الأحد، 15 ديسمبر 2019

ناهد بوخالفة: جسد المرأة يشكّل إرهابا لعقل الذّكر

ناهد بوخالفة
ناهد بوخالفة

في رواية «سيران، وجهة رجل متفائل»، تسرد ناهد بوخالفة ما يربو عن عشرين سنة من حياة بشير، الذي شاهد أمّه صغيراً وهي تبيع جسدها بقصد إطعامه وشقيقه المُعاق ذهنياً، ثم يشهد موتها، يليه موت والده، ويفقد الأشخاص القلائل الذين تعلّق بهم، يُعاصر سنوات الحلم في جزائر السّبعينات، ويُواجه أولى العمليات الإرهابية، في التّسعينات. يعيش بشير حياة مفكّكة، قلقة، يفشل في الحبّ ويعجز عن امتلاك فحولة مثل شباب في سنّه، لقد قضى حياة تدحرجت به من هزيمة إلى أخرى، يرى فتيات يعرضن أجسادهن للعابرين وأخريات أصابهن إحباط فاختفين، دون أن يفرّط في حقّه من التّفاؤل. عاش مأساته في تبسة، شرق الجزائر، وحكى عن مدينة لا تشبه تلك التي نعرفها اليوم، في هذا الحوار تتحدّث ناهد بوخالفة عن روايتها، التي صدرت العام الماضي، وعن هواجس شخصيّة أخرى.

ما معنى أن تكوني كاتبة في الجزائر اليوم؟

أن أكون كاتبة في جزائر اليوم يعني أن أخلص لقضايا المرأة، أن ألتزم بوعي كافٍ لمجابهة الانتقادات المصوّبة نحوي، أن أسدّد ضريبة تمرّدي على عرف الصّمت الذي اتخذه مجتمعي عادة!

أشياء كثيرة يعنيها كوني كاتبة في جزائر اليوم، قد يعني أيضا أنني تحت أضواء مجتمع ذكوري يتصيّد هفوة ليتّخذها سوءة ويثبط بها عزيمتي، فهدف بعض المضطهدين هو طمس كلّ ما يعري ثقوب أفكارهم البالية.

كوني كاتبة امتداد لرحلة بحث الإنسان عن نقاط الضّوء وبؤر الحقيقة في الكون.

كوني كاتبة في جزائر اليوم نضال من نوع آخر.

يقضي بشير، في رواية “سيران” حياة صعبة، فلماذا تصرّين على حقنه بالتّفاؤل؟

التفاؤل في حياة بشير هو حتمية يحتمي بها من سهام اليأس التي تنخر حياته من كلّ الجهات، لا سبيل أمامه سوى الامتثال لتفاؤله، فهو خلاصه الوحيد من غبنه وشرور الأحداث التي يعيشها وقتها، كان يجب أن يتفاءل؛ لولا ذلك لكان منتحرا من قبح محيطه وما يحصل معه، من حقّ بشير على الحياة أن يحظى بفتات من الأمل ليواصل عيشه. إنه صراع البقاء الذي يحقنه بشحنات إيجابية ليكون قادرا على مسايرة ظروفه.

لم يعش البطل فقط فقراً مادياً، بل أيضاً عاطفياً. ماذا يحتاج الجزائري أكثر، العاطفة أم المادّة؟

المادةّ وسيلة لتحسين أسلوب الحياة، لكن العاطفة عامل مهم في حياة الإنسان، لولاها قد يتجرّد المرء من إنسانيته ليتحوّل إلى كتلة لحميّة جامدة، تنبض وتتنفس دون مشاعر، العاطفة برأيي هي ما يبقي ضمائرنا متّقدة؛ ولولا ذلك لعمّت الفوضى.

بشير لم يكن له حظّ أوفر من العاطفة لكنه يدرك تماما أنه دونها أجوف بائس، لذلك تراه متسلّلا في كلّ مرة إلى المقبرة للبحث عن قبر والدته، وحين لم يعثر عليه توسّد قبرا غريبا ونام مطمئنا لعلمه أن طيف أمه في الجوار.

لولا أهمية العاطفة لما كانت أول ما يضخ في نفسية الطّفل لتهيئته معنويا، ومنحه صلابة، تحميه من انتكاسات نفسيّة في المستقبل.

ألا تعتقدين أن بشير، الذي عاش منبوذاً من والديه، أعاد إنتاج السّلوك نفسه. هل العنف ينتج لا محالة عنفاً آخر؟

ما حدث لبشير أثبت أن العنف لا يولّد عنفا بالضّرورة، بل يولّد مآس وأحزان لا يمكن تخيّل مدى عمقها، فالبطل كان فعلا بطلا في امتصاص تلك الكمية الضّخمة من الألم والبؤس واستثمارها في معاملاته مع غيره، كأن يكون طيب القلب وحريصا ألا يحدث ألما للآخر كما حدث له في صغره.

من خلال بشير أردت أن أقول إن الانسان الذي تعرّض لعنف في فترة مبكرة من حياته؛ يمكنه استغلال تلك الطاقة السلبية في خلق مواقف نبيلة.

الإنسان لديه قدرات مهولة في ترويض الذكريات الأليمة وتحويلها من مآسي إلى نجاحات. وأظنّ أن بشير كان له القوة الكافية لانتشال نفسه من مستنقع الانتقام إلى المصالحة الذاتية والتكيّف مع محيطه.

لم يفقد بشير فقط الشّعور بالأمان، بل فقد فحولته أيضاً. كيف نصنع رجلاً سوياً في الجزائر؟

صناعة الرجال عملية معقّدة جدًا، تبدأ من الطفولة، وهي مهمّة مشتركة بين والد ووالدة ومجتمع وظروف.

هذا الطفل الذي تعرّض لبرد عاطفي في طفولته، هجران أبوي، وانهيار صورة أمه بسبب طريقة كسبها المال. والعنف المسلّط عليه من الشّارع وغيرها كلّها عوامل صنعت بشكل مدهش منه رجلا متزنا، وكأن كل أسباب قتل الرجولة أحيت في بشير سموّه ونبله.

فأي شخص واع يفرق بين الفحولة والرجولة. ورغم خسارته لفحولته إلا أنه تحدّى ظروفه ليحتفظ برجولته، وهذا مثال صغير من أمثلة لا تحصى من نماذج رجولية انبلجت من رحم المعاناة والمآسي، الحزن أيضا يصنع الرجال. يستطيع الإنسان، بشكل ما، إعادة تشكيل حياته انطلاقا من مشاعر أليمة، وأحداث موجعة.

نشعر أن الرّواية تدور في حلقة: عنف، نساء ضائعات، اضطهاد، استغلال البؤساء.. لماذا فشلت كلّ خطابات المساواة التي كانت تبشّر بها الاشتراكية في السبعينات؟

بشير لم يكن مثقفا ليعي الأفكار المتداولة وقتها، كل شخوص الرواية وقتها كانوا يمارسون الحياة برتابة، محيطهم الهامشي يحجب عنهم الكثير من الإشعاعات الفكرية الإيجابية، فطفولة بشير في الرّيف أبقت على فطرته الطيّبة رغم كلّ ما حاط به من قبح، وجاء الى المدينة بأفكار سطحية، وحين اكتشف ظلام المجتمع هرب مرة أخرى إلى نفسه وانطوى عليها ليبقي على ما احتواه قلبه وضميره من أخلاق ومشاعر طيبة، عدا ذلك برأيي لم ولن يستطيع الشارع العربي تكريس تعاليم المساواة بين الطبقات الاجتماعية؛ لانعدام الوعي بضرورة الانبطاح لما يقتضيه الضمير الإنساني. وفهمنا الخاطئ لمعنى التمدّن، والذي يظنّه الجميع تجزؤ المجتمع وانفصاله، كما حدث مع بشير حين عاد الى حي بوحبة، لم يكن هناك مظهرا من مظاهر التآزر سوى نموذج أم صديقه في اللعب حين زارته بصحن من الأكل، عدا ذلك لم يطرق بابه أحد.

ورغم الورع الخادع الذي يمارسه الجميع إلا أن أغلبنا ما يزال يغطي خبثه بتديّن زائف وانسانية جوفاء.

المساواة لم تكن يوما ولن تكون مادام الفرد لا يذعن للضّمير.

يولد بشير ويتربّى في بيئة تشجّع على العنف، لاحقاً، في التّسعينات، سوف يشهد أول المجازر ومشاهد قطع الرّقاب. هل ما حصل في التّسعينات هو نتيجة حتمية لما صنعته الأجيال السّابقة؟

ما حصل في التسعينات برأيي هو انفجار مفاجئ لأحداث سياسية وأيديولوجية احتقنت خفيّة لحقبة من الزّمن، والضحية الوحيد هو المجتمع.

تلك الهوة التي تصدعت بين جيل الاستقلال وجيل الصّحوة الدينية كما يحب البعض أن يطلق عليه هذا الاسم؛ هوّة اتّسعت ليسقط الوطن بمجتمعه فيها ومازال يحاول النهوض منها لحد الآن، مازلنا نتخبّط بين مفاهيم التحضّر والانفتاح والتزمت والتشدّد. لكن لدي أمل كبير أن العقول الواعية ستلتمس الطريق المضيء المفضي إلى الحقيقة، وسنصل يوما إلى نقطة الضّوء الكبيرة.

مدينة تبسة التي تحكي عنها الرّواية بالكاد نعثر عليها اليوم. كيف زحف الرّيف على المدينة وحوّلها إلى أطلال؟

ربما لا أعتبره زحفا ريفيا بقدر ما هو زحف فكري إلى الوراء. للأسف حين نُقارن بين تبسة الأمس وتبسة اليوم نفهم أن الانسان القديم كان أكثر حكمة واتزانا وتخلقا من المعاصر، فالأخير لم يلتزم بقوانين الضمير، ومعايير المجتمع المتحضّر، حيث يبدي عدائية تجاه كلّ تفصيل مرتب ويميل إلى الفوضى والعنف.

هناك عوامل عديدة، انفلات الأمن وعدم تكريس القوانين الرادعة، واعتناق مفاهيم مغلوطة للقوة والرجولة، وعوامل كثيرة يصعب اختصارها في فقرة.

في الرّواية، تبدو علاقة الرّجال مع جسد المرأة علاقة مرضيّة. هل نحتاج إلى تربيّة جنسية أم ثورة جنسية تحرّر الجزائري من النّظر إلى المرأة باعتبارها فقط مرادفاً للجنس؟

هذا الموضوع شائك جدا وضارب في العمق. جسد المرأة أصبح الفكرة التي يحتكرها الجميع، والحجّة التي يملك الجميع لها آية ومثلا وقولا مأثورا، من خلال التعصب الذي أراه مؤخرا، الفهم الخاطئ للدين والأنانية في التدين، كأن يعتقد الرجل أن الخطاب الديني مفصّل حسب مقاسه، وأن النص القرآني قزّم مكانة المرأة واعتبرها إنسان من الدرجة الثانية، إلخ.

كلها مفاهيم تملص الرجل الشرقي من التمعن فيها واكتفى بفكرة عامة تخدم شخصيته وأفكاره، لكنه يرفض الانصياع لقراءة معمّقة لكل ما أتى به التراث الديني، يخاف التحقّق من حقوقه وواجباته المشرّعة في الدين! يخاف فعلا اكتشاف أن ما تجرعه لحقب ما كان سوى عادات ذكورية تبرّر سلطته، وتمنحه الحقّ بلا حقّ.

والتوغل صراحة في هذا الأمر يثير حول المتوغل فيه فتنا وأقاويل لاذعة، لذلك بثّ إشارات خفية خلف السطور كفيل بالتغيير البطيء.

لكنني سأكتفي بقولي إن جسد المرأة لايزال يشكّل إرهابا لعقل الذّكر، مازال يحشر أنفه في تفاصيل وهندام المرأة فقط ليخفي خوفه وضعفه أمام جسدها، وهذا يضيء على مشكلة الكبت الكبير الذي يعانيه مجتمعنا والذي يعود بنا إلى إشكالية فهم النص الديني حسب ما تقتضي حاجة الرّجل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

سيدي عثمان يكتب قصصاً سرّية عن ملوك أفريقيا

سيدي عثمان يكتب قصصاً سرّية عن ملوك أفريقيا

من الملاعب إلى دفتيّ كتاب، هكذا أراد نجم الدين سيدي عثمان أن ينقل الجزء المعتّم …

“وعادت بِـــخُفَّي حنين” مجموعة قصصية جديدة لفضيلة بهيليل

خيري بلخير “لازلتُ هنا وحدي، أروِّض هذا الحزن الذي جاء هارباً منك إليّ. لا زلتُ …