الخميس، 24 أكتوبر 2019

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. أو ربما تتثاقلان. أشعر أني أجر عربة وسط حقول مقفرة. يا لذلك الشعور المقرف. كأني دونكيشوت خرج لمقاومة قمامة العالم. دونكيشوت المزابل. دونكيشوت يحمل علبة زلاميت ويشعل مكبات النفايات ويمر ضاحكا. مستبشرا بفناء المزابل.

واجهات الدكاكين الصغيرة تتراقص مثل أثواب ريتا على حبل الغسيل. دكاكين وضيعة في زقاق خطير. جدران صفراء مهترئة تتشابك حولها أسلاك الكهرباء والهاتف تحت شمس وقحة. تظنها حاقدة على هذه المناطق.

خرجت من بار “بيزو” بعد أن تعطّل محراثي هناك لساعات. أشرب ويسكي بلاك ببطء كالأثرياء الجدد. الأثرياء الذين يظهرون بعد كل حقبة. أسترجع بعض الذكريات. هناك كانت صورة كاتب ياسين معلقة في برواز خشبي. تزين الحائط الذي تقشر طلاؤه. وفي الزوايا نسجت الرتيلة شبكات صارت سوداء من الغبار والدخان الخانق. في فترة ما كانت أفواه زبائن هذا البار مثل مداخن قريتي في الشتاء. أو مثل مدخنة قاطرة تنفث أدخنتها الغاضبة. وقريبا من هذه الطاولة كان بعض الشيوخ يروون نكتة ما ويرفعون ضحكاتهم وأكوابهم. لاشك أنهم ماتوا كلهم. من حقهم أن يختفوا. حتى البار لم يعد كالسابق. صادر منه العصر أجواءه القديمة. وحتى تسميته “حانة المتمردين” اندثرت.

عبرتُ كثيرا من هنا. آخرها كانت رفقة عطيَّة. جئنا من “الفور”. كنت جنديا في الحدود. ينتظرني راتب شهرين كاملا. وكان هو كاتبا في محفل جهنم. سكريتير القائد. حيث تُذاع أخبارنا. وحيث تنصب لنا المشانق. لاشك أنكم صادفتم هذا النوع كثيرا في حياتكم. كان قصير القامة ممتلئا عن آخره ككيس زبالة. في سري كنت أناديه بالبطريق. ولاشك أني قلتها مرارا أمام مجموعة أصدقاء. عندما كانت ليالي الكمائن تطول. وكنا نضع على طاولة المشرحة بعض القوادين. نتدفأ بسخريتنا من وشاياتهم. وربما نعزي أنفسنا. قد يكون بيننا شخص لم يجد طريقه بعد ليصبح أكبر قواد في الجزء الشمالي من أفريقيا.

دخلت يومها دكانا لشراء بعض الأفلام. واشترى هو رزمة كاملة لأفلام “عادل إمام”. ثم تبعني إلى مقهى أنترنت. أستريح هناك في العادة. كان المحل الوحيد الذي به مكيف هواء. فتحت صفحتي على الفيسبوك. كانت فقيرة عكس جيبي. إشعار وحيد. أثر ريتا. وحدها تتفقدني. تتفقد ضريحي المفتوح على هذا الفضاء الأزرق. لم يكن يعنيني كثيرا بحجم ما يعني لي أن أكون هنا في ظهيرة حارة. الجنود يتقززون من العرق في المدن التي تكثر في أسواقها الصبايا. رحت أقرأ بعض الشعر الذي تكتبه شاعرات لا أعرف منهن غير صور بروفيلاتهن. وأذواقهن العالية. أكواب جميلة. حتى القهوة لاتشبه قهوة الجنود. في الأعالي. في الحدود. بين الأشجار. حيث تطمس الأرض أسرارها الرهيبة. خشية أن تذاع فضيحتها. حيث يموتون. وعندما تترفق الأقدار. تأخذ قدما. أو ذراعا. هناك نشعل نارا خفيفة. ونشرب قهوة على عجل. لم يكن لدينا هامش لنضع رجلا على رجل في حديقة جميلة. تزقزق عصافيرها فرحا. كل ماحولنا جارح. متوحش. متعجل. غير أننا نحلم أيضا. لكن أحلامنا مختلفة. لا تشبه قصائد مينا. الفراشة القسنطينية. تمثال من المالوف والقفطان والنوغا. تمثال يفتح ساقيه على امتداد الجسر. ليعبر أحد النياكين في ليل دامس. كم تمنيت أن أكون ذلك الخفاش الرشيق الذي يتسلل من الخروب رويدا رويدا. ليسحل جسدها الأملس على الأحراش.

 مينا عينا العجلة في أسابيعها الأولى. “خدّك وردة” مثلما يقول عيسى الجرموني. قولي شيئا فأنا غريب. قولي شيئا لأشعر أني مختلف عن بقية الجنود. قولي لأظهر مثل تلميذ نجيب من الأحياء المضاءة. قولي “من صابني علكة بين ضروسو” كما تقول حدة الخنشة. لكنك باردة. نصف صورة. نصف وجه. نصف قصيدة. كم مينا عبرت قلبي. وتشربها هذا الفضاء الأزرق. كم فتاة أحببتها هنا. وفي الأخير حذفنا الدردشة. لكن من يمحي الذكريات؟

غير بعيد. كان أحد الملتحين يصرخ. “ناديا نحبك”. بشكل غير مهذب. يضع الجميع سماعاتهم. يبحلقون في هذه الفضيحة. من كان يعرف أنهم يحبون أيضا. لطالما التصقت بهم الدماء والعنف والخشوع. لم يطل ذلك كثيرا. صرخ. “ناديا. ندّيك. أقسم ولو أطبقت السماء على الأرض. ندّيك”. وضع السماعة وخرج يبسمل ويحوقل. لا أعرف لماذا سمعته يقول “نقتلك” بدل “نحبك”. كان عطيّة يزحزح مؤخرته فوق الكرسي البلاستيكي الذي يصدر جلبة مثل ضراط. لم يطل صبره طويلا قال: “تعرف الباب لحمر؟”

أغمضت عيناي. نصف يريد أن يشتمه. أنت حقير. تصلي بنا في الجامع وتود الذهاب للبورديل؟ ونصف يفكر في ريتا تلك البانديّة التي جاءت من مستغانم ذات شتاء إلى باتنة. كنت في ملهى” دوفانة” سكرانا. جلست مع هذه الوافدة الجديدة إلى عالم القحب. روت قصتها الطويلة. وبكينا معا. كنت دوما أخفي ذلك الجانب الهش الذي يبكي مع الآخرين. لكن قنينة الباستيس جعلتني راهبا في دير منعزل. يبكي آلام البشرية. لقد ارتفعت روحي إلى مصاف الحماقة. وعشقتها. كانت جميلة فقط. جميلة ومشوهة بالكامل. ولا أعرف لماذا شعرت بالغيرة عندما طلب مني هذا الوغد عنوان الباب لحمر. باب الجحيم. حيث يشوى قلبي بلا رأفة.

تقدم فرحا. ذلك البطريق الجبان. يداه الصغيرتان ترفرفان جنبه. دفعت الحساب ولحقت به. كانت الحركة قد هدأت بشكل كلّي في بشار. هرب الجميع من محرقة منتصف النهار إلى مكيفات الهواء. وأحضان النساء السمراوات. بدوت وحيدا أتبع خطى البطريق المتسارعة وسط المدينة المزطولة. هنا يدخن الجميع حشيشا مغربيا حرا. لهذا لا تتعجب من كمية السعادة المعروضة على الأرصفة.

دخل عطيّة أخيرا مؤسسة النشوة. أكبر بورديل في الصحراء. ثلاث بيوت في الداخل. كل بيت فيه خمس غرف أو يزيد العدد أحيانا. مع رواق خارجي طويل. البيت الأول توجد به غانيات في سن مبكرة. لا تتجاوز أعمارهن 25. يمتد الطابور إلى الرواق الخارجي في بعض الأحيان. هناك عجوز تنظم هذا الطابور في يدها قارورة جافيل. تلوّح بها على رواد المؤسسة. من حاول الخروج عن الصف تنطلق بولة جافيل إلى ثيابه. حكمة الجندي أن تقف في استعداد كما لو أنك أمام قائدك. في هذا البيت تمكث ريتا. بعد أن أغلق ملهى “دوفانة”. هرَبت إلى بشار من الجوع. والدها في السجن بسبب جريمة شرف. قتل أمها. رأيت صورتها هنا في الغرفة التي قد أشاهد “عطية” البطريق يدخلها بـ 400 دج. تشبه أميرات العصر الغابر. اللواتي يسهر مخرجو الأفلام على انتقاء ممثلات في غاية الجمال والإغراء لأدوارهن. صورة كبيرة تذكرها بالشرف. قالت يومها مجيبة عن سؤال تافه:

         حياتي كلها انتقام من فعلة أبي. زرته في الحبس مرة واحدة. لم أقل شيئا. ظهرت أمامه كما تظهر الأشباح. كنت حاملا في الشهر السادس. نظر إلي باستغراب. نظر إلى بطني مندهشا. كانت عيناه تتسعان. كأنه يستيقظ من زمن غابر. الحلوووف.

 

قلت مندهشا أيضا:

         أنت قاسية.

 

ابتسمت ثم أخذت ترشف من قنينة كوكا وواصلت تتحدث بأريحية:

         تعرف. سمعت قبل أيام فقط أنه سيموت. تصور أني لم أحزن أبدا. مر علي الخبر بشكل عادي. كأي خبر أقصد. مثل أخبار الجرائم التي نقرأها يوميا على الجرائد.

 

قاطعتها:

         هل انتحر؟

 

ضحكت ثم اقتربت مني أكثر حتى شعرت أني طفل في حضرتها أني بريء جدا في حضرتها:

         أبي لاينتحر. ولا يجن. ربما يموت فقط. قبل سنوات سمعت أن يديه تفحمتا. لا أعرف القصة. لكن فيما بعد تحولت الحروق إلى سرطان. بترت يداه. ماكان ليستمر دونهما. كل ماعاشه بعد ذلك كان مجانيا. ربما ليصلي.

 

قلت متعجبا:

         ما الذي كان يفعله والدك عدى قتل أمك؟ تتحدثين عنه كمجرم كبير.

 

اقتربت مني أكثر حتى كادت شفاهها تلتصق بشفاهي:

-كان شامبيط. الناس يعتقدون أنه بطل. يرددون قصصه مع الإرهاب في الجبل. تعرف الذيب الجيعان؟

 

لوحت برأسي نافيا ذلك. ثم أردفت:

          كان أميرا سفاحا. قتل عدة معلمات مرة. الحادثة شهيرة. كنت أعتقد أنك تعرفه. المهم. هذا السفاح قتله والدي.

 

إلتفتت إلى الطاولات القريبة. كانو سعداء. بعضهم يصفق للراقصات. أخذت قبلة منها. قبلة ساخنة رغم السكر إلا أني اتذكر طراوة شفاهها. ثم قلت:

         كيف قتل والدتك؟

 

تنحت عني قليلا. كأن السؤال أزعجها. أخذت سيجارة ريم من العلبة المهترئة. ابتسمت وقالت:

         مازلت تدخن الريم؟

 

قلت بسرعة:

         ثمنه…

 

قاطعتني:

         الناس حمقى. منافقون. متناقضون. يحبون الظهور كأثرياء حتى أمام قحبة. تراهم لايعرفون أن الفقر من دفعهن إلى هنا؟ ليست هناك قحبة في العالم جاءت بمحض إرادتها إلى هنا. ليست هناك ثرية تمارس البغاء. حتى وإن وجدن. فلا شك أنهن يمارسن ذلك بمزاجهن. القوسطو فاهمني؟ لماذا يرغبون أن تفتتن بهم القحاب؟ ألا يعرفون أن قلوبهن ميتة؟

 

لا أعرف حينها لماذا تراقصت في ذهني مقولة للماغوط. “ما أسهل العيش لولا وجود الكرامة”. لاشك أنه التقى بريتا أخرى. نسيت ان أطلب من هذه الفتاة أن تخبرني عن سر اسمها. لاشك أنه اسم مستعار كالبقية. أيقظتني من غفوتي:

         لسنا بحاجة لمن يحبنا. نحن بحاجة لمن يرغب فينا. أتعرف. أني لو قدر. سأختار السوط. بدل المشاعر. داخل كل عاهرة جلاد. لازمك تفهم مليح.

 

مرة أخرى وربما لأني لا أفهم كلامها. ولأني حديث المعرفة بالنساء. وربما لا أعرف عنهن شيئا. قلت:

         لماذا قتل والدتك؟

 

اعتدلت وتغيرت ملامحها مرة أخرى:

         ببساطة. كانت أمي تحب هذا البغل الذي يسمى والدي. وأنت لازلت صغيرا على فهم هذه العبارة.

 

أنا صغير فعلا. لست صغيرا في العمر أو في القامة. لكني صغير من حيث التجارب والثقافة. لذلك اعتبرت كلامها واقعيا وقلت دون انفعال:

         لكني أرغب في فهم قصتك. أنا مهتم على نحو ما بك. وهذا الصغير لاشك أنه سيكبر قليلا كلما تعلم شيئا.

 

ابتسمت وقالت:

         عندك قارو زطلة؟

 

أجبتها ملوحا برأسي بالنفي ثم أضفت :

         مانتكيفش الزطلة.

 

لم يزعجها ذلك. أكملت الحديث دون توقف هذه المرة:

         تعرف. الحب مخيف. أنا لم أحب أحدا. ولا أعتقد أني سأفعل. أمي كانت حمقاء. أحبت بجنون. يومها سمعنا بكاء جارتنا في الشارع. هرعنا من البيت. ساعات الصباح الأولى باردة. تلقفنا عند باب العمارة شخص. عرفت فيما بعد أنه مسؤول أمني هنا. ليس شرطيا ولا دركيا. لا أعرف عمله تحديدا. لكنه كان يفعل أي شيء يحلو له. اقترب من والدتي. ووضع يده على بطنها. ثم حركها حتى استقرت بين فخذيها. وراح يدلكها برقة. ثم جذبها إليه باليد الأخرى وهمس لها ” إذا ماتحبيش تمديلي. مصير زوجك كمصير زوج جارتك” انحدرت دموعها. ومع ذلك جرتني معها إلى البيت. وهو يصعد خلفنا. كان يمرر لسانه على أطراف شاربه. دخل البيت وعانق والدتي. استأذنته لتبقيني بعيدة. جرتني من يدي إلى الصالون. من النافذة كانت جارتنا منكبة على جثة غارقة في دمائها. ومن الغرف الأخرى كانت تأتي تنهيدات والدتي. وشخير جرار ذلك الرجل الغامض. أخيرا صفق الباب خلفه. جاءت أمي بعرقها ودموعها. جذبتني إليها وبكت بحرقة. فعلت ذلك مرارا فيما بعد. أحيانا بشكل يومي. في بعض الليالي كان يبيت معها. كان يعرف كل تفاصيلنا. بل هو الذي يرسل والدي إلى الكمائن ليأخذ مكانه. كانت والدتي تحمي ظهر أبي من الموت. من طعنة الرفاق. وكنت أحمي ظهرها من طعنة والدي. بصمتي أتواطأ معهما. كانت الأمور تسير على نحو هادئ. لم تعد تبكي لظهور الغريب المتكرر في حياتها. تعودت على الأمر. وأصبح برتبة عشيق. يضحكان ويمارسان الجنس وتأخذ منه بعض النقود أحيانا. أصبحت أناديه عمي. حتى عاد والدي ذات يوم. عاد كما لم يحتمل هذا المسؤول الغريب. نزل من الشاحنة في مخرج القرية. وأمر رفاقه بالتريث حتى عودته. لاشك أن أحدهم أخبره بالأمر. فتح البيت ووجدها عارية في حضن مسؤوله. وجدهما يضحكان ويتعانقان. أطلق عليهما الرصاص ببرودة. أفرغ في جسديهما خزاني كلاشنكوف. تلاشت كل ملامح البشر منهما. كنت جالسة أتأمل المكان الذي مات فيه جارنا. رأيت والدي عائدا. ولم أخبرها. كنت هادئة فقط حيال كل ما يجري. كأني غير معنية بعالمهم المشوه. فتح باب الصالون. ونظر إلي مليا ومضى نحو المخفر. سلم نفسه هناك ورحلوه إلى السجن. أخذني عمي إلى بيته. أكملت هناك سنوات كئيبة ومرعبة. كنت أردد في لياليها المسعورة “لماذا تركتني يا أبي؟”. زوجة عمي أيضا كانت تقحب. لا أعرف إن كانت تحمي ظهره أم مؤخرته. المهم أن عشيقها في تلك الليلة طلبني إلى الفراش. لم تحتج. وافقت ودفعت بي نحوه. ضاجعنا معا. ضاجعنا حتى حبلت منه. وكرهت الحياة أكثر. زرته كما أخبرتك. وشاهد الشرف الذي سجن لأجله يتكور. يكبر. بعد أشهر ولد الطفل. وأتلفته عمتي. ربما رمت به في المزبلة للقطط والكلاب. أو وضعته جنب الطريق. لا أعرف. لكن يؤلمني كثيرا أن يكون حيا الآن. حي يصرخ في ليالي ضجره. “من تركني وحيدا؟”. أنا اهرب الآن. أهرب من سؤالك كي لا أتورط من جديد في محبة والدي. لا اريد أغفر له كي أضل وقحة وصلبة. كي أكون قوية. وشريرة. وقحبة. كي أعيش.

 

سكتت عند كلمة “أعيش” كأنها تصدم بها لأول مرة. كأنها طفل يتعرف على حلوى جديدة. تنسيه مذاق الحلوى التي عرفها من قبل. ثم أردفت:

         أتعرف. كنت اتمنى ان اعيش بسلام. أتزوج وأنجب وأربي وأكبر في بيت حتى أشيخ ويدفنني أولادي واحفادي. لكني الآن. أواصل الغرق إلى الأعماق. دون رجعة. مصيري سيكون سيئا على كل حال.

 

عندها بكت. بكت بحرقة وأبكتني معها. بينما الآخرون غارقون في الصخب. صخب موسيقى الراي التي تدك الجدران بمكبرات الصوت الكبيرة. أحدهم طلب أغنية “ماتقوليش المكتوب ولا الميمون والزهر …” كانت أغنية لحسني. ذلك المعسكري الذي على غير العادة أشعل وهران. حوّل أزقتها الحزينة. الضاجة بالمئاتم. إلى طوابير لشراء ألبوماته الجديدة. استقرت رصاصة في رأسه لتخرسه للأبد. ربما لم تكن هناك امرأة تحمي ظهره. كانت شهرته تمتد إلى القرى المنسية في البلد وتثير مشاعر المْقَوْدِين. كانت المقاهي الصغيرة توزع ألحانه وحنجرته على الجلاس. الذين لايدفعون غير ثمن فنجان واحد طيلة أيام. تختنق حنجرة المغني. “خلوني لا نبكي أنا عندي بروبلام..” مددت يدي وطلبتها للرقص. وافقت. رحت أجاريها. قدماي طويلتان. لا اعرف الرقص. ولكني اعرف أني لو حاولت ذلك سأتعثر. ومع ذلك رحت أصنع حركات غير منتظمة. ربما كانت سبب اشتباك ضحكاتنا ودموعنا. “والبابور دير مزية وردلي لعزيز وياا أنا حي عليَّ أنا ولد حلال ويا..” أخذت رقمها. اتصلت بها مرارا. تحدثنا دائما. والتقيتها هنا كثيرا في بشار. في غرفتها الصغيرة. يومها أردت أن أهاتفها لتطرد عطيّة من الطابور. كم تمنيت أن أشاهد البطريق يهرب من أمام العجوز القذرة وهي تطارده بالجافيل. هناك غرف كثيرة. تسكنها عدة فتيات جميلات أيضا. غير أنها كانت مميزة. لا أحد في الطوابير صدّق أنها قحبة. وهناك بيتان آخران بغرف متشابهة. البيت الثاني توجد به عاهرات أربعينيات ممتلئات. بسعر أقل 300 دج. والبيت الثالث توجد به عاهرات مسنات ومترهلات. يضعن أقنعة على وجوههن لإخفاء بشاعة السنين. مالذي تمتلكه العاهرة غير القوام الحسن والوجه المشرق. عندما تضيع هذه الأشياء. تنتهي أدوارهن في صناعة نشوة وفرحة الجياع. الإضاءة خافتة. لاتكاد ترى شيئا داخل البيت الثالث. كأنه بيت أشباح. تتلصص منه كائنات غريبة. من عتبات الأبواب. ينتظرن زائرا أهلكه التشومير. 200 دج. أو وافدا جديدا إلى مؤسسة النشوة. يختطفنه من الباب. ويلقين به فوق أسرتهن المتسخة. في دهاليزهن المظلمة. أي نشوة تحت وقع الخوف. خوف من تلك الكائنات الغريبة. وسط ظلمة دامسة. يضاجعن بعنف وقسوة ويأخذن النقود. ربما يأخذن أضعاف السعر ليطلقنك حيا. يعرفن أن الخارج من هناك سيلعن قذارتهن طيلة حياته. سيغتسل مرات كثيرة لتذهب رائحتهن العفنة. دخل عطيّة وعندما غادر الغرفة وجدني في الطابور. أدار وجهه عني وغادر. شاهدتني في الطابور. غمزتني وابتسمت. غادرت أمام عينيها نحو فتاة في الغرفة الرابعة. فعلت ذلك انتقاما من استقبالها “عطيّة”. لم تجبني بعد ذلك.

غادرت المدينة بعد أشهر. عملت في مناطق عديدة. كدت أتزوج من بغلة يسارية التقيتها في العاصمة. حولت حياتي إلى صراخ. عندما كنا نحتفل بالحرية. لاشك أن البعض يتذكر “ثورة الابتسامة”. لا بل يتذكرها الجميع. غير أنهم يخافون الآن أن تكون ذكرياتهم سببا في سجنهم أو موتهم. ثُرنا ضد أوضاع البلد. ثرنا معا. أو لنقل ثرت معها. لا أعرف لماذا كانت تشبه ريتا. أم أني كنت أتبع قضيبي فقط. وأصرخ لأجله “تتنحاو قاع”. صرخنا معا في الشوارع حتى بحّت حناجرنا. صرخنا ليل نهار. أحيانا كنت أسمعها تصرخ حتى وهي نائمة. يالهذه الحمى الفظيعة. فتاة بغلة. يا لتلك الفخامة. كان شعرها الملتوي ينزل على كتفي وأنا أحضنها. وأهمس في أذنها: يا رفيقة. آه كم كانت هذه الكلمة عنيفة. كانت تشعلها. كانت مثل كلمة سر حاسوب أو هاتف. بمجرد أن أهمس بها تجيب وهي تنكمش مثل قطة مغمضة عينيها “نيكني يا رفيق”.

سقط بوتفليقة ولم يسقط النظام. كان مجرد سروال للنظام الذي تعرّى علينا بعدها. كنت ضد انتخابات أعرف نتائجها مسبقا. سُجنت. كما سجن الكثيرون. قضينا عاما في الحبس. أطلق سراحي لأجد عالما مختلفا عن الذي تركته. شوارع نزعت منها أسماؤها. أسماء الشهداء اختفت وحلّت محلها أسماء جديدة. كل شيء يحرض على التمرد اختفى. حتى هذا البار الذي خرجت منه الآن. استقدم تسمية من العاصمة. من بار في منطقة ميسوني. بار القبلة. بيزو. لو ألتقي تلك اليسارية. لو أجد رقم هاتفها. ماذا سأخبرها لتلتهب. أقول: يا رفيقة؟ لأعود أدراجي نحو العتمة. آه توحشتك يارفيقة سعاد. توحشتك وحق الكسرة والطعام. تذكرين ذلك؟ تذكرين ” أنا أنا بلاّرة” ؟ عندما لا تفهمين عباراتي. أهذي الآن. تعذبت طويلا كما لم أظن. لكني أحفظ كلامك جيدا. البْلاد. تعرفين هذه أسوأ كلمة نطقتِ بها. أما الثورة فقد التقيت بسجين ساخر قال “اسمع، قول لينين وماركس يجيبولك الدخان..” ضحكت. شاركته نوبة الضحك تلك وأنا أتذكر أول هدية أخذتها منك “البيان الشيوعي”. تذكرت الأفلام التي شاهدناها معا في غرفتنا. تذكرت كل حماقاتنا. ذلك اليوم على السلالم. في باب الواد. لما تشاركنا رسم تشي غيفارا. قلت يومها:

         مات من أجل الإنسانية.

 

أزعجتك وأنا أقول:

         وشى به أحد الرعاة الذين قضى حياته دفاعا عنهم.

 

كشرت في وجهي:

-وليكن. لقد كان يحارب العبودية. من الصعب أن تقتلعها من وجدان أناس بسطاء. ولدو وعاشو تحتها. لكنه أنار الطريق للملايين بعده. لقد احترق. ولايزال يضيء.

 

قلت لأبتعد عن الجدال:

         سعاد. يالحارّة. تحبيني يالحلوفة؟

 

ضحكت وطوت الورقة وراحت تردد أغنية “السماء تبكي”. تلك الأغنية العظيمة. التي لطالما تذكرتها بينما تبكي علي السماء في فناء السجن. هذه الفتاة مدوخة. جعلتني أدفع الثمن.

الآن أنا هنا. بعيدٌ في الجنوب. وصلت قبالة الباب لحمر. باب الجحيم. باب يشبه الورقة التي تكتب عليها أسماء الإعدامات في زمن الاستعمار. كان مهجورا بالكامل. لم يعد بداخله غير المشردين. وباعة الحشيش. وقمامة هذا الحي. وبراز الكلاب الضالة. ألقيت نظرة على تلك الغرفة. وغادرت.

لم يكن من سبب لأسأل عن ريتا. غادرت نحو المحطة. غادرت دون أن ألقي نظرة على البيوت الأخرى. كأني اهرب من عتمتها. من ذلك الظلام الخانق الذي يمكن أن تختطفني فيه مومس. ذلك الظلام الذي أراه أمامي الآن.

فتحت فيسبوك من هاتفي لأكتب رسالة. لأخبر “الرفاق” أني خرجت من السجن. أُبْعِدْتُ إلى هنا كي يزداد عذابي. كي لا أسمع أخبار أحد منهم. لم أستطع الدخول. فتحت صفحة جديدة. لكني لم أعثر على أسماء الأصدقاء الذين أعرفهم. أين أنت يا سعاد؟ راني نتوحم عليك يا كبولة…

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …