الخميس، 24 أكتوبر 2019

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

وسيلة سناني

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من الرّوائيين الجزائريين، لا وبل تخرج بموضوعها عن جغرافيا الجزائر، ولا نكاد نجد خيطا مباشرا يربط موضوع الرواية بالجزائر.

تقتل آمال السائد الرّوائي الجزائري في هذه الرواية وتحمل الجزائر بطريقة غير مباشرة واحدة من الهمّ الإنساني مادامت تعالج موضوعا يعكس العالم كله وإن انطلق من بقعة جغرافية معلومة في هذا العالم، فما هو هذا الموضوع الإنساني؟ وكيف عالجته الكاتبة؟ وماهي إسقاطاته الآنية من وجهة نظر الكاتبة والأبعاد التي تصنعها للقارئ

موازاة الفرح والحلم والحياة بالمآسي والفقر والتّشرد هو صلب موضوع رواية آمال بشيري …حيث انطلقت من هذا الموضوع الإنساني الذي مكانه كوبا من خلال رسّام حالم حدّ الغرابة، لم توقفه الظروف التي يعيشها عن الحلم بملاقاة بيكاسو في إحدى قرى جنوب فرنسا. لكن المفارقة الكبرى التي صنعها سرد آمال في نهاية الرواية أن الرسّام ألفارو تراجع عن حلمه لما صار بين يديه وسعى إليه بشتّى الطّرق، لكن تلك الطريق الأخيرة التي قادته نحو بيكاسو وكادت أن تجعل الحلم حقيقة أوصلته إلى قمّة النجاح الذي لم يعد يولي من خلاله قيمة للقاء بيكاسو والنظر في عينيه وأن يقول له “أحبك وأنت أعظم فنان عرفه التاريخ”، كما كان يريد.

ترك ألفارو هافانا ومحبوبته إيزابيلا هناك وتزوج من عجوز فرنسية ليحقق حلمه بالذهاب إلى جنوب فرنسا ولقاء بيكاسو ثم تتصاعد عقدة الرواية عندما يجد أن أمر لقاء بيكاسو الموجود على بعد خطوات منه في تلك القرية أمرا شبه مستحيل كما أخبره “أوخينيو” الحلاق الخاص ببيكاسو، لأن بيكاسو رجل موسوس لا يحب لقاء الناس، ويبقى غالبية الوقت في بيته للرّسم، ولا يخرج إلاّ لحضور مباراة مصارعة الثيران مرّة في الأسبوع، وهنا قرر ألفارو أن يصبح “متادورا” ويدخل حلبة مبارزة الثيران حتى ينال إعجاب بيكاسو ويقبل هذا الأخير بلقائه، وهكذا ودون أي سابق تجربة قفز ألفارو إلى حلبة المصارعة مع ثور هائج في مباراة حضرها بيكاسو وانتصر على الثور وسط هتافات وتبجيلات الحضور. في لحظة الانتصار هذه أحسّ بنشوة كبيرة أبعدته عن بيكاسو، وأحسّ بأنه هو نفسه كائن خرافي، وهنا رمى ذلك الحلم بملاقاة بيكاسو الذي لم يعد يعنيه في شيء وخرج من المدرج وقرر أن يرحل إلى غرناطة ليتعلم ويصبح “متادورا” كبيرا، فتصنع نهاية الرواية مفارقة كبيرة لحل العقدة.

غلاف الرّواية
غلاف الرّواية

من موضوع الرواية الغارق في الحلم والدهشة إلى البناء الفنّي الغارق في المتعة بطريقة عذبة وسلسة في سرد الأحداث والحبكة وصعود العقدة ثم تلك المفارقة التي تحدثها نهاية الرواية، كلّ هذا البناء كان مناسبا للحديث عن العذابات الإنسانية في كوبا، في فتح أبواب الحلم وصنع المفارقات عبر هذه الأبواب، حيث رافقت الرواية معاناة الإنسان الكوبي من خلال هذه القصّة التي تعود بنا إلى زمن تشي غيفارا في كوبا، زمن النضال والحلم بالرغم من الفقر والمعاناة، فتبدو هافانا العاصمة شعلة من الحياة والفرح مع أناس يحسنون الحلم والمقاومة.

قدمت بشيري قصة هذه الرواية بأسلوب فنّي ولغة روائية دقيقة، من الوصف إلى سرد الأحداث إلى الحوار، وجعلت من القارئ يعيش أجواء وتفاصيل المكان والزمان ويعايش الشّخصيات كما لو كانت حيّة تتحرّك أمامه، وأية شخصيات؟ فكلها شخصيات غير عادية مقارنة باختلاف البيئة والثقافة الكوبية أولا وأيضا كونها مختلفة بين الرسام ألفارو الذي أخذه جنون الحلم وشخصية إيزابيلا المجنونة كما يصفونها وهي حبيبة ألفارو التي عاشت ظروف اليتم والعوز، ثم طومي الرجل “المثلي” الذي لم يكن بريئا بل انتهازيا ومستغلا لظروف من هم حوله، وغيرها من شخصيات الرواية الأخرى التي تراوحت بين هافانا وجنوب فرنسا. تمكنت الرواية من نقل خصوصية الآخر في أمريكا اللاتينية بكل تفاصيلها الثقافية. والزمانية.

وبهذه التجربة الروائية الإضافية لآمال بشيري يكون النص الروائي العربي قد قدّم صوتا كتابيا إنسانيا لم يقع في فخّ الخطاب النسوي الذي تتقوقع بداخله جلّ الكتابات النسائية العربية، حيث تجاوزت آمال الخطاب النّسوي وأدركت أن مكانة المرأة هي بمباشرة الفعل في الشراكة الإنسانية وإظهار ما تحاول النسوية الإقناع به من الاحتجاج والتبرير إلى التمثل الفعلي. فكان موضوع الرواية وتفاصيلها في “خفافيش بيكاسو” فعلا كتابيا يلغي التصنيف بين الكتابة النسوية والكتابة الرجالية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …