الإثنين، 18 نوفمبر 2019

سيدي عثمان يكتب قصصاً سرّية عن ملوك أفريقيا

سماعلي كريمة
سماعلي كريمة

من الملاعب إلى دفتيّ كتاب، هكذا أراد نجم الدين سيدي عثمان أن ينقل الجزء المعتّم من حياة من صنعوا بهجة الجزائريين الصّيف الماضي.

تلك التّفاصيل التي لا يمكن أن تتحدّث عنها الأقدام على الملعب، مهما بلغت عبقريتها، على مرأى عيون شعب يتنفّس الكرة كما يتنفس الهواء، تلك التفاصيل التي تخفيها الركلات والصّرخات والارتطامات كما لو كانت تردُّ الصّاع صاعين لكلّ ذكرى قاسية لم تفلح الأيام في محوها من الذاكرة، تفاصيل لا يمكن أن تُعرف لو لم تجد من يربّت عليها بحذر، فتنساب نصًا جميلا يكتبه كاتب يملك أن يُحوِّل نجوم الملعب إلى أبطال للقصص على الورق، ومن المحبة أنهار ستنفجر حتمًا بعد أن يطَّلع عشاق كرة القدم على ما كانت تخفيه ابتسامات ونظرات وإصرار نجومهم.

كتب الصّحافي نجم الدّين سيدي عثمان نصّه كمن يرد جميل من حبسوا أنفاسنا لمرات عديدة أمام صافرة الحكم، كتب مبدعًا عما وراء صيحات الفرح، ولحظات التتويج، واضعًا بين يديّ القارئ نصًا يروي مواقف إنسانية حوَّلت الانهزام واليأس والضعف إلى نجوم ساطعة في سماء كرة القدم.

بشغف حرّر نجم الدين كتابه: «Var».. القصص السّرية لأبطال أفريقيا (منشورات نوميديا، 2019)، وقد ضمّنه 65 قصّة عن لاعبي منتخب الجزائر الحاصل على كأس افريقيا في القاهرة، حرّر قصصًا تُروى خارج قانون لعبة المستطيل الأخضر.

نسج بكلّ أدوات الكاتب فصولا غير خيالية تلتقي إنسانيا مع قصص الكثيرين، بدون حاجة لأن يغرقها بلاغة، بأسلوب بسيط، ولغة جميلة كتب عن ندبة لا يسع للمرء أن يهرب منها مهما بلغ من نجاح لكنها حتما تدفعه بإصرار لصناعة مجده إن أجاد استيعاب أن الحياة لا تستقيم على وضع واحد، من الذي كان يقدر على رؤية حزن محرز في رحلته مع معشوقته كرة القدم؟ ومن الذي كان يمكن له أن يتنبأ بما تخفيه كاريزما مبولحي، ليس ثمّة من كان يعرف كم كانت كمية الألم الذي تجرّعه بلايلي حين لفظه أصدقاء لحظات التوهّج!

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

لن يفهم أغلبنا ما كانت تعنيه تلك اللحظات لسليماني حين ظهر كطفل أمام كأس انتظرها الجزائريون طويلًا، ولا عما صبر عليه طاقم الفريق لتكون الجزائر عروس أفريقيا، لا أحد منا يدرك أي وجع جُبلوا على تحمّله، ولا ما كانت تعنيه لهم تلك اللحظات التي تفصلهم عن تحقيق الحلم.

تندرج قصص الكتاب ضمن أدب كرة القدم، ويبدو أن هذا النوع وافد جديد، ومع ذلك خاض نجم الدين سيدي عثمان التجربة بثقة من تعوَّد خوض الرهانات الصّعبة، كتب نصّه بروح إنسانية، نصُّ بسيط بالغ المتعة، تبتدئ فيه كلّ قصة من قصص أبطال الجزائر بقول مأثور لأحد مشاهير الأدب أو الفلسفة أو الرياضة، ناجحًا في مقاربته بحيوات نجوم كرة القدم الجزائرية والأفريقية.

نص خارج عن مألوف ما تعوّد عليه القارئ الجزائري والعربي عمومًا، في الواقع ليست هذه المرة الأولى التي يختار فيها المؤلف ذاته التفرد فيما يكتبه فقد سبق وأن كتب عن أدب الرحالات ولم يستقر على نوع واحد معرجًا على الرواية يكتبها بإخلاص.

أخيرًا، حين كان نجم الدين سيدي عثمان ينشر قصصه على الفايسبوك، انتابني قلق من أن يسرق جهده وحين طلبت منه بحرص أن يجمع نصوصه في كتاب نستمتع بقراءته مثريًّا للأدب الجزائري والعربي لم أكن تمامًا واثقة من أنه سيتقبل الفكرة إلا أنني تفاجأت أنه يعتزم ذلك فعلاً، تخوّف هو من عدم نجاحها بحكم أنها دخيلة عن أدبنا ولكن كنت كما اليوم واثقة من أنها ستكون نصًا أدبيا فارقًا لهذا العام.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …