الخميس، 24 أكتوبر 2019

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي

أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام مستبد، جامد وجاهل، نظام متخبط، يعاني من قصر نظر، يراهن على الفوضى والشّعبوية.

منذ أسابيع يتابع الجزائريون حملة مضادّة، تسعى لاحتواء الحراك بطرق بدائية، و جاهلة بمبادئ العلاقات العامة وإدارة الأزمات، محاولة إبعاد الأنظار عن القضايا الجوهرية لصالح مواضيع هامشية، غرضها التحايل على المواطنين بجعلها مادة للاستهلاك الإعلامي الواسع، متغاضيا عن كلّ المستجدات السياسية البديلة، فارضا نوعا من الجمود على الحياة الاجتماعية والسياسة بأسلوب شبيه بذلك المنتهج خلال العهدتين الأخيرتين للرئيس المستقيل وحاشيته.

إن معايير وأطر الممارسات السّياسية قد عرفت تحوّلات كثيرة لدى أكثر الأنظمة السياسية عراقة، تحت إيقاع التحولات الاجتماعية المتنوعة، لكن يبقى للحالة الجزائرية نكهة خاصة. آخر الخرجات غير المحسوبة كانت من نصيب وزير التعليم العالي، والذي أصبح يحظى بشهرة التربع على عرش ترتيب أكثر الشّخصيات إثارة للجدل.

لقد عاد بقوة بحر هذا الأسبوع بقرار إحالة الأساتذة الجامعيين الذين يتجاوز سنهم الخمس وسبعين إلى التقاعد، بعد أن قدم حصيلة مربكة عن واقع المكونين في القطاع. 50% من المحالين قسرا على التقاعد من الأساتذة المحاضرين وأساتذة التعليم العالي، وهي أعلى الشهادات الممكن تحصيلها بالنسبة للأستاذ الباحث (عدا الجامعيين الاستشفائيين).

لا يخفى عن المهتمين بالشأن الجامعي في الجزائر المشكلات التي تنخر جسد القطاع: ضعف تكوين، رشاوي، محسوبية، وغيرها من الممارسات التي أصبحت تسيء لجلالة “الجامعة الجزائرية” أكثر من أي وقت.

ما اضطر الكثيرين من كبار الباحثين الجادين والمثقفين الفعليين إلى نفض أيديهم من قداستها، حفاظا على ما تبقى لهم من كرامة إنسانية، وفكرية، تمنعهم من المشاركة في الجرائم التي ترتكب يوميا في حقّ البحث العلمي. دفع الكثيرون ملف التقاعد، استقال آخرون لم يتمكنوا من تجرع المزيد من قبح الممارسات المشينة، في حين يعز على الكثير ممن يواصلون مواجهة واقع “الأمر الواقع” بخبرة السنوات أن يتركوا قطاعا يراهنون عليه وعلى الشّباب الدائم الملازم له، على الرغم من كلّ مساوئه.

عرفت السّودان فعلا مخلا مشابها قبل أزيد من عقد، حين خرج قرار لإحالة الأساتذة الجامعيين الذين وصلوا السّتين على التقاعد، بسبب أزمة إقتصادية، سيناريو مشابه لما يحدث اليوم في الجزائر، بقرار إحالة أساتذة جامعيين “مسنين” على التقاعد الإجباري، لامتصاص أزمة البطالة التي يعيشها حملة الدكتوراه الجدد. أزمة تعرفها جامعات كثيرة حول العالم، لكن بالمقابل لم نسمع بحكومات تحترم نفسها تعفي خبراتها الأكاديمية.

إن أزمة الجامعة الجزائرية هي انعكاس لأزمات الجزائر وسقطاتها، نتاج لتسيير مبني على البحث عن الحلول الاستعجالية، وتحييد الفكر عن الحياة السياسية. آخر استثمار في القطاع، كان بناء جامعة “في كل بلدية” وبه تمّ القضاء على الرّوح الأكاديمية المميّزة للجامعة كمؤسسة فكرية، لتجد الجامعات الجديدة نفسها في متاهة نقص رهيب في الباحثين المفكرين المبدعين (إن لم يكن ذلك السّبب أساسا في إيجادها)، ملأ فراغهم حملة شهادات شوفينيون حوّلوا هذه البنايات الجديدة لأوكار لممارسة فكر أحادي، جامد غير مبدع، سلبي وفي خدمة الأقوى.

إن القرار الأخير المثير لوزير التعليم العالي هو بحقّ آخر المسامير التي ستدق في نعش “جلالة الجامعة”. لم يحلّ تشومسكي على التقاعد، ومازال هابرماس يبحث، ينتج ويناقش كافة القضايا، ولم يطلب منهما أحد أن يخليا الساحة لمن هو أصغر، ببساطة لأن ساحة الفكر تتسع بما فيها. على جميع الفاعلين والمهتمين بالشأن الأكاديمي في الجزائر التفكير جديا في جدوى وجود تعليم عال في الجزائر، لأن المؤكد ان عشرين سنة من حكم رجل غير مثقف، كاره لكل أوجه الثقافة والفكر، قد أنبتت زروعا بقدر الفراغ الذي نثره.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بابيشة

آخر فيلم في زمن بوتفليقة يحكي عن “بابيشة” تائهة

يُثير فيلم “بابيشة”، منذ أيّام، نقاشات متضاربة فيما بينها. يروي الفيلم قصّة فتيات يقطنّ في …

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

قضى الإنسان قرونا في محاولة ترويض الطّبيعة. لم يتحلّ دائما بأخلاق الفوارس في مواجهتها، كما …