الإثنين، 18 نوفمبر 2019

الحراك في الجزائر والرّبيع العربي

د. هبة مهيدة

لماذا لم تستثمر الشّعوب العربية فيما سمي بربيعها لتحقّق وثبتها نحو تأسيس نماذج لدولة القانون والمؤسسات؟ لماذا يظهر دائما من يركب الموجة ويحتوي انتفاضات الشّعوب ويُعيد بسط سيطرته من جديد عليها لإحباط فرصها؟ فيما تخفق الشّعوب في أن تنتفض ثم تستكين ثانية وتصمت وتبتعد وتغادر ساحات الاحتجاج محبطة مستسلمة؟ أين هي الطّبقة المثقّفة وما هو مكوّنها أصلا؟ من هؤلاء الذين ننتظر أن يشكّلوا النّخبة التي تحمل الشّموع لتنير الدّروب في الليالي الحالكة، وتخرج أبناء الشّعب إلى طرف النّفق الآخر؟

لماذا لا تتوفر في الجزائر الآن معارضة حقيقية تأخذ مقاليد الحكم في ظروف بهذا السّوء وتستطيع أن تحقق شيئا من الإجماع الوطني حولها؟ لماذا نحن شعب بعد انتفاضته السلمية الجميلة يجد نفسه بين المطرقة والسندان، بين حكم متجبّر متسلّط أُزيح عنه اللثام وحُكم عسكري، لا مفر منه أو هكذا يبدو الأمر، حيث أخفقنا نحن كمواطنين؟ هل كان ينبغي أن نلعب دوراً ما؟

إنك لا تستطيع أن تضع العربة أمام الحصان، هكذا يقول المثل الفرنسي، ولا نستطيع أن نستعجل موسم القطاف ونحن لم نزرع، نحن لم نبن الإنسان فينا باعتباره أولى اللبنات التي يمكن اعتمادها في أي مشروع حضاري، ولم نبن مؤسسات لدولتنا ولنكن منصفين ونقرّ أنه لم تتح لنا الفرص لإنجاز ذلك، وربما تكمن مسؤولياتنا في كوننا تركنا أنفسنا رهائن لأنظمة فاسدة، دجنتنا مطولًا، وحان وقت صحوتنا واستيقظنا بفعل أجهزة الوخز التي سخرتها عهدات بوتفليقة اللامنتهية لإسكات انفعالاتنا، ولكن هيهات، فقد كان لها مفعول عكسي، فلا يزال هناك في وعينا الجمعي المتوزع على كل المواطنين والمتواري دبيب حياة مستتر، حين استيقظنا من غفوتنا لم نجد من حولنا شيئا سوى الخراب.. خراب مشوه.

عندما كنا نَقبل أن نقف في الطّوابير الطويلة للحصول على المواد الأساسيّة لإسكات الجوع، وسدّ الرّمق، لم نكن ننهل فقط من مواطنتنا، بل وحتى من رصيد الإنسان فينا، عندما كنّا نقف في الطوابير بالسّاعات من أجل الحصول على أجورنا من المراكز البريدية والبنكية، ونقف بالطوابير حتى للحصول على البنزين لقيادة سياراتنا، لم نسأل حينها أنفسنا عن الذي كان يحدث عن قصد لقتل كلّ شيء فينا و تنمية الارتكاسات الأولية، وتحويلنا إلى كائنات تغلب عليها غريزة البقاء لتضمن الاستمرار في الحياة كحيوانات مشوشة مهكرة الأدمغة، و مسلوبة الإرادة و غير معنية بما يدور في كواليس السلطة البوتفليقية.

أصبح لا يعني لنا الكثير أن نرى بوتفليقة وأسرته – التي حوّلت الجزائر إلى ملكية خاصّة – وهو يطل علينا بكرسيه المتحرّك، مع أفراد أسرته يرتدون بدلاتهم الراقية الأنيقة ويحيطون به في مشاهد تذكرنا بأفلام المافيا الإيطالية، مشاهد ولا أي قوانين دستورية كانت لتسمح بها في أي دولة تحترم المواطن.

نقل لنا –  في عدوى انفعالية عصبية – عجزه وإعاقته، كنا حينها نياما نخشى الإقبال على الاحتجاج لأنهم خلقوا لنا في وعينا الباطن بعبعا بنوه وكبروه، اسمه الارهاب وكلّ متحدّث بالسّوء عن بوتفليقة كان سيستدرك ليقول أننا ولله الحمد ننعم بالأمان بعد العشرية الدموية بفضل رجل السلم والسلام و الوئام الوطني الذي بني على اختلالات سوسيو – نفسية من الصعب ان يتعافى منها المواطن على المديين المتوسط والبعيد، والتي تشبه في آلياتها غير المدروسة سياساته الاقتصادية القائمة على إلغاء فكرة الثواب والعقاب بتبنيه قرارات منح الشّباب أموالا للاستثمار بطرق غير محسوبة العواقب، أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تؤدي لاختلال في منظومات القيم المتعارف عليها، فأصبح الشّباب يتساءلون عن الهدف من مواصلة الدراسة إذا كان بوتفليقة وقوانينه تتيح لهم فرص انجاز المستقبل المأمول وفق رؤاهم القاصرة بطرق سريعة ومختصرة.

ولا أحد كان يميط اللثام عن الحقائق الاقتصادية المرعبة التي كانت تتخبط فيها البلاد ولا تزال بتبنيها سياسات الارتجال والاعتماد طوال أربع عهدات رئاسية على اقتصاد الريع والانبطاح للقوى الاستعمارية، لا أحد استطاع أن يدقّ ناقوس الخطر إلا القليل الذين حاولوا وبسبب ذلك أبعدوا من الطريق الأعوج الذي اعتمدته السياسات المنتهجة.

و تفرق المثقفون ما بين هؤلاء الذين كانوا يدقون ناقوس الخطر فيُبعدون وانتهوا بانسحابهم الكليّ بسبب القنوط من سوداوية المشهد ووعيهم بضرورة أن التّغيير لا يأتي بشكل عشوائي بين ليلة وضحاها، وما بين أولئك الذين لا يملكون من الأحلام و الطّموحات سوى تلك المتعلقة بعوالمهم الصغيرة بمنطق (تخطي رأسي و تفوت)، وبين المثقف الانتهازي الذي لا يزال يراوح المكان جيئة وذهابا ما بين المناصب إلى أن يلفظه المكان بالإحالة إلى التقاعد.

وأدى انسحاب المثقّف من السّاحة إلى ظهور كائنات جديدة لا تمت للثقافة بصلة ولكنها تُسابق بعضها البعض لولوج عالم الثّقافة المغري وتسارع من أجل الانتماء إلى دوائر مبدعي السلطة والمبجلين لها، وتُسارع لاحتلال المكان المتاح من قبل المؤسسات الثقافية التي تبحث لها عن مشروعية الاستمرار كركائز تبريرية لنظام فاسد.

لا التاريخ ولا المنظومة السياسة سمحا بظهور معارضة قوية استطاعت أن تستقطب الشّعب وتقنعه بطرح بديل ولا تزال السّلطة اليوم تستثمر في آخر خراطيشها وتستمر بسياسات التّرهيب وقمع الحريات في محاولات يائسة لمشترط بافلوفي أخير لوقف الحراك، الذي لا محالة سيجهز عليها لأن الغول النّائم قد استيقظ ولابد أن يستعيد المجتمع استقراره مجددًا بحسب قانون الحياة الطبيعي ولكن الأكيد أن البنيات التحتية عندما تهتز وبعنف فلن تعود أبدا الى صورتها أو ترتيبها الأول.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بابيشة

آخر فيلم في زمن بوتفليقة يحكي عن “بابيشة” تائهة

يُثير فيلم “بابيشة”، منذ أيّام، نقاشات متضاربة فيما بينها. يروي الفيلم قصّة فتيات يقطنّ في …

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …