الإثنين، 18 نوفمبر 2019

إيلين مختفي: المتسبّبون في تأخّر الجزائر هم الأشخاص الذين سبق لهم أن حرّروها

حوار: أوجيني بورلي وماري فوكي. ترجمة: جلال الدّين سماعن

إيلين مختفي
إيلين مختفي

بعد 132 سنة من الاستعمار تخللتها سبع سنوات من الحرب ضد فرنسا في سبيل نيل حريتها، انتزعت الجزائر استقلالها العام 1962. بعدها، ولعقدين من الزمن، تحوّلت عاصمتها إلى نقطة التقاء لكبار الشخصيات الثورية المناهِضة للاستعمار. في كتابها “الجزائر العاصمة، عاصمة الثورة”، تقوم إيلين مختفي (Elaine Mokhtefi)، تلك الشّابة الأمريكية التي وصلت إلى باريس ثم الجزائر إبّان الخمسينات، برواية حياتها اليومية خلال هذه الفترة من تاريخ البلد؛ فترة غنية، معقّدة ولا يزال يشوبها الكثير من الإبهام.

في 1951، وصلت إيلين مختفي إلى فرنسا لمواصلة دراستها؛ كانت تبلغ من العمر 23 سنة وكانت آمالها كبيرة في هذا البلد الأوربي الذي لطالما رسمت عنه صورة مثالية. لكنها سرعان ما اكتشفت بُعدا ثقافيا وتاريخيا فرنسيا كانت على جهل تام به.

هذا النّص الذي هو عبارة عن مزيج من الشهادة التاريخية، السياسية والشخصية؛ هو قصة شابة عرفت، منذ البداية، الالتزام ضدّ العنصرية والاستعمار. فعلت ذلك بصفتها صحافية، مترجمة وكشخصية ديبلوماسية. في كتابها هذا، تُزاوج إيلين مختفي بين نبرة السيرة الذاتية، التحليل السياسي والإضمار الشخصي لتغوص بنا عميقا في شبابها الأمريكي وتسافر بنا من خلال وصفها ليومياتها المفعمة بالرحلات، بالاستكشاف وباللقاءات. كانت، على سبيل المثال، من بين منظّمي المهرجان الإفريقي الذي احتضنته الجزائر عام 1969، كما أنّها تكّفلت شخصيّا بالهجرة السريّة التي قام بها إيلريج كليفر (عضو قيادي في حزب البلاك بانترز) نحو الجزائر.

أشهر قليلة قبل الحراك الشعبي الجزائري ضد نظام بوتفليقة (فيفري 2019)، نشرت إيلين مختفي كتابها “الجزائر العاصمة، عاصمة العالم الثالث”(Algiers, Third World Capital)، في كل من إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية. بعدها بأربعة أشهر صدرت الترجمة الفرنسية تحت عنوان “الجزائر العاصمة، عاصمة الثورة” (Alger, capitale de la révolution)، منشورات لاديكوفارت في فرنسا ومنشورات البرزخ في الجزائر (جوان 2019).

عنوان كتابك الأصلي الجزائر العاصمة، عاصمة العالم الثالث يختلف عن عنوان الترجمة الفرنسية، هذا الأخير يغلب عليه البعد السياسي – “عاصمة الثورة”. لماذا تم اختيار هذه الترجمة؟

إيلين مختفي: في نوفمبر 2018 التقيت بإيريك هازان، مدير دار نشر لافابريك. قمت بنفسي بالتّرجمة الفرنسية قبل أن تقوم الدار بتصحيحها. هذه الأخيرة هي من قام باختيار العنوان وكان اختيارا صائبا بالنظر إلى المظاهرات التي تشهدها الجزائر حاليا. النسخة الأصلية من الكتاب نُشرت من طرف دار فيرسو (Verso) الإنجليزية وهي أيضا من اختار عنوان الكتاب. في البداية عنونته “من نيويورك إلى الجزائر العاصمة: رحلة حالمة”؛ غير أنّ القائمين على الدار أرادوا جملة ذات دلالات سياسية أكثر.

ألّفت هذا الكتاب على شكل قصة تروي مسيرتي الشخصية، مذكراتي، في الوقت الذي كان زوجي، مختار مختفي، يكتب كتابه في الغرفة المجاورة (عنوانه: كنت فرنسيا – مسلما: مسيرة جندي في جيش التحرير الوطني). صدر كتابه في الجزائر عند منشورات البرزخ وهي نفس الدار التي أصدرت في جوان الماضي كتابي بالموازاة مع الإصدار الفرنسي. كنّا، أنا ومختار، نقرأ وننتقد بعضنا بعضا. لم يكن يعرف إلاّ جزءا من حياتي. كوني أمريكية، كنت على علم بأنّ ما سأرويه يكتسي أهمية خاصّة. لم يعرف الأمريكيون حرب الجزائر، جهلهم بها كان كبيرًا، كما أنّهم كانوا يظنّون أنفسهم فوق الجميع بعدما تخلّوا عن الفليبين. بالرغم من كينيدي وخطابه الشهير، بالرغم من الصفحات الأولى للنيويورك تايمز، بقيت الجزائر مرتبطة فقط بتاريخ فرنسا. الكلّ كان يدعم هذه الأخيرة ولا أحد كان يعرف الجزائر أو كان على علم بما كانت تمثّله في تلك الحقبة.

يُحيلنا العنوان الفرنسي لكتابك على عنوان الشريط الوثائقي الذي أخرجه محمد بن سلامة، عنوان استلهمه بدوره من الجملة الشهيرة للثوري الغيني أميلكار كابرال: “الجزائر العاصمة، مكّة الثوّار”. هل هو تلميح متعمد؟

نعم، هو تعبير لأميلكار كابرال القائل بأنّ الكاثوليكيين يذهبون إلى الفاتيكان، المسلمون إلى مكّة والثوّار إلى الجزائر العاصمة. وكذلك كان الحال سنوات الستينات. بين سنتي 1962 و1963 استقر في الجزائر العاصمة الكثير من مناضلي الحركات التحررية والذين كانت بلدانهم الإفريقية واقعة تحت نير الاستعمار. تكفّل جيش التحرير الوطني بتكوين عسكريين في الوقت الذي كانت فيه جبهة التحرير الوطنية تكوّن دبلوماسيين ورجال سياسة لهذه الحركات التحرريّة المناضلة لتحرير شعوبها. كانت دولة الجزائر بمثابة بؤرة مقاومة ضدّ فرنسا الإمبريالية. لم تُرد هذه الأخيرة التفريط فيها بعدما قصم ظهرها خسارة الهند الصينية وسقوطها في معركة ديان بيان فو. كانت فرنسا في حرب طيلة ربع قرن، من سنة 1939 إلى غاية استقلال الجزائر (1962)؛ هو أمر صعب التصديق. حظيت فرنسا بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وكان جيشها يحتل الترتيب الرابع في العالم على عكس الجزائريين الذين لم تكن لديهم إلا بعض البنادق.

تفتتحين كتابك بفصل عن باريس أين كان لك أولى الاتصالات مع جزائريين. فيم تكمن أهمية بداية نصّك في هذه المدينة عوض الجزائر العاصمة؟

عشت في باريس مع زوجي لسنوات طويلة، من 1974 إلى غاية 1994. ثم انتقلنا للاستقرار في نيويورك. اكتشفت باريس كطالبة جامعية وانجذبت أيما انجذاب للثقافة الفرنسية. لكنني يوم حللت بها وجدت شيئا مغايرا تماما لما كنت أتصوّر وهو الحال دائما حين يسافر المرء… في باريس اكتشفت الاستعمار والمظاهرات وسرعان ما أيقنت بأنّ ثمّة مشاكل استعمارية. ربما أضفيت الكثير من المثالية على فرنسا، عصر الأنوار مثلا… وجدت نفسي إزاء حقيقة مختلفة جذريا. كان هنالك شعب وثقافة من الدرجة الثانية يحاولان التحرّر. في كامل أوربا كان كل فرد يعلن انتمائه. كان يجب أن نساعد وأن نناضل من أجل تحرير الشّعوب من حقد الاستعمار.

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

ماهي صورتك الأولى عن الجزائر؟

وصلت إليها ليلا. أنا ومن معي كانت أول زيارة لنا لهذا البلد. نزلنا على مقربة من الفندق في شارع من الشارعين الرئيسيين للجزائر العاصمة. ونحن ننظر حولنا، اكتشفنا مدينة عصرية وهو شيء فاجئنا. لست أدري ما الذي توقعنا رؤيته بالضبط… قبالتنا كان هنالك مقر البريد المركزي وهو بناية ذات طراز نيوكولونيالي. كان قد سبق لي زيارة إفريقيا جنوب الصحراء أين لم أجد تقريبا أيّ بناية مهمّة؛ كانت مدنا مبنية بشكل سيء، على غرار داكار. في المقابل، كانت الجزائر العاصمة مدينة مبنية بشكل لافت. مدينة فيها الكثير من الحداثة: سكك حديدية، مطارات، مسارح، جامعات، مبنى الإذاعة والتلفزيون. أمكننا القول بأنها بلد متوسطي أوربي، حتى ولو كانت هذه الرؤية صرفة فوق اللزوم. كان هنالك مليون مستوطن لذلك فكلّ الهياكل شيّدت لمصلحتهم ومصلحة فرنسا. لم يكونوا يكترثون بالتسعة أو عشرة ملايين جزائري. وإذا ما قرأتم مذكرات زوجي مختار فستدركون إلى أيّ مدى كان الأمر صعبا للغاية.

كانت إمكانية الثقافة العالمية المقترحة من طرف فرنسا في الثانوية مختلفة كليّا عن تلك التي عرفها في قريته! لم يكن والداه يتكلمان اللّغة الفرنسية… كان على وعي بهذه الهوّة ولم يكن الأمر هيّنا بالنسبة إليه. القلة القليلة من الجزائريين الذين كان لهم الحظ في مواصلة دراستهم يروون كلّهم نفس القصة. عموما، كان الأمر متعلقا بأستاذ يكتشف التلاميذ المهمّين، ضف إلى ذلك ضرورة الحصول على منحة للتمكّن من ولوج الثانوية. أحيانا تكون المدرسة بعيدة جدا عن المنزل وهو ما يحتّم على التلميذ التسجيل في النظام الداخلي. كثيرا ما سمعت هذه القصة، وحتى ألبير كامي يرويها في كتابه “الطفولة الأولى” (La Première enfance). غداة الاستقلال، خصّصت الجزائر أموالا طائلة لميدان التربية والتعليم. بل إنها وخلال السنوات الأولى من الاستقلال كانت البلد الأوّل في العالم من حيث الميزانية المخصّصة للتعليم. يومها لم يكن هنالك مدارس باللّغة العربية فكان لزاما الحفاظ على اللّغة الفرنسية لكن مع إدخال اللّغة العربية وتلقينها لشعب أميّ.

تماما، ففي مقطع من كتابك تروين كيف أنّك كنت تساعدين أناسا على ملأ استماراتهم في المطار وذلك في كل مرة تزورين فيها الجزائر.

نعم، حتى والدتي التي لم تكن تتحدث الفرنسية بطلاقة كانت تملأ استمارات حين كانت تزورني. كان الأمر عاديا طوال الفترة التي كنت أسكن فيها في الجزائر. يروي زوجي في كتابه قصّة طفولته وكيف أصبح عضوا في جيش التحرير حتى يوم الاستقلال. كان له ستة إخوة لكنه كان الوحيد بينهم الذي لم يتوقف مشواره الدراسي في حدود المدرسة الابتدائية. يومذاك، كانت المدرسة حِكرا على الفرنسيين وحُرم منها الجزائريون (باستثناء أولئك الذين قدّموا خدمات لفرنسا فكان بإمكانهم إرسال أبنائهم للدراسة). غداة الاستقلال، بلغت نسبة الأميّين في الجزائر 90% وهذا بعد 132 سنة من الاستعمار، فترة عملت فيها فرنسا على إفقار الشعب الجزائري ليس فقط على الصعيد الثقافي بل على الصّعيد التّربوي أيضًا.

هل لك أن تحدثيننا عن الانقلاب الذي قام به بومدين سنة 1965؟ وماذا كانت ردة الفعل في المجتمع حينها؟

قبل الحرب، نظّم المناضلون اجتماعات لتحديد مجموعة من المبادئ. من بين هذه المبادئ: أولوية السّياسي على العسكري. لكن، حتى في زمن الحرب، سرعان ما استحوذ العسكريون على السلطة وتمكّنوا من فرض بن بلة مباشرة بعد نيل الاستقلال. كان هنالك الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. دخلوا إلى الجزائر العاصمة وحاولوا أخذ السلطة: هكذا غدا بومدين الرجل القويّ.

أعتقد بأنّ بن بلة قد خطّط وبسرعة لسياسته، فلم يكن يقبل بأي معارضة. قام بسجن الكثير من كبار المناضلين السابقين وبعضهم أبعده إلى الصّحراء. بل كانت هنالك طائفة حاولت القيام بانقلاب وشنّت شبه حرب عصابات. كان بن بلة رئيسا للدولة وفي نفس الوقت رئيسا لجبهة التحرير الوطني، إلخ. كان باديا للعيان بأنّه في استحواذ متواصل على السلطة، كما أنّه عارض عددا من أعضاء الحكومة الذين كانوا مقربين من بومدين، وبخاصة عبد العزيز بوتفليقة.

ثم في لحظة ما قرروا بأن يفعلوا شيئا ضده فتلاشت حينها الكثير من الأوهام. كان الشعب شاهدًا على وجود الكثير من القول دون الفعل، على الكثير من الوعود الكاذبة والتي لم تتحقق في أرض الواقع؛ غير أن ردّة الفعل لم تكن معتبرة. فتحرك بعض رجال السياسة وحاولوا إنشاء حزب سياسي سريّ إلاّ أنّه سرعان ما تم حلّه. تم أيضا تعذيب العديد من الجزائريين وسجنهم في حين أنّهم حرّروا البلد.

هل كنت ترغبين، في كتابك هذا، في توضيح جانب من التّاريخ خاصة تلك العلاقة التي استعدتها مع بلدك الأصلي، الولايات المتحدة؟ 

قصتي مع البلاك بانترز تكتسي أهمية بالغة. فجأة، شعرت بأنّني أمريكية مجددًا. هي واحدة من الأشياء التي أنا فخورة بها كوني شاركت فيها حين ساعدتهم على الاستقرار في بلد أجنبي. بعدها تواصلت قصتهم وأنا سعيدة لأنّني لعبت دورا بسيطا فيها.

في الولايات المتحدة، قام مكتب التحقيقات الفدرالي كل ما بوسعه لتدمير مكاتبهم وسجن الأشخاص الذين كانوا سيصبحون قادة في المستقبل؛ فعل كل ذلك من أجل سحقهم. لم يطل مقامهم بالجزائر ذلك أنهم وصلوا إليها عام 1969 في الوقت الذي كان نجمهم على وشك الأفول. ليس سهلا أن تقود معركة من خارج البلد. يومها، لم يكن هنالك كل إمكانيات الاتصال التكنولوجية التي نحوزها اليوم. كان من الصّعب أن تُسمِع صوتك هناك وأنت بعيد جدا في منطقة أخرى. لاحقا وبعدما تفرّق شملهم في الولايات المتحدة، كان لهذا الأمر أثر بالغ على الصعيد العالمي. إلاّ أنّ أفكارهم وتأثيرهم بقوا على حالهم.

في الحركات الحالية، على غرار حركة “حياة السود مهمة” (Black Lives Matter)، بإمكاننا العثور على تأثيرهم. لم تكن منظمة سياسية وحسب بل كانت اجتماعية أيضا. كانوا يقدّمون فطور الصباح للأطفال، ينظمّون زيّارات إلى السّجون، يقدّمون دروسا يدعون إليها شخصيات من طائفة السود للمشاركة فيها، كما أنّهم كانوا يعقدون اتفاقيات مع منظمات للبيض. لم يكن لديهم برنامجا عنصريا، بل بالعكس فقد سعوا إلى أن ينظم غيرهم إلى منظمتهم. كانوا يعتبرون أنفسهم ثوارا وفقط ولم يعتبروا أنفسهم البتة ثوارا سودا. كانوا وراء عدد هائل من الأفكار في الفلسفة السياسية والتي لا تزال تٌتَبنى وتُطبّق إلى يومنا هذا.

إيلريدج كليفر وإيلين مختفي
إيلريدج كليفر وإيلين مختفي

تشيرين في كتابك إلى ذلك التعاون الذي جمعك مع إيلريدج كليفر، كما تشيرين إلى الطريقة التي كان يُعامِل بها زوجته. حينها يتبادر إلى ذهننا السؤال المتعلق بتقارب النضالات. ماذا عن النسوية في ذلك العالم؟

هاجم الكثير من الرفاق إيلريدج لأنّه كان يعامل زوجته بطريقة فظّة جدا. اجتمع به رفاقه شخصيّا وانتقدوه بشدّة، لم يستسيغوا طريقته في معاملتها. قرأت بأنّ هذه المسألة تم التطرق إليها عند جماعة البلاك بانترز لأكثر من مرة، ذلك أنّ التوجه المضاد للمرأة كان أمرا شائعا بينهم. حين سألته لماذا يعاملها بتلك الطريقة أجابني: “هنالك أشخاص يتطلب الأمر بأن يعاملوا بهذه الطريقة”. هذا كذب واضح، لا أحد يُريد أن يُعامل بفظاظة! كان رده عصيّا على القبول. مع نساء أخريات، كان عاطفيا جدا، كان لبقا ويعاملهن باحترام. أمّا مع المرأة التي يمتلكها فقد كان الأمر شنيعا.

كل فرد يمتلك طريقتين في رؤية غيره من الأشخاص: يحترم البعض ولا يحترم البعض الآخر حين يعتقد بأّن لديه حقا ما تجاههم، عن طريق الزواج أو الرتبة في العمل… شخصيّا، لم أعاني من صعوبات محدّدة كوني امرأة هذا لأنني أمريكية في مجتمع كان ذو نزعة وطنية كبيرة. كانت حقبة خاصة وكنّا بحاجة ماسة إلى يد المساعدة. كان يتم الترحيب بأشخاص فقط لأنّ مستواهم التعليمي أكبر من مستوانا وكان يُكَّن لهم الاحترام أكثر من ذلك الذي تُعامل به الزوجة.

ما الذي كان يقرّب الأشخاص فيما بينهم خلال تلك الفترة؟ ونحن نقرأ كتابك، يخالجنا شعور بأنّ الدّين لم يكن بتلك الأهمية مقارنة مع الثقافة، وكمثال على ذلك المهرجان الثّقافي الإفريقي الذي نظمته الجزائر العاصمة عام 1969.

أخبرني زوجي بأنّ لا أحد كان يتحدث عن الدّين يوم كانوا في الجبال لتحرير الجزائر من فرنسا. كان شرط العدالة هو المحدّد الوحيد لسلوكهم أمّا الدّين فسيلعب لاحقا دورا مركزيا وذلك إبّان الحرب الأهلية سنوات التسعينات. الدّين كان دائم الحضور إلاّ أنّنا لم نكن نتحدث عنه، كنّا جدّ متفتحين وكان عندنا انطباع بأنّه في مقدورنا أن نغيّر العالم وبأنّ الأشياء التي تفرّق بين الأشخاص لم تكن مهمّة حتى ولو كانت هذه التفرقة تتم في صمت.

اليوم، لديّ انطباع بأنّ السياسة الثقافية غائبة حقًا. توجد منظمات لكن لا أثر للحماسة. تدريجيا أغلقت دور السينما وصارت نادرة في الجزائر العاصمة. توجد مهرجانات لكنها في كل مرة تدعو الأسماء نفسها. قد تتغيّر الأمور. ثمّة الكثير من دور النشر وهنالك شيء من حريّة الصحافة… غير أنّ المتسببين في تأخر الجزائر هم نفس الأشخاص الذين سبق وأن حرّروها منذ أزيد من خمسين سنة. من حسن الحظ انطلقت شعلة أمل في الأشهر الأخيرة.

 كيف تنظرين إلى هذه الهبّة الشعبية التي تعيشها الجزائر حاليا؟

تشجّع الجزائريون وخرجوا إلى الشّارع، الأمر مفرح وهو بمثابة ثورة ثانية. لا نملك إلاّ أن نتمنى بأن يتوصّلوا إلى تغيير النظام. أعتقد بأنّه سيكون هنالك تحسينات في الوضع. هل سيتمكنون من تخطي الجيش والعساكر؟ هذا سؤال آخر… المتظاهرون أيضا أقوياء فقد خرجوا بالملايين إلى الشارع ومازالوا يفعلون ذلك. أتمنى لهم حظا موفقا. يجب أن نتفاعل، أن نتحدث، أن ننظم إلى المظاهرات وأن نساهم في تنظيمها… في الجزائر كما في مكان آخر. في الولايات المتحدة، ازداد عدد الحركات منذ أن تولى ترامب زمام الحكم. أصبح الأشخاص أكثر وعيا بواجبهم حيال الأمانة فتوجهوا نحو الشوارع وانظموا إلى غيرهم من أجل مكافحة هذا النظام. لطالما كنت متأثرة بحرّيّة الفرد وحرّيّة الأمّة. حين نولد في مجتمع ما فنحن مسؤولون تجاه بني جلدتنا.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بوعلام صنصال

بوعلام صنصال ﻟ”نفحة”: الحراك يبعث على التفاؤل

حاوره: حمزة دايلي منحني الظّهر، يمشي بوعلام صنصال(1949-)، حاملاً كتبا قديمة في سترته الخفيفة، وكأنّ …

محمد بوشحيط

محمد بوشحيط: حول الأزمة

(كُتب هذا المقال قبل 23 سنة، لكنه لا يزال يصف واقعنا) يُصاب المُلاحظ السّياسي، خاصّة …