الإثنين، 18 نوفمبر 2019

يوم زارت ايزابيل ايبرهارت عنابة، واعتنقت الإسلام

في شهر ماي من سنة 1897م، جاءت إيزابيل إيبرهارت إلى الجزائر، وعمرها لا يتجاوز العشرين سنة، بسبب أن شقيقها أوغيستين كان متواجدا في الجزائر، ورضوخا من جهة أخرى لتوصيات الأطباء بخصوص أمها المريضة، التي يستلزم وضعها الصحي السيّء، التواجد في أماكن بعيدة عن برودة الجو، كما هو الشأن في أوروبا وخاصة سويسرا التي كانت تقيم فيها.
توجّهت رأسا إلى عنابة “بونة آنذاك”، أين كانت تقطن رفقة أمّها في حي أوروبي، قبل أن تغادره فجأة وتقرر الالتحاق بالحي العربي. من المرجّح أن يعود هذا الانتقال من حيّ أوروبي إلى حيّ عربي، لموقفها من سلوكات المعمّرين الفرنسيين والأوروبيين، واعتراضها على سلوكهم المنافي لأفكارها ومبادئها. تقول الكاتبة الفرنسية إيدموند شارل رو: “وبعد أن اتخذ الأوروبيون سلوكًا عدوانيا اتجاههما، انتقلت مع أمها للإقامة في شارع روريغو… وقد أرادت بذلك أن تضع مسافة بينهما وبين الوسط الأوروبي”. كانت مرفقة مع أمها ناتالي ديمردير، التي كانت ترغب في لقاء ابنها “أوغستين”. حسب العديد من دارسي سيرة حياتها، اعتنقت إيزابيل هي وأمها الدين الإسلامي في مدينة “عنابة”، وهناك أيضا تبنّت الاسم العربي المستعار “محمود”، وهو الاسم نفسه المنقوش على شاهد قبرها، والذي لا يزال قائما إلى الآن في مقبرة المسلمين بمدينة العين الصفراء، في الجنوب الغربي الجزائري.

ايزابيل ايبرهارت

ولعلّ فترة إقامتها بمدينة “عنابة”، كانت بمثابة المنعطف الحاسم في مسيرة حياتها، فهي المدينة التي شهدت وفاة أمها “ناتالي دي ميردير”، في نوفمبر 1897، وعمرها لا يتجاوز 59 عاما، بعد وقت قصير من إقامتهما هناك، تاركة ابنتها وحيدة. وهكذا دفنت أمها في مقبرة المسلمين بعنابة تحت اسم “فاطمة المنوبية”.

من المؤكد أن واقعة وفاة أمها أثرت تأثيرا عميقا في حياتها، وهزّت كيانها، فقد فقدت ملاذها الوحيد ومؤنس وحشتها، وهو ما تثبته بعض المراسلات التي كانت تبعثها إلى صديقها الحميم المدعو “علي عبد الوهاب” في تونس، تقول في مقتطف من إحداها: “ساعدني أخي، أنا في حاجة إليك… أرغب في الالتحاق بك وبالوسط المسلم… أشعر بوحشية الفراغ المهول الذي تسبّبه وفاة أمي في حياتي..”. وتضيف: “لن أقول لكَ شيئا عن حزني، ستفهمني لا شك في ذلك دون أن أتكلم، ها هي حياتي الإفريقية هذا الحلم القصير لستة أشهر، قد أفلس وتبخّر، الآن سوف أدع نفسي على سجيّتها تحملني إلى الهاوية، ما ينقذني سوى “الصبر” الإسلامي، الذي كان لديّ الوقت لأكتشفه، وإلاّ سيكون الانتحار أو الجنون السريع…”.

قبر أم ايزابيل في عنابة

ترسّخت صورة أمها وأيضا مقبرة المسلمين بمدينة “عنابة”، في ذاكرتها، طيلة فترة حياتها كإنسانة وككاتبة، تجلى ذلك بوضوح في بعض الكآبة التي لم تكن تفارقها، في رحلاتها، في مراسلاتها وفي نصوصها، حتى أنها كانت تتمنى لو ماتت في هذه المقبرة الهادئة، قرب أمها: “أتمنى عندما ألقى حتفي، ويشاء القدر نهايتي، أن أدفن في أرض الإسلام هذه، في هذا المنظر الرائع حيث التلال، والأودية المخضرّة، وبين هذه القبب والأضرحة البيضاء، والتي تنفصل بينها في فروق شاحبة على أشجار التين الخضراء، تحت زنبقية حيث تسرع هاربة حيّات صغيرة”. وهكذا تميّزت إقامتها بعنابة، حسب إيدموند شارل رو “بإحداث تغييرين أساسين في حياتها، ففي عنابة ترسخ شغف إيزابيل بنمط الحياة الشرقي، وقد تجاوز لديها بهاء العالم الديني للمسلمين، من ذوق فطري للون ولجمالية الموقع، إلى اقتناع شديد بالإعجاب، حيث بلغت الحدود القصوى لرغباتها من خلال تبنّيها للبساطة الإفريقية: “البساطة في المسكن، في المأكل، وفي الملبس، وفي الأخير في بونة/ عنابة حاليا لبّت إيزابيل نداء الإسلام، واعتنقت الدين الإسلامي”.
لم تنس أبدا الاستقبال الحار الذي حُظيت به من طرف السكان المسلمين لمدينة عنابة، حيث تصف تلك الأجواء في رسالة كتبتها لصديقها “علي عبد الوهاب”: “سأقول لكَ فقط أن المسلمين استقبلوني بحفاوة وبأذرع مفتوحة، ولم أتعرف على أي فرنسي ولا فرنسية… ما أثار تقززي حقا هو هذا السلوك المشين للأوروبيين تجاه العرب، هذا الشعب الذي أحبّه، وإنشاء الله سيكون شعبي لي أنا…”

وكان للقائها مع التونسي “علي عبد الوهاب” الأثر الحاسم في مسار حياتها، فقد نسجت علاقة صداقة قويّة معه، حيث كانت تتحدث معه بحرية عن تعلقها بالدين الإسلامي، وقد لعب بعد ذلك دورا هاما في إعجابها بالإسلام وشغفها بالجزائر، والتي كانت تطلق عليها في بعض نصوصها: “دار الإسلام”. ولعلّ المراسلات العديدة التي كانت تبعثها له، كانت حسب إيدموند شارل رو “بمثابة النصوص الوحيدة التي تسمح بتتبع مسار إيزابيل، قبل أن تختار الدين الإسلامي، والهروب إلى الصحراء… لم تذهب إلى الصحراء لجمع الثروة، أو لغرض ما، ولكن لتنتهي فكرة أن تكون ذاتها، ذهبت دون مهمة ولا هدف، ولكن كمغامرة مسكينة قريبة من بطل “بلزاك”، والذي بعد رحلة شاقة، ومعاناة شديدة، توصّل من خلالها إلى أنه في الصحراء يوجد كل شيء ولا يوجد شيء، يوجد فيها الله دون بشر”.
عندما كانت تشعر بحالة تأزّم، كانت تجد ملاذها عند “علي عبد الوهاب”، حضنها الوحيد آنذاك، حيث التشجيع والمواساة، استوطنها الحزن عقب وفاة أمها، كما لم تفد عودتها إلى سويسرا سوى في تأزيم وضعيتها، وقد عبّرت في مراسلتها له عن تلك الكآبة: “يزداد حزني من يوم لآخر، بدأت أشعر بالفراغ المهول في حياتي، بعد وفاة أمي، تفيدني الآن أخبارك، حتى لا أشعر وحيدة على هذه الأرض، أنت الوحيد الذي يفهمني أفضل حتى من أخي أوغيستين”.

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بوعلام صنصال

بوعلام صنصال ﻟ”نفحة”: الحراك يبعث على التفاؤل

حاوره: حمزة دايلي منحني الظّهر، يمشي بوعلام صنصال(1949-)، حاملاً كتبا قديمة في سترته الخفيفة، وكأنّ …

محمد بوشحيط

محمد بوشحيط: حول الأزمة

(كُتب هذا المقال قبل 23 سنة، لكنه لا يزال يصف واقعنا) يُصاب المُلاحظ السّياسي، خاصّة …