الإثنين، 18 نوفمبر 2019

آخر فيلم في زمن بوتفليقة يحكي عن “بابيشة” تائهة

غادة بوشحيط

يُثير فيلم “بابيشة”، منذ أيّام، نقاشات متضاربة فيما بينها. يروي الفيلم قصّة فتيات يقطنّ في حيّ جامعي، بالجزائر العاصمة، منتصف تسعينات القرن الماضي، يطمحن في حياة تليق بأحلامهن البسيطة، إلا أنهن يواجهن رعب حرب دون عنوان، وتسعى المخرجة مونيا مدور في أن تقاربها سينمائيا في فلك نسائي شبه خالص، تلعب على المتناقضات بشكل صارخ ما يسدل على الفيلم كامل جماليته وتميّزه.

عرض الفيلم ذاته في مهرجان “كان” الأخير، ونال قبل أيّام جائزة مهرجان “الجونة” في مصر، لكنه مُنع من العرض في الجزائر لأسباب لا تزال مجهولة، تفسح المجال أمام كل التكهنات والشّائعات الممكنة. أول أعمال مونيا مدور المطوّلة يجعل المتفرج متعطشا للتعرّف أكثر على عالمها الابداعي. بالمقابل قلّة تجربتها السّينمائية وحداثتها، رهنت فرص الفيلم في أن يبلغ مرتبة أعلى.

مونيا والحصان الخطأ

لم يشفع ذكاء وموهبة المخرجة الشابة في أن تربح رهان موضوع العمل. فاختيار “الحايك” تحديدًا – كاختزال للباس النّساء – وجعله الشّعرة الهشّة التي تربط كل أحداث الفيلم، كان كفيلا بأن يعرضه للانتقاد، على الرغم من أن مونيا قد تمكنت في غير موضع من ضبط إيقاع الأضداد، واللعب على التّعاقب الذي أعطى للفيلم تذكرة تخوله ولوج عالم الأعمال المحترمة.

الإبداع يولد من رحم الألم، والموت يعطي للحياة معنى، على الأقل هذا ما لا تسأم من تكراره المخرجة الشابة على لسان بطلتها “نجمة” المتلألئة في ظلام الحرب، والتي تريد أن تصنع غد الجزائر، وأن تحقق أحلامها دون أن تقتلع جذورها، مستعدة لقيادة حربها ضدّ الظلامية منفردة، لا تستسلم، تغضب، تحزن، تسقط وتنهض، مثل عنقاء، تحترق حتى تنبعث من جديد.

يلعن فيلم “بابيشة” ذكورية “الحايك” ضمنا على لسان “ليندة” الصحافية، أخت “نجمة” والتي تسقط على يد كهنة الرجعية، ثم يفرد الفيلم مشهدا مطوّلاً في تغسيل ليندة وتكفينها بكفن يُشبه الحايك. تشارك “نجمة” في كل هذه المراسم لتقرر بعدها أن تنتقم لمقتل أختها بأن تعمل على تحوير الحايك وجعله لباسا أكثر تحررًا، أكثر شبها بأختها المغتالة، التي كانت تعشق الفرح والحرية.

تدين “نجمة”(الممثلة لينا خذري) فرض الحجاب بالقوة، وتواجه الظلاميين مرات كثيرة، لكن ما يبدو أنه أفلت من المخرجة من خلال سعي “نجمة” لبث الحياة في الحايك هو ذلك القمع الذي قد تتعرّض له تلك الفئة من النساء اللواتي لا يردن تغيير الحايك، ولا استبدال الحجاب الأسود ولا الملوّن ولا غيره فلكل واحدة الحرية في أن تكون كما تشاء وأي محاولة لمناقشة لباس المرأة ليس سوى ممارسة ضد – نسوية بامتياز.

ينتهي الفيلم بوعد تقدمه البطلة للمستقبل متمثلا في جنين صديقة لها والذي تتمناه أمه “بنتا”. لم يكن على “مونيا” طرق مثل هذه الابواب التي قد تحمل الفيلم نحو المجهول، وخصوصا أن الفكرة لم تكن ناضجة تماما كما أن جعل اللباس موضوعا لفيلم يدور في فلك نسائي بحت، يجعل الطّرح هشّاً.

من الفيلم
من الفيلم

لا رجال

الملفت في فيلم “بابيشة” هو قلة الحضور الرّجالي. تقاسمت البطولة فيه مجموعة نساء جمعتهن “نجمة”. يضاف إلى الحضور الرجالي القليل في الفيلم أنه غير مؤثر بشكل عام: لا السائق الذي يفتتح الفيلم (ويؤدي دوره الممثل القدير محمد بن عيسى) ولا بائع لوازم الخياطة الذي تتطوّر شخصيّته داخل الفيلم حتى يصبح راديكاليا مستثمرا في الوضع الجديد، ولا الشّاب الذي لا اسم له وتصطدم به نجمة مرات عديدة. تأتي قصص الحب داخل الفيلم لتعمق افتراضات “مدور” في استقلالية مجرة النساء. يعنف “مهدي” حبيبته وسيلة، وهو الحامل لتفكير متناقض، ذكوري رجعي، ميسوجيني، يقترح “كريم” حبيب “نجمة” الرقيق الطيب عليها الإفلات من جحيم الحرب الاهلية بالهجرة إلى فرنسا. لكن ما يستفز المشاهد ألا تطور طبيعي لهذين الدورين ضمن الفيلم، كأنهما كائنين جاءا من العدم، وسرعان ما عادا إليه دون تفسير منطقي، ما يعطي للمتفرج إمكانية العبث بخياله لإيصاله حيث يريد. هل يمكن أن يحسب هذا لصالح الفيلم؟

لعب حارس الحي الجامعي “بوباي” ومعه “عبد الله” مستغل المحل التجاري داخل إقامة البنات دوران أكثر تأثيرا نسبيا في الفيلم. “بوباي” يسهل خروج ودخول البنات ليلا، ويحاول الاعتداء على “نجمة”، ليأتي “عبد الله” ويعنف الحارس بعد أن تنجح البطلة من الإفلات منه.

لم تشيطن “مدور” الرّجال كما لم تمدحهم، لكنها أسقطت عنهم سلطة التّحكم في أقدار نساء الفيلم. جعلت مخرجة “بابيشة” من الرجال مجرة مجاورة لمجرة النساء، تتقاربان أحيانا، ثم تتدخلان لكن لن يحدث ذلك “داخل بابيشة”.

فيلم نسائي وليس فيلما نسويا

“بابيشة” فيلم روائي طويل، وهو آخر عمل أنتج زمن الرّئيس الذي أسقطه الحراك عبد العزيز بوتفليقة، جاء في توقيت مناسب، في ظلّ كلّ حملات الشّيطنة التي تتعرّض لها نسويات الجزائر وكل الازعاج التي تسببه الأصوات الظلامية والرجعية النّاعقة المنادية بضرورة الوقوف في وجه أي طموح نسائي في تحسين الأوضاع. وعلى الرغم من أن الفيلم يروي فترة التّسعينات فالمعايش ليوميات الجزائري يحسّ أن الأمور لم تختلف تماماً بالنسبة للجزائريات اليوم، ما يجعل إسقاطه على الحاضر ليس أمرًا صعباً.

تتحكم مونيا مدور(1978-) بامتياز في الثّنائيات الضّدية، وتحرّك لعبة تعاقب الزمن بين فرح وألم، موت وحياة بامتياز. ترسم “نجمة” بطل الفيلم مصمّمة الأزياء ولكن إبداعاتها تأتي بعد لحظات الألم والغضب: تقرر أن تحتفي بالحايك بعد اغتيال اختها وهي مرتدية له، تقنع مديرة الحي الجامعي بإقامة عرضها، بعد أن تحاول الإجهاز على الحارس الذي حرض زميلاتها المتشددات على تمزيق أثوابها.

تعطي المخرجة للنساء كافة الصّلاحيات في رسم أقدارهن، والتحكم في الأحداث، حتى في القتل والاختطاف، وبثّ خطاب العداء والكراهية، ربما لتوصل للعالم فكرة أهلية النساء لرسم حياتهن، لكنها بالمقابل لم تقدم إدانة واضحة لمدونة العادات والتقاليد التي أنتجت الحايك والحجاب والتي تضمن استمراريتها، التقاليد التي تجعل النساء عرضة للعنف باسم الحبّ. كما أن اختيار اللباس كفلك للفيلم يرهن تصنيفه كفيلم نسوي، فلا أحد يمتلك سلطة توجيه النسّاء نحو ما يجب أن ترتدين.

هفوات تحول دون الاقناع التّام

تخللت الفيلم هفوات وضعت مصداقيته على المحك بالنسبة للمشاهد الذي عايش عشرية التسعينات في الجزائر. “بابيشة” ككلمة ووصف عامي للفتاة الجميلة والأنيقة درج استعمالها مع الألفية الجديدة، وأغنية “هذيك البابيشة” التي تسمع في الحفلة الراقصة ببداية الفيلم، هي أيضا إنتاج موسيقي ألفيني، إضافة إلى أن بعض المشاهد التي صوّرت الحياة في الجزائر في تلك الفترة تغيب عنها روح التسعينات، وكل هذه الهفوات تجعل المتفرّج الذي عرف جحيم عشرية الذبح في الجزائر يحسّ بخيبة أمل.

لم تحل حداثة التجربة السينمائية لمخرجة “بابيشة” دون صنع عمل جيّد، حيث أبدعت رفقة فريق العمل، زاده الحضور النسوي الطاغي تفردا. سقف الطموح العالي الذي وضعته “مدور” في محاولتها معالجة الكثير من المشكلات النسوية مثل “الأمهات العازبات” وتناقضات الفكر الذكوري مثلا، جعلت الأمور تفلت من يدها في كثير من المواضع.

إن كانت ذاكرة الحرب الأهلية في الجزائر المريضة لم تفصح عن كل خلجاتها، ولم تتقيأ كل أسرارها، تبقى رؤية عمل نسائي يقصّ حياة الحرب الأهلية في الجزائر من وجهة نظره أمرا صحيا وإيجابيا جدا، على الرغم من واقع لا يشجع على الإنتاج الفنّي عموما والسينمائي خصوصا. على المبدع أن يرقص مع الأفاعي حتى يحقق شيئا من طموحاته، و يفاضل بين المكروهات حتى يوصل عمله إلى متلق متعطش، ولو على حساب حقوقه الفكرية والمادية.

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

5 أكتوبر 1988.. النّار والرّماد

3 أكتوبر 1988، كآبة وطنية شاملة.. الوجوه مكفهرة، اليأس يئن مثل غربان فوق الرّؤوس، الشّرطة …

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …