الخميس، 24 أكتوبر 2019

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

غادة بوشحيط

قضى الإنسان قرونا في محاولة ترويض الطّبيعة. لم يتحلّ دائما بأخلاق الفوارس في مواجهتها، كما أن نزاله ضدّها لم يكن عادلا على الدوام. احتمى بها تارة، وتزلف إلى ما حسبه علتها الأولى مخترعا الأديان تارة أخرى. لكنها لاتزال بكامل سحرها ورونقها تمارس هوايتها المفضلة في خلق الصّدف.

وعلى الرّغم من سيطرة النزعة العلموية، منذ أزيد من قرن ونصف، بريتم متصاعد، فلا تزال الصدف ملعبا يحتوي تمارين لعبة البشري الأول – الأبدي الأساسية: التفكير والإبداع.

برهن العلم على قدرته على رفع التحديات، وتحريك مركبة التحول الجذري والسريع للتاريخ كنتاج للممارسة البشرية، إلا أن هذه السطوة الظاهرية لم تقدر على الإجابة على كافة الأسئلة الوجودية، ولأن الثورة على التقاليد من الأمور العصية، فقد ظهرت تيارات تسعى إلى البحث عن المعرفة خارج “العلم –الآلة”، الذي أصبح يلتهم مساحات واسعة من خريطة الوجود البشري، جاعلا من الزمن بأبعاده الثلاثية مجرد هامش دون معنى.

حاول العلم السّيطرة على الصّدف بدراسة قوانين الاحتمالات، في الرياضيات، كما سعت الكثير من النظريات لتفسير الأخطار ومحاولة السيطرة على الصدف للحصول على ما يسمى بالخطأ / الخطر الصفري. على الرغم من ذلك كانت ولا تزال الصدف تضبط إيقاع الحياة الإنسانية. ومازال العلم يتطوّر في محاولة للسيطرة على الطبيعة وعلى الصدف. ما جدوى ذلك؟ وهل سيتمكّن العلم يوما من التحكم في الكون والطبيعة تحكما تاما؟

ما يميز الصدف أنها تفلت من لعبة التكهّن، تبقى مجهولة الإحداثيات، منها السعيدة ومنها الكئيبة. هي قدس أقداس الدراما. تثير النقاش والمواجهة بين العقول المؤمنة بها كمفهوم وعقول تستنكر الاعتقاد بها. يرى فيها البعض تفسيرا لشيء مكانه المستقبل، لم يحن أجله بعد، في حين يرى آخرون أن الاعتقاد بالصّدف هو من شيم العقول البدائية الجاهلة. وبين هذا وذاك تبقى الصدف آخر معاقل الطفولة، تحفظ جذوة الحلم والأمل من الأفول.

من بين القراءات الملهمة والمهمّة التي تتناول موضوع الصدفة وتدخلاتها الحاسمة مؤلّف للكاتب “إريك دورتشميد” بعنوان: “دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التاريخ – العامل الحاسم”.  مؤلف الكتاب يعدّ من كبار الصّحافيين ومراسلي الحروب النمساويين، اشتهر بكثرة حواراته وشهادته على الكثير من الأحداث السياسية والعسكرية في العالم. وإن كانت الصدفة من صنيع الطبيعة، لها شكل السحر ولون الغريب، فإن الغباء صنعة بشرية بامتياز، أو على الأقل هذه الفرضية التي سعى “دورتشميد” إلى البرهنة عليها في الفصول السبعة عشر لكتابه.

كتابه عبارة عن رحلة تاريخية خطية فيما يعرف في اللغة العسكرية ﺑ “العامل الحاسم” وهو الجزئيات التي بمقدورها حسم الفشل أو النجاح الحربي.  كان “حصان طروادة” الخديعة التي حسمت الصراع لصالح الإغريق على حساب الطرواديين (هذا الحصان عبارة عن آلة حربية أو منجنيق على الأغلب). لعبت الصّحراء دورا في حسم معارك صلاح الدّين لصالح المسلمين أمام الفرنجة في معركة حطين، والتي خرج فيها الصليب الأعظم من أورشليم ولم يعد. حسم المطر وأخلاق الفوارس القروسطية الصّراع لصالح الإنجليز أمام الفرنسيين في أجينكورت. أما اللغة فقد كانت سبب دحر الأتراك لجوزيف الثاني ملك النمسا في آخر حروبه لاستعادة البلقان. عوامل بسيطة، غبية وغريبة ولكنها لعبت دورا محوريا في تغيير وجه التاريخ.

لست أدري أيضا أي صدفة تلك التي جعلتني أركز في قراءة هذا الكتاب دون غيره في الأيام الأخيرة، حيث يلقي الحراك بظلاله على كل صغيرة وكبيرة في البلد ويعيد رسم وجه الجزائر الجديدة منذ اثنين وعشرين أسبوعا، ويتصادف أن يطول عمر الحراك دون أن يؤت ثماره، مجتازا الكثير من الامتحانات الصّعبة، التي راهن عليها كهنة المعبد القديم ليسترجعوا مجدهم، وتاريخ العبودية الوطنية معه.

العبودية الرياضة الأكثر شعبية للنظام منذ الاستقلال، والتي في سبيلها بذل الغبي والذكي، من استيراد للمشكلات والقضايا، إلى توزيع عادل للفساد. تجري نهائيات كأس افريقيا للأمم منذ ما يقارب الشهر، ولا يختلف اثنان على الدهشة التي أثارها تواجد الفريق الوطني الجزائري، وكيف تطور فيها حتى يصل اللقاء النّهائي. صعود لم يكن للصدفة فيه ولا ﻟ “الزَهر” محل من الإعراب، بل جاء بقوة وعزيمة أعتى الفرق وأحلك المواقف، صانعا بهجة ارتد صداها في كل قلب محبّ للساحرة المستديرة.

وإن أصبحت الرياضات عموما أديانا معاصرة، فالسّاحرة تعدّ حصة الأسد من المريدين حول العالم. لها صلواتها، إشراقاتها ونشواها. روحانيات جديدة ترسي للحقيقة المطلقة والسر الأعظم بوساطة من الدراما العفوية القائمة على الصدفة، في عالم تتحالف الآلات ورأسمال على انتاجه.

إن الزمن الثقافي العربي، كما يقول الجابري، لا يعرف قطيعة، تتجاور فيه المتناقضات، يتعايش القديم والحديث في سلم وأمان، ويرسمان أفق المعرفة. والجزائر لا تشذ عن الظاهرة، فهل سيسحق أفيون الكرة نقلة الحراك، لنعود نراوح أماكننا كمن لم يصنع شيئا، خصوصا وأن النظام المعرفي العربي عموما والجزائري على نحو خاص متشبع بتجارب الاستغباء الممنهج؟ هل ستحسم الكأس السمراء مصير الحراك لصالح النّظام؟ هل سيتسبب جلد منفوخ وبضع دقائق في القضاء على آمال وطموحات التغيير الجذري؟ هل تفلت صدفة تميز الفريق الوطني في اﻟ “كان” عن استحقاق وجدارة من غباء التوظيف السياسي ووأد أي مغامرة شعبية في سبيل إرساء الحد الأدنى من الديقراطية؟

سيكون من المؤسف ومن الغباء حدوث ذلك.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بابيشة

آخر فيلم في زمن بوتفليقة يحكي عن “بابيشة” تائهة

يُثير فيلم “بابيشة”، منذ أيّام، نقاشات متضاربة فيما بينها. يروي الفيلم قصّة فتيات يقطنّ في …

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …