الأحد، 15 ديسمبر 2019

مقطع من رواية “نبوءات رايكا” لخيري بلخير

تعتبر ‘نبوءات رايكا” الرواية الثانية لخيري بلخير، بعد رواية “نخلة الوجع”؛ وقد صدرت حديثاً بطبعة أنيقة عن دار خيال للنشر بالجزائر، وتقع في 288 صفحة من الحجم الصغير؛ حاز خيري بلخير، على جائزة عبد الحميد بن هدوقة في القصة القصيرة سنة 2006، كما فاز بجائزة القلم الذهبي لأحسن قصة، التي نظمتها إذاعة ومديرية الثقافة لولاية النعامة سنة 2009. “بلغة وازنة وعارفة، يمزج بين كثافة لغة القصة القصيرة وشعرية جميلة يعزّزها بما تلهمه الطبيعة التي ينطلق منها (عين الصفراء) بالجنوب الجزائري” يكتب الناشر.
فيما يلي، مقطع من رواية ‘نبوءات رايكا”.

 غلاف الرواية

يحدث أن أمارس طقسا روحيا لمناجاة أحبّتي الذين أفتقدهم، ليسوا كثرا لو عددتهم، أربعة: جدّي المخفي وجدّتي الياقوت وصاحبي صالح الزّين ورايكا سلطان الدّراويش، خامسهم حماري حيزوم.

باستثناء المطالعة، ليست لدي هوايات تشغلني، خاصّة إن كانت تحتاج لممارستها طرفا آخر، صرت أتدرّب على فن طي الورق، الأوريغامي، وتمكّنت بجهد من صناعة رأس حمار، بعد طائر الكركي، لأعترف أن النية وخطوات الطي كانت لرأس حصان كذاك الذي كانت تنسجه لميمة على الزرابي الحائطية، خطأ في الطي رغم جودة الورق، ذلك لأنّي أجد صعوبة في التحكم بأصابع شمالي. الأجمل في الأوريغامي انتشال أي ورقة مرمية أو منسية وبعثها للواجهة بالطّي، ليت البشر الضائعين والمنسيين والمهمّشين وحتى المجرمين يسهل التعامل معهم كالورق، فنستعيدهم بدل سحقهم أو حرقهم.

حين أحنّ للشطرنج ألعبه وحدي، لست بارعا كبطل رواية لاعب الشطرنج لستيفان زفايخ الذي لا يحضرني اسمه، النّص روعة، مسك الختام قبل الانتحار، على مهل أحرك الحصان، قد يستغرق موت الشّاه أكثر من سبع جولات، وفي الغالب بنيران صديقة، كم من شاه قتلته حاشيته؟ بلاط شقتي في بشار هو الآخر يشبه رقعة الشطرنج، اللعب فوقها أخسره دوما من الجولة الأولى، خسارة بطعم الفوز إن كان المنافس يلاعبني لأول مرّة.

القُبّة التي تعبق برائحة جدي المخفي، خلوتي ومنفاي الاختياري لا تزال تضاء بالشّمع كدير للرّاهبات، فيها أنسلخ عن عالم التكنولوجيا ولوثتها. في البدء حاولت إدخال التلفزيون للقبّة، فاختفت الإشارة، الهاتف دوما خارج مجال التّغطية، إن تُعتّب خطوة خارج القُبة، تصعد الأعمدة الأربعة للهاتف.

نفس الشّيء حدث لأصحابي، قلت في يقين، لعلّ جنّية عاشقة تسكن القبّة بعدما هجرتها مرغمًا، أردت أن أرقي القبّة بنفسي، تكاسلت، ثمّ استحسنت اختفاء الإشارة، حتّى لو كان الجن طرفا في ذلك، من دخل القُبة فهو آمن، يقينا الجن يخاف الإنس، بل وجدت في اختفائها خيرا كثيرا، فصرت أغلق هاتفي خارج جدران القبّة بدل كسر شريحته، أو تهشيم الهاتف على جدار القلق، وما أكثرها الهواتف التي أعدمت، خاصّة في مدينة بشار حيث أعمل وأنضغط كغاز سريع الاحتراق، لهذا صرت أنتقي هواتف رخيصة ومستعملة وأحيانا منقرضة، أفضلها سوداء كالخنفساء، لست كافكاويا، لكن الهواتف الذّكية لا أحبّها، تزعجني كما أزعجت الطّواويس عالم الأحياء داروين. لأعترف، وأنا على مشارف الأربعين، ثمّة أشياء كثيرة ماتت بداخلي، هناك من عاش في رؤياي عمرا، فقتلته مع سبق الإصرار بجرّة قلم، شوّهت اسمه ورقم هاتفه من ذاكرتي الورقية، ولست نادما إلا على الوقت الذي استنزف في حضرتهم ليرضوا، أما المال الذي أخذوه مني بصيغة السّلف، فأجري على الله، قال لي سلطان الدّراويش رايكا: سيدفعون لك عند ربّك. وأشار بسبّابته للسّماء.

أجري على الله، سأقبض من حسناتهم إن لم يكونوا مفلسين مثلي، فأنا أيضا كنت أخذت مالا كالحشيش بغير حق، صدقت يا عمّي الرّاجع ” لما كثر الحشيش، الحمار مات “، عبارة تدخل في باب الرّثاء، يقولها الحكواتي عمّي الرّاجع إذا مرّت أمامنا أنثى مستنفرة، ثمّ يصلى على النّبي، لأن عينه ترمي بشرر، غفر اللّه له ضحاياه كثر، وهناك رواية تؤكّد أنّ عينه هي التي قتلت حماري حيزوم. المفلسون مع مرتبة الخسّة والوضاعة، لن أذكر أسماءهم المشطوبة من حيطان القلب، الفلوس تأتي وتذهب، لكن العيب يبقى، ثمّة وجوه لم أستطع التخلص منها، لأنّها لطّخت روحي واستنزفت طاقتي، فبقيت ذكراها لا تنمحي كوشم الدّيوك في ذراعه الأيمن “pas d’amis”.

خيري بلخير

القصاصة الأولى:

ولو… يا بوقلب، سأكسر لوزة الرتابة المرّة وأفر بما تبقى من صعلكتي، لا شرائط كاسيت الشيخة الريميتي ولا لزوميات المعري، وحيدا لا أسمع غير ضجيج المخ ونبض القلب اللاهث كفئران التجارب.

القصاصة 15:

بنك البذور العالمي، يا ليتني كنت مجرّد حبّة عدس، لديها طاقة كامنة تمكنها من الانبعاث والصّمود ولو في قطن مبلل، آه لو كنت حبة الفاصوليا السّحرية كي أرقى للسّماء، لا بني كلبون ولا بني قصفون.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ناهد بوخالفة

ناهد بوخالفة: جسد المرأة يشكّل إرهابا لعقل الذّكر

في رواية «سيران، وجهة رجل متفائل»، تسرد ناهد بوخالفة ما يربو عن عشرين سنة من …

سيدي عثمان يكتب قصصاً سرّية عن ملوك أفريقيا

سيدي عثمان يكتب قصصاً سرّية عن ملوك أفريقيا

من الملاعب إلى دفتيّ كتاب، هكذا أراد نجم الدين سيدي عثمان أن ينقل الجزء المعتّم …