمان نفسية متقطعة، لهاث، ركض، واخيرا فزع من كلّ هذا دفعة واحدة.. «قطعت مسافات بعيدة كي تصل تربتك المخدوعة جارفة كلّ التّاريخ في طريقها إليك لذا هي متعبة غالبا دون صوت باردة كانت أو دافئة تعانق عطشك متاحة هي للجميع».

نصّ «مياه»؛ مياه الرّغبة أم مياه العطش؟. مياه الفرح أم مياه الحزن؟ نحن هنا أمام نص ملغّم، يفجر اللغة ويفتح أمامنا أبواب المآلات كلّها، لأن الحبّ ماء يسقي العاطفة والروح وينعش القلب، والحياة ماء، الحزن أيضا ماء يتدفّق في العروق وفي الوجدان، عن أية مياه يتحدث فارس كبيش وهو يقطع بنا مسافات ومسافات في تربة قصائده التي كلما سقاها بالكلمات تفجرّت ينابيع الخيال وتسربت مياهها بعيدا في عمق المعنى.. كيف يتحقّق الصفاء والعالم مصاب بفقر الحبّ؟ الإنتظار طيب ومسالم ومع هذا يتكدس خلف الباب الوحدة بائسة لكنها صديقة الشاعر. الأحلام لاتتحقق دون ألم، وتحت الشمس يتعفن الكذب ويتحلل. متعبا أفرغ تجاويف عظامه من رعب «المسافات البعيدة» ليهدينا كتابا ننهي قراءته لنبدأه من جديد.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

السّيرة الغاضبة.. وثيقة أخرى تدين النّظام

السّيرة الغاضبة.. وثيقة أخرى تدين النّظام

جلال حيدر منذ أيام قصدت البلدية. طلبت شهادة إقامة، وراح الملتحي القصير و”المدحدح” الذي تعلو …

ناهد بوخالفة

ناهد بوخالفة: جسد المرأة يشكّل إرهابا لعقل الذّكر

في رواية «سيران، وجهة رجل متفائل»، تسرد ناهد بوخالفة ما يربو عن عشرين سنة من …