الخميس، 24 أكتوبر 2019

الجزائر2 – نيجيريا1… على إنسان ما أن يموت الليلة

احميدة عياشي

يبحث الجزائريون عن فرح بأي ثمن.. لأنهم حُرموا من تنفّس السّعادة التي أغتصبت منهم مرات عديدة، عندما كنت الظروف تضعها بين أيديهم. ولأنهم كانوا صادقين أكثر من اللازم كانوا يضعون ثقتهم بين أيدي ولاة أمرهم، فيمنحوهم كلّ مفاتيح البيت وكل ما يملكونه من أثاث في البيت وهم مطمئنين وسعداء، في تلك الطمأنينة المبنية على حسنّ النيّة وطيبة السجية.

لكنهم في كل مرّة يفتحون فيها عيونهم يجدون حراس البيت قد خانوا الأمانة وظهروا في النهاية مجرد لصوص.. وكلما غضبوا وتطلّعوا إلى الخلاص يظهر حرّاس جدد، يدّعون حبهم لهم، لكن سرعان ما تسقط أقنعتهم في وضح النهار ويكشفون من جديد أنهم ورثة شرعيين للسراق السابقين..

أكبر سرقة اتفق عليها اللصوص، هي سرقة الثقة وسرقة البيت، أي في النهابة هي سرقة سعادة شعبهم..
من هنا ظلّ الشّعب تواقا للسعادة، وكلّ شيء يثيره فيه شعور السعادة يجعله مثل طفل صادق وأصيل، يكشف بقوة عن مصدره الأصيل وعن معدنه الحقيقي لربما استعاد وللأبد فرحه المغتصب..
عندما غادرت البيت بعد نهاية مقابلة الأمس بين الجزائر ونيجيريا، شعرت بالحبّ ينبض بقوة مفاجئة وهائلة بداخلي وأنا أرى الشّوارع تغلي بفرح شعبي، متدفق، هادر، سلمي، راقص وغامر يتجلّى في أجساد الشبان العارية، وفي حناجرهم الصّادحة، وفي ركضهم الذي ذكرني بركض حصان مسكون بالحرية، يحمل شعوره بالفرح في ذلك المطلق الذي يشع منه، لينفذ في روحي البهيجة الباحثة عن ذلك الكنز الغامض تحت جنح الظلام العاصمي المتلألئ..
فضلت أن أسير وسط تلك الجموع النابضة وحيدا، رفضت استعمال هاتفي المحمول لأخذ صور في ديدوش والعربي بن مهيدي وعميروش وحسيبة وكريم بلقاسم وزيغوت يوسف.. كل أولئك الشهداء كنت أراهم، عيونهم تتلألأ في ذلك الدجى الفاتح والمزركش بالأنوار..
فرح يتململ في أحضان الحراك الباحث عن شاطئ، عن محطة تنطلق منها الأفراح الأبدية، الخالدة، التواقة للحظة لا تزول بزوال الليلة الألف.. فرح الخلاص من كل محترفي لعبة السرقة والسرّاق..

بقيت أمشي، كنت أنا داخل أنا، أنا داخل كل الآخرين، كنت الآخرين داخل أنا المشتت، المخترق بشظايا. فرح لا أعرف متى سيدوم عبوره بداخلي، أرمي الخطوات، الخطوة تلو الأخرى وسط الأبواق والزغاريد التي تترامى أصداؤها من الشرفات، تلفوني يدق، يرن، لامعنى للجواب.. أمضي، أمشي على الرّصيف وفي الطرقات، لم يعد هناك من فاصل بين الطريق والرّصيف..
قرأت بعد الظهيرة على يد إدريس شاه (أخبار حكماء الشرق) أشتاق إلى لحظة جلوس أمام منبع في زاوية شارع مهجور، يرانا ولا نراه، شارع يشبه واحدا من البشر المتخفين وسط المولعين بالظهور، يتدفق منه ماء العقل والروح زلالا.. أجلس القرفصاء، أنسى كل هواجسي وأنا أراه يتساقط من لغتي العالقة بجسدي الظاهري مثل أدران يلمعها عرق أسود مشبع بالرطوبة، يتجلى بالقرب من المنبع شبح الحكيم، أمدّ له يدي، يبسط يده ويأخذني إلى تلك النفس، نفسي الضائعة مني في الزحمة، زحمة الأيام والمخاوف اليومية والثرثرة السياسية وضجة أصداء شبه الكلام المارق..الهدف الثّاني في شباك النيجريين، كان موتا وانبعاثا، هكذا يطوى الزمن النيجري لينبعث من صلب موته الزمن الجزائري وهو يتنفس رائحة الخالدين في رسومات الأهرامات الخرافية.. تتشابك الازمنة وتوشم بالأساطير التليدة والجديدة، بلماضي ورمسيس، محرز وبن مهيدي، ساحة الميدان وساحة البريد المركزي، مبارك وبوتفليقة، السيسي والقايد، واقعة الجمل وحادثة التونال.. صور وأطياف وأوهام وأفراح وأتراح وحقائق وخيالات.. تمرق الخواطر من جسدي مثل بروق خفية، مثل أصوات غير مرئية صاخبة وسط كلّ تلك الفوضى الصوتية المتناغمة..
أقرأ:
“على إنسان ما أن يموت الليلة..”
ها هو الدرويش يجتمع بمريديه قائلا لهم، بعد أن منحهم كلّ السرّ الخفي للعلوم.. حان وقت الاختبار، أمامنا رحلة طريق طويلة، تعترضنا كلّ أنواع النوائب، ضعوا في بالكم ما يلي: “علي أن أموت بدل الدرويش”.
كان يكفي الموت، ذكره كقربان حتى انفض من حوله المريدون، ولم يبق إلا واحد.. لما وصلا إلى مملكة حاكم جبار، تعرض المريد إلى محنة حقيقية، ألقي عليه القبض من قبل حراس الحاكم المستبد بتهمة التسرد، كان ذلك مطلب الحاكم.. كان المستبد يبحث عن ذريعة لاستبداده، كبش فداء، في الساحة حيث الجموع المرعوبة، يتقدم الجلاد ليقدم رأس المريد هدية، يظهر من بين الجموع الدرويش ويطلب من الحاكم فداء المريد بروحه، بينما المريد يصرّ على الموت بدل المعلم، اختار الحاكم، أرعبه أن يكون ذلك بطولة من الاثنين، قد تصبح البطولة مثالا وتهديدا لملكه وحكمه.. استشار بطانته، طلبوا منه الاستماع إلى الدرويش لمعرفة السرّ، فقال الدرويش مخاطبا الحاكم، إن من يقتل في هذا اليوم وفي هذا المكان يصبح خالدا، ولهذا فهو يريد الخلود له بينما المريد يجاهد من الخلود مريدا الموت..

تريث الحاكم ليخاطب نفسه (ولم لا أنا؟) أليس الحاكم أولى بالخلود من تابعه؟ قام بقتل نفسه بحثا عن الخلود، وكذلك فعل من هم حوله.. تركهم الدرويش يقتلون أنفسهم ليذهبوا دون رجعة وتسلل وسط الفوضى إلى خارج المملكة..
كان البحر هادئا، بينما السفن الراسية كانت تطلق الهدير المتلاشي في ليل العاصمة التي نهضت مثل امرأة تنهش جسدها البهجة وهي تبحث عن ذلك الفرح المغتصب.. فرح كان يعلقنا جميعا إلى سماء دونما حدود كما ذلك المصلوب.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بابيشة

آخر فيلم في زمن بوتفليقة يحكي عن “بابيشة” تائهة

يُثير فيلم “بابيشة”، منذ أيّام، نقاشات متضاربة فيما بينها. يروي الفيلم قصّة فتيات يقطنّ في …

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …