الإثنين، 18 نوفمبر 2019

5 أكتوبر 1988.. النّار والرّماد

احميدة عياشي

3 أكتوبر 1988، كآبة وطنية شاملة.. الوجوه مكفهرة، اليأس يئن مثل غربان فوق الرّؤوس، الشّرطة تتصّرف بتعسف مفضوح في الشّوارع، لا أحد يمكنه أن يرمق رجال الأمن وهم يستفزون المواطنين باسم تطبيق القانون للحفاظ على النّظام العام.. همسات تنتشر في أوساط النّاس توحي بانفجار قريب… كانت الهمسات تُشبه صيحة العاجز.

كنت أسكن في حي (Jolie Vue)، في ضيافة صديق، تحصل على مسكنه كهدية لزواجه، من طرف شقيقه الثّري، المقرّب من أوساط السّلطة كونه مناضل قديم في الولاية السّابعة لجبهة التحرير بفرنسا، ومسؤول انشق عن الأفافاس في 1965 والتحق بنظام بومدين.

كنت صحفيا في قسم الربورتاج ومسؤول التحرير في مجلة “المسار المغاربي” (النّسخة العربيّة)، اقترب من سنّ الثلاثين، ومنخرطا في الأوساط التقدمية التي نادت بردّ الاعتبار للهوية الوطنية ذات البعد الأمازيغي، وفي الوقت نفسه كنت ناشطا في الميدان المسرحي بفرقتي الجامعية التي منحتها اسم طالب جامعي ملتزم أغتيل على يد تنظيم الإخوان المسلمين، بمناورة من السّلطة آنذاك، التي كانت غايتها فرض الرّقابة على الأحياء الجامعية باتخاذها حادثة اغتيال كمال أمزال ذريعة للتدخّل مباشرة في الأحياء الجامعية، حيث وضعت مراكز أمن لبسط رقابتها على نشاط الطلاب السياسي.. كان ذلك في نوفمبر 1982.

ساءت الأوضاع بشكل متسارع منذ 1986، بدأ التذمّر يظهر بشكل واضح في الملاعب وانتشرت أغانٍ تسخر من الشّرطة التي أصبحت منبوذة عند رجل الشارع، بسبب ذلك الغلو في التعسف في استعمال السلطة خاصة تجاه الشبان البطالين من الباعة المتجولين.

انتشرت كلمات جديدة ودخلت القاموس اليومي للجزائريين مثل “ترابندو”، وطغت القيم التي تقدح في العلم والمتعلّمين وترفع من شأن المضاربين والوصوليين الذين أصبح يُطلق عليهم “القافزين”، وهم فئة جديدة من الفاشلين في الدراسة، غادروا مقاعد التّعليم في السنة الثالثة أو الرابعة لكنهم ترسكلوا في أروقة السّوق السوداء التي رعتها السّلطة، ممثّلة في أثرياء البيروقراطية الجزائرية من ضباط في الجيش وأسلاك الأمن ومن مسؤولين سامين ومحليين في جبهة التحرير الوطني الذي بدأ يتحوّل إلى جهاز للرقابة والتّسلط.

كان الصّحافي وقتها – المشتغل عموما في الجرائد الحكومية – مثل “الشعب” و”المجاهد” والجرائد الحزبية يتلقى أجرا لا يتجاوز الثلاثة آلاف دينار جزائري، لكن المسؤولين الموالين للسلطة كانوا يتميزون بنفوذ كبير في استعمال مواقعهم في الإعلام للاستفادة من الرّبع والامتيازات مثل الحصول على عدّة سكنات لأنفسهم ولأقاربهم.. وكانت الرّقابة تفتح المجال للرّقابة الذاتية التي كان يمارسها الكثير من الصحافيين على أنفسهم، ويمكن ذكر نادرة في هذا المجال، تخصّ رئيس تحرير “المجاهد” الحكومية وقتها، فقد فرض الرّقابة على صفحة الأحوال الجوية التي تتحدث عن اضطراب الطّقس وانتشار الغيوم وكان ذلك عشية مؤتمر الأفلان، حيث خشي أن تؤول سياسيا، مثل كلمتي اضطراب، والغيوم.

من حظّي أن مجلتنا كانت شهرية وثقافية في العموم، وكان هامشها النّقدي واسعا لأنها لم تكن تابعة لأجهزة الحزب، بل تابعة مباشرة للرئاسة وتحت جناح اللوبي الإصلاحي الليبرالي المقرّب من ديوان الرّئيس الشاذلي بن جديد.

تعرضنا فيها إلى إثارة مواضيع كانت من التابوهات ليس فقط في الصّحافة بل في المجتمع، مثل انتشار المخدرات والدعارة والاسترقاق الجنسي..
إن هذا الهامش من الحرية الذي كنا نتمتّع به كان يعكس نزاعا عميقا في سرايا النظام بين من كان يطلق عليهم بالمحافظين من جهة والإصلاحيين من جهة ثانية.

وفي ظلّ مناخ متأزّم، انتشرت الظّاهرة الإسلاموية في الجامعات، لكن كذلك في الأحياء الشّعبية التي تحوّلت إلى معاقل لنشطاء الإسلاموية، الذين كانوا يجندون فئات عريضة من المهمّشين والمطرودين من المجتمع وضحايا انتقال النظام الجزائري من الاقتصاد الموجّه إلى اقتصاد السوق تحت رعاية الدولة وحرسها الجديد الذي راح يرفع شعار إعادة هيكلة المؤسسات والتخلّص من ثقل وبيروقراطية القطاع العام.

خلال تلك الفترة قمعت مبادرة لمجموعة من النّشطاء أسّسوا رابطة حقوق الإنسان وعلى رأسهم علي يحي علد النّور. دخل علي يحي عبد النّور السّجن مع حقوقيين آخرين، وخطب الشاذلي وقتها متهجّما على التقدّميين واصفا إياهم بالشرذمة التي لا نستحق منها إعطائنا أي درس، لكن وجدت الرابطة دعما من قبل الكثير من المناضلين والمتعاطفين، ووجدت صدى خارج الجزائر مما دفع السّلطة وقتها إلى إنشاء منظمة لحقوق الانسان لتجريد الرّابطة من كل صدقية، وكان كل من علي بن فليس وميلود إبراهيمي من بين المؤسّسين لهذه الرابطة الرّسمية.

كانت الشّائعات تميّز الحياة السياسية في الجزائر، شائعات عن صراعات بين الحزب والرّئاسة، شائعات حول الطّمع في منصب الشاذلي بعد أن تعرض هذه الأخير إلى حادث بينما كان يمارس رياضة ركوب الأمواج، فنُقل إلى بروكسل للعلاج بعد أن اعترضت زوجته السّيدة حليمة عن نقله إلى الاتّحاد السوفياتي تطيرا مما حدث لهواري بومدين الذي نقل إلى الاتحاد السوفياتي بعد أن اصيب فجأة بمرض قاتل.

ولم تتوقّف الحكايات عن تورط نجل الشاذلي في فضيحة بنك الجزائر، وعن احتمال قيام أحداث في الجزائر وكذا شائعة إضراب شامل بعد أن تدهورت القدرات الشرائية للمواطن وعمّ الفساد والرشوة والحقرة وزاد امتعاض النّاس من الفقر وأزمة السّكن وانقطاع الماء لأيام في العاصمة والمدن الكبرى حتى أن ممثلا صاعدا أصبحت شعبيته كبيرة بفضل أغنية ساخرة كانت تلخص معاناة الجزائري مع المياه الصّالحة للشرب (جا الما.. نوض تعمر).

في خطاب للأمة بتاريخ 19سبتمبر، عبّر الشّاذلي بن جديد عن غضبه وانتقد بشكل غير مسبوق كوادر الأمّة، وكبار المسؤولين الذين كانوا موجودين في القاعة، ودعا المواطنين للدّفاع عن حقوقهم بالوسائل الشّرعية كالإضراب. ظهر الشاذلي كمعارض وليس كرئيس دولة.

كان مقر مجلتنا في 22، شارع الحرّية، في الطابق الثالث من مبنى “المجاهد”، التقينا عددا من الصّحافيين لنعلّق على “الخطاب الحدث” أمام مقر المجاهد، كان الأمر مثيرا للتساؤلات، وأذكر أنه تم إعطاء التعليمات لصحفيي “المساء” و”أوريزون” و”المجاهد” و”التلفزيون” بنقل آراء المواطنين المؤيدة لخطاب الرئيس! لكن من هم هؤلاء المسؤولين المغضوب عليهم من طرف الرئيس؟ مسؤول الحزب شريف مساعدية؟ مسؤولو الأمن؟

كان الجو غير مريح يشوبه القلق، لكن ذلك حرّر الجزائريين من الصّمت، وظهر ذلك في الملاعب التي عجّت بالهتافات الناقدة للشّرطة (حمى لولو..). كما انتشرت الدعوات إلى إنشاء جمعيات كي يتم التخلّص من هيمنة ما كان يسمى بالمنظمات الجماهيرية..

واصلت وقتها تقديم مونودرام (قدور البلاندي) في الأحياء الجامعية وفي الأحياء الشّعبية، مثل براقي، وفي المدن الدّاخلية مثل بوفاريك وتيبازة وواد علايق ورغاية.. وكانت “قدور البلاندي” مسرحية سياسية نقدية للسلطة وللأفلان.. وللتيار الإسلاموي.

كنت آنذاك أتعاون مع كاتب ياسين، أقوم رفقة مرزوق بترجمة مقاطع من نصّ غير مكتمل عن حياة مانديلا، وأقيم مرّات عند كاتب ياسين في المركز العائلي ببن عكنون ، وكان المسكن يتكوّن من غرفتين ومطبخ، وطاولة حديدية وخزانة وسريرين، واحد أعلى الآخر، وسرير كبير تضمه غرفة كاتب ياسين للنوم والعمل في نفس الوقت إلى جانب مكتب صغير يضمّ آلة كاتبة وعدة حقائب، كان يستعملها ياسين في أسفاره.. كان ياسين يشعر بالتّعب والرّغبة في الوحدة وعدم استقبال الزّوار الذين كانوا يغزونه دون مواعيد وذلك ما كان يزعجه لأنه كان يضع حدا لإيقاع اشتغاله بالكتابة. كان يشعر بالقلق الشديد لأنه لم يكن يجد الوقت للتفرّغ للكتابة والتأمّل، خاصة وأن منتقديه كانوا يقولون إن كاتب ياسين انتهى وجفّ قلمه ولذلك صار يبحث بخرجاته الإعلامية السياسية عن إحداث الضّجة للتّغطية على عجزه ونضوبه الإبداعي.

كاتب ياسين
كاتب ياسين

لم يكن ياسين يدري أنه مصاب بالسّرطان، فكّر في الذّهاب إلى فرنسا في زيارة إلى ابنته التي تبنّاها، ولاستلام جائزة أدبية تحصل عليها وسلمه لها على ما أذكر الرّئيس الفرنسي ميتران.

نحن في الرّابع من شهر أكتوبر، ذات الليلة التي سافر فيها ياسين إلى فرنسا، انفجرت أحداث أكتوبر في باب الوادي، انتقلت الأخبار كالنّار في الهشيم، تنقلت تلك الأيام إلى جوليفي (قاريدي)، حيث كنت أقيم تارة، هناك وتارة في المركز العائلي عند ياسين.. تناقشنا الأوضاع ليلتها أنا وصديقي “ب”، رفقة زوجته التي تقدّم إلى عائلتها بطلب يدها.

في الصّباح التّالي 5 أكتوبر، استفقت السّاعة الثّامنة، جهّزت القهوة وتناولت سيجارة كالعادة، وتوجّهت إلى ساحة “القبّة القديمة” لأستقل تاكسي نحو مقر مجلتنا المسار المغاربي، كانت الأجواء مكفهرة، راح سائق التاكسي يتحدّث عن حواجز يقيمها ملثّمون مسلحّون بزجاجات المولوتوف في “رويسو”، كنا حوالي ثلاثة أشخاص في السّيارة، امرأة عجوز، وكهل في الخمسين، وشاب دون الثلاثين. كان الحديث حول انتشار الحواجز التي يقيمها الشبان الغاضبين، عندما وصلنا إلى رويسو وجدنا الطريق مقطوعة، وعدد من الشباب متوجهين نحو مقر وزارة التّربية التي كانت على رأسها الكاتبة القاصة زهور ونيسي، خاطبنا سائق التاكسي الذي اعتراه الهلع أنه لا يمكن مواصلة الطريق وأعطاه بعضنا أجرته.

نزلت وتوجهت حيث كان شبان دون العشرين يهجمون على مقر الوزارة، أضرموا النيران في العجلات المطاطية وارتفعت ألسنة الدّخان واللهب.. غزا العشرات من الشبان مقر الوزارة أمام استسلام رجال الشرطة، وشرعوا في تخريب مقر الوزارة وإتلاف كلّ ما فيها.. وكان يرافق هؤلاء الشبان بعض الأشخاص أصحاب نظرات صارمة ويوجهون الغاضبين نحو الأماكن المستهدفة (هل كانوا من رجال البوليس السري؟!).

واصلت سيري نحو بلكور، عشرات الأطفال والشّبان يتوجّهون نحو “أسواق الفلاح” ومراكز السّلطة، يدخلون في مواجهات استعملت فيها الحجارة والرصاص وكوكتيل المولوتوف، تعرّضت الأسواق للنهب، رأيت أطفالا وشبابا يحملون أكياس السميد وقناني الزيت والكراسي والطاولات وأجهزة التلفزيون إلى بيوتهم.. اختفى رجال الأمن أمام ذلك التدفق الشّعبي العنيف.. وجد اللصوص مأربهم في تلك الفوضى المتنامية، وفي لحظة شعرت وأنا أقطع مشيًا الشوارع أن ساعة الخراب حلّت.

في ساحة أول ماي تعرضت أسواق الدولة ومؤسساتها للحرق والتخريب والإتلاف.. والنّسوة يشجعن من العمارات بزغاريدهن الشبان على الثأر من الدولة (الحقارة).

الوضع نفسه شهده شارع ديدوش مراد وشارع العربي بن مهيدي.. أغلق التجار محلاتهم، وصارت العاصمة تشبه مدينة ميتة في زمن حربي غامض.

بعد منتصف النّهار عدت من وسط العاصمة إلى “شامونيف”، حيث كانت تقيم خالتي في الطابق الثالث عشر. كان المصعد معطلا كالعادة، كانت رائحة العمارة كريهة لأن عمال النظافة توقّفوا بسبب الإضراب عن العمل.. وجدت خالتي تعلّق وجاراتها على الأحداث..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بابيشة

آخر فيلم في زمن بوتفليقة يحكي عن “بابيشة” تائهة

يُثير فيلم “بابيشة”، منذ أيّام، نقاشات متضاربة فيما بينها. يروي الفيلم قصّة فتيات يقطنّ في …

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …