الإثنين، 18 نوفمبر 2019

“وعادت بِـــخُفَّي حنين” مجموعة قصصية جديدة لفضيلة بهيليل

خيري بلخير

“لازلتُ هنا وحدي، أروِّض هذا الحزن الذي جاء هارباً منك إليّ. لا زلتُ أنا الأنثى العابثة بأشيائك، أرتدي فرحة طفل لاستقبالِه، أحضنُه بكلّ الحبّ في قلبي، وبكلّ المواجع رُفقة حزنِك حروفُك تأتي، حاملةً عَبَق بخورٍ لمزارِ وليّ، وعطراً مُندسّاً بأنفاسك، فأرتدي في حضرتهِا كلّ الوَرَع”.

“وعادت بخفي حنين”، مجموعة قصصية جديدة، صدرت حديثاً، للقاصّة والأكاديمية الدكتورة فضيلة بهيليل، عن دار المثقف بالجزائر (2019)؛  وهي مجموعتها القصصية الثانية، بعد مجموعتها البكر “على هامش صفحة” التي صدرت سنة 2016 عن دار الكلمة -الجزائر- .

غلاف المجموعة القصصية

“وعادت بخفي حَنين”، هي واحدة من أجمل ثلاث عشرة قصة قصيرة، ختمتها بتسع قصص قصيرة جدا بمفارقات ساخرة، كقصة مجاعة عواطف : “ولأنّ الحب جاء بلا موعد، غادر سريعا بعدما لم يجد بمدينة مشاعرها مقعدا يتكئ عليه، كان أتى عقب مجاعة عواطف”. دون أن ينفلت خيط الوجع الرفيع الذي نسجت به كيان هذه المجموعة، ضابطة الإيقاع بلغة شعرية خاصة في الحوارات النفسية.

ثيمة السّفر حاضرة دوما، حتى وإن لم يكن سفرا فعليا، فاسترجاع من خلال تقنية الفلاش باك ، بدءا من أول قصة “مسافرة” إلى قصة “حكايتي والحافلة” ، لعل البطلة بسفرها هذا، وإن كان قسريا إنما تطلب لجوءا عاطفيا، رغم السّكينة التي توفرها الأم أو الجدة ، فهما مرساة الأحزان التي تعدل كفة الغبن الذكوري، من الزوج أو من كان ذات يوم زوجا إلى حبيب افتراضي لن يأتي في موعده، حتى صورة الأب غائبة تماما باستثناء ظهور سلبي في قصة ذكريات: “وكان والدي يستنفد صبرنا لأجل الموعد، يغيّره بين ليلة وضحاها ونظل وأمي نطل على حقائبنا …”

القاصة فضيلة بهيليل يحسب لها لغتها الجميلة التي تلم بتفاصيل الأشياء وأغوار النفس الكالحة، بالإضافة إلى نَفسها الرّوائي في القص، في انتظار نص روائي مختّم، ولو بعد حين.

من بين القصص الجميلة اخترت لكم قصة “مرآة جدتي”.

فضيلة بهيليل

” مرآة جدتي “

تاقتْ نفسي لروح جدتي، تذكّرتُ حين كنّا نجلس معاً تحت جذع النخلة، أرقُبها منهمكة في صُنع أطباق من السّعف، وهي تحدّثني. ها أنا أعود بعد سنوات، أشرّع نافذةَ الذكريات، أستنشق عَبَق بخورِ الطّيبة يعطّر خزانتها، لمحتُ المرآة المثبتة على الحائط، كثيراً ما كنتُ أستغرب من جدّي الذي ابتكر فكرة تثبيتها بالإسمنت على الحائط كأنه شيء مقدّس، كانت المرآة لا تزال صافيةً كما تركتْها جدّتي، لم تكن تجد لها وقتاً إلا بساعات اللّيل حين تنفض عن جسدها كلّ تعب.

أوووه، منذ مدة لم أعد أزور غرفة جدّتي وأتطلّع على طموحي وأحلامي من خلال هذه المرآة، كانت كلّما أبصرَتْني أحدّث نفسي كأني أُمَثِّل في دور السينما ابتسمتْ، وأذكرُ حينها قالتْ:

-“سترين نفسك بكلّ ألقٍ كلّما نظرتِ إليها بحبّ، وبصدق أيضا”.

ها أنا أقفُ مجدداً أمامها بعد أن عدتُ من سفرتي الطويلة، نزعتُ خماري الأسود عني وأسدلتُ شعري مُرتّلة ما حفظتُ من شِعري الذي صارت أبياته تصدح في كل مناسبة، عقدتْ الدهشة لساني، تراجعتُ قليلاً، فركتُ عينيّ ثم عاودتُ النّظر بالمرآة ، فلم أرَني، مسحتُ الزّجاج بخماري الذي كان مرميّاً على الأرض، مرة وأخرى، لكن دون فائدة، ورحتُ بقلقٍ أشير بأصابعي كمن أصابه مسّ، أدنو وأبتعد عن المرآة دون أن أرى انعكاسَ ظِلّي عليها. لا شيء غير  الضّباب ظل يتراقص بمساحتها الخاوية.

أخيرا حاولتُ بعد أن نال مني الإحباط والخوف، مسحتُ وجهي وكتفي وذراعي، وكل ما كان مكشوفاً من جسدي، بمنديل جدّتي، ودنوت أُخفي بكلتا يديّ وجهَ طفولتي، وما إن أزحتُ إحداهما في ارتباك حتى رأيتُني… نعم رأيتُني مجدداً كما كنتُ قبل أن أغادر غرفة جدّتي التي عاشتْ كل أحلام طفولتي ومراهقتي، ورحتُ كأنّي أراني لأول مرة أمشّط شعري، وأبتسم في وجهي، الذي قبل دقائق فقط لم يكن وجهي.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …