الأحد، 15 ديسمبر 2019

آرثر رامبو : المثلية ظاهرة شعرية

بثينة سرمدة

 

الشاعر الفرنسي المعروف آرثر رامبو (1854 – 1891) لم يكن مثليا, كتب الكثير من قصائد الحب للفتاة ذات العيون البنفسجية التي عشقها حين كان مراهقا، فامتلأ بحبها ليفيض شعرا جميلا؛ لم يكتب في الحب لغيرها، لكن ذلك لم يشفع له، فحين تذهب لقريته الصغيرة ( روش) في الشمال الفرنسي، و التي ولد بها الشاعر الصعلوك، ستتفاجأ بأن تمثاله الصغير المخلد لذكراه، المتوسط المكان قد نقشت على جبينه كلمة (PD) والتي تعني الشاذ المنحرف.

الشاعر رامبو

أهل القرية لم ينسوا علاقته الغرامية الوحيدة مع الكاتب الفرنسي الشهير بول فيرلين، لم يسامحوه على جرمه الكبير حسبهم، إذ أنه نام مع رجل وأضحى مثالا لشذوذ الجنسي في فرنسا، وتغافلوا عن كل المجد الشعري الذي صنعه لقريتهم المتواضعة، لم يتنازلوا عن حقدهم الكبير، رغم مرور كل هذه السنوات الطويلة على وفاة الشاعر القرصان، الذي هام في الحياة كاتبا ممجدا الشعر الفرنسي.

أمام التمثال توجد حجارة كثيرة، لا لشيء لأن أطفال القرية يتوارثون جيلا بعد جيل على رجم التمثال في محاكمة تاريخية لتجربة إنسانية. في الفيلم الشهير “الكسوف الكلي” والذي مثل فيه ليوناردو ديكابريو دور أرثر رامبو، يحيلنا العمل إلى العلاقة الجسدية التي كانت ما بين الكاتبين، إنه التلاحم الذي يحدث ما بين الواقع كحالة أدبية ومابين الحياة كظاهرة شعرية، لا يمكن وصفها إلاّ بالتجربة .

في الفيلم الهادئ، يتحدث فيرلين عن عشقه لعينين رامبو الزرقاوتين، كيف استطاع أن يرى ما خفي من كوكب الاستعارة، خلف تجليات النظرة قال له إني أحبك بعد أن شرب كأسين من النبيذ، قالها وكأنّ الحب بحاجة لمساعدة ما، لكي يعبّر عن نفسه .

أرثر رامبو لا يؤمن بالحب، يؤمن بالتجربة الحالية؛ فالحياة كأس يجب أن نشربه كله، لا يجب أن نحكم عن ذوقه، أو نحاول تحليل مكوّناته، يجب علينا أن نسكر أو نرقص فقط , حينها تأتي القصيدة التي هي ابنة الله …

الشاعر الذي لا يميل للرجال لم يستطع مقاومة دعوة أدبية لجسد، وقال له بكل بساطة : أنا لا أعرف الحب أن أعيشه. على الشاعر أن يلوّث الحياة، أن يبول على القيّم، عليه أن يرسم الضعف والأسى، لا يجب عليه أن يكون بورجوازيا، هكذا تحدث رامبو الى فريلين وهو يمتطيه فوق سرير فندق رخيس في باريس المتعالية… على الشاعر ان يكون رائيا متبصرا لحقيقته قبل حقيقة الكون، بعد هذه الكلمات هجر فريلين عائلته ولحق آرثر رامبو الى الريف الفرنسي، حيث مشيا معا وشربا الخمر وناما تحت ضوء القمر … كانا يصيحان الحياة ظاهرة شعرية … لا تتصوروا أن هذه التجربة كانت انتكاسة في حياة الشاعر البورجوازي، بل هي من صنعت شعر فرلين فيما بعد، ونصّب أميرا لشعراء فرنسا، بعد أن تخلى عنه رامبو، وعاد لحياته مع زوجته ومجتمعه الراقي، وكل ما كتبه فيما بعد كان وحيا من جسد رامبو …

رامبو رفقة فيرلين

رامبو ذو السابعة عشر من السنين الأبدي في الذكرى وفي الشعر . لقد نام آرثر رامبو مع السرمدية قبل أن ينام مع الجسد, هنا خرجنا من المحسوس إلى الوعي بالأنا, لذلك لم يعرف عنه أنه أقام علاقة مثلية بعد إن هجر فيرلين, و لم تكن العلاقة ما بين الشاعرين علاقة عابرة، بل كانت تجربة صوفية امتزج فيها المحرم مع الفضيلة, الشعر مع الرذيلة, لذلك استجابت الحواس لنبض القصيد استجابت لدقات الكون المتوحد في ذاته.

أختم ما كتبت ببعض من شعره : كنت أتمشى ويداي في جيبيّ المهترئين، معطفي هو الآخر صار مثالياً تحت السماء، يا ربة الشعر أسير مخلصاً لكِ وآهٍ آه . كم من حب رائع به حلمتُ. سروالي الوحيد به ثقب هائل، كنت في جولاتي مثل الصغير الحالم “عقلة الأصبع” أفرفط القوافي ، وكان مقامي في ” الدب الأكبر” وكان لنجوم سمائي حفيف جميل، طالما أصغيت إلى حفيفها، وأنا جالس على حافة الطريق في تلك الأماسي، من سبتمبر كنت أستشعر قطرات الندى على جبيني، كخمر العافية في الظلال الوهمية، كنت أنظم أشعاري أما قيثاري: فكنت أجذب شيئا طريا من حذائي الجريح، وأتكئ بقدمي على قلبي…

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

هيننغ مانكل: الحياة تكمن في الإبداع

زيت زيتون وتين مجفَّف من كرواتيا

زيت زيتون وتين مجفَّف من كرواتيا

زيت زيتون وتين مجفَّف من كرواتيا