الجمعة، 23 أغسطس 2019

فصل من كتاب “كونغو”

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

الخُبراء

هكذا، كل أربعاء، ولمدة شهور، يلتقي كلّ من كورسيل، مالي، بوش، كاسرَوْ، سزشنيي، لامبَرمونت، فيند، بينومار، كاسون، فان درهوفن، بِنافيل، سيربا بيمُنتيل، كابنِست، يلتقون بشكل ثابت، ويتشاجرون حول كلّ ما يخصّ حوض الكونغو. هذا لأنّ المؤتمر صار يقتصِرُ على هذا فقط، الكونغو. قضية ملك بلجيكا. يدرسون الجغرافيا، يُشاهدون الخرائط، يرسمون خُطوطاً وهمية على مناظر من ورق. يتحدّث المالِكون عن تلك الأجزاء متناهية الصغر والتي لم يملكونها بَعْدُ، أجزاءٌ من الألف مرسومة بالحِبر، سنتمترات على الخريطة تُمثّلُ أقاليم غريبة ومجهولة. وها هم قد بدؤوا يتحذلقون حول تصليح درج البيت، حول الواجهة التي يجب تجديدها، حول إصلاح عُلب البريد. أحدهم يتحدّث حول مصالح بلاده التي تقع في تقاطع خط طول 5° ودائرة العرض ’12 جنوباً، الآخر يتحدّث عن رسم خط من المحيط الأطلسي حتى تقاطع خط طول 1° ودائرة العرض 25’ جنوباً، خطٌ يذهب نحو الشرق حتى تقاطع خط طول °13 ودائرة العرض ’30، ثم يصعد نحو الشّمال على طول خطِّ الهاجرة حتى خط الطول °5، حتى يصل، ذات يوم، إلى المحيط ويجعل من كلّ هذا الورق المقصوص بالمقص بلداً شاسعاً حُراً، بلداً تجارياً –  بلداً خُرافياً.

كل هذا لا يزال مُجرّداً. يُغمغِمُ المستشار التقني للوفد الألماني ثلاث كلمات. تُهَزُّ الرؤوس. يترك الجميع شكاويهم الحدودية الصغيرة، حقوقهم للاستعباد. يجوب الجميع إفريقيا في كل الجهات بالعدسة المُكبِّرة. إذا، تجحظُ العيون. ما أكبرها! ما أجملها! جُرفٌ من الأحجام الحقيقية، من السواحل، من الغابات، من الأنهار، من البحيرات.

أنظروا لهؤلاء الرجال ببدلاتهم، جالسين على مؤخراتهم مثل قِردة، يُبدِّلون أصواتهم الحقيقية، يُكلّمون الشّيطان. إنّهم في آخر الدنيا، في برلين، ويتاجرون، مثل السّود، مثل العرب، مثل أيٍ كان! يتبادلون وتمتدُّ أياديهم في نفس الوقت بالأشياء التي يتبادلونها، وشيئاً آخر أيضاً. تمتدُّ أياديهم بتُحفٍ زجاجية، بالرّيش والجواهر، بالجنيهات الإسترلينية، بالمطّاط، وبشيءٍ آخر غير مرئي لست أدري ما هو.

*

منذ بداية المؤتمر، والجميع ينتظر بفضول وصول هنري مورتون ستانلي. الجميع رأى الصور الجميلة التي يقف فيها، البندقية في يده، مع زنجي صغير، أمام ثلاث صخرات ونباتات زينة. الجميع قرأ القارة الغامضة، الجميع كان متلَهِفاً للأخبار عندما ذهب يبحث عن ليفينستون؛ الجميع قرأ، مذهولاً، حكاية إنجازاته التي كانت تُباع بخمسة سنتات. سيأتي ستانلي بضع مرّات ليُقدِّم مُختارات من تجربته. سيُكلّمهم عن الكونغو. عن سيول الماء السريعة، عن الغابة، عن الأدغال، عن الزنوج. سينصِتون إليه مثل أطفال صغار طيّبين. ثم، وبعدما قصَّ حكاية السرخسيات الكبيرة، بعدما جذَّف في الكونغو والموبوبو، بعدما صعد بهم حتى أعالي نهرٍ ما على متن زورقٍ وقتَلَ خمسة عشر فرس نهر، بعد كلّ هذا قام أمامهم بتقديرات واضحة وملخّص عن الأرباح التي بإمكانهم انتظارها من الاستثمارات هناك. بقي الجميع مذهولاً. بعد العرائش، الوحل، ها هم في أعلى مكان فوق المِظلّة النّباتية التي تُشكلها الغابة، مدفوعين نحو السّماء، سعداء.

وخلال لحظة، بدأ الحاضرون يحلمون. يحلم مالي بالإنجليزية، التركي يحلم بالتركية وبونتاز بالبلجيكية. الجميع يحلم. مَدُّوا سِكَكَ حديد، أسّسوا مُدناً، وكالات تجارية، أوه لالا! الأمر يغدو سريعاً مع ستانلي! مع الحِسِّ الوحشي لستانلي، ولهجته الآتية من الضواحي، وخِبرته في الزوارق ومزارع الموز!

لكن ستانلي يخرُط، يدّعي. كل حساباته إدّعاء، إدّعاء تام. لا يفهم شيئاً في الحسابات، لا يفهم في التجارة، لا شيء في لا شيء. هو رجلٌ غريب، هنري مورتون ستانلي، اسمه اسم خشبة، بدلاتُ المستكشف التي كان يلبسها دارَت حول العالم، وستُباع حمّالاته في متاجر Sotheby’s.

يبدو أنّ حياتنا تنقصها خليّة صغيرة، أن معنى وجودنا يتسرَّبُ عبر ثقوب النّسيج. كما لو أنّ غياب خليّةٍ واحدة يقطع سلسلة الشروحات. ربما عبر هنري مورتون ستانلي المحيط آلاف المرّات في خياله، مُدِيماً بشكل غير محدود إقامته في الحلم، باحثاً، في ألوان ماضٍ لم يفهمه وفي الأعشاب البحرية الرائعة لوعيه، عن اختبارٍ أو إشارةٍ ما. وربما كان قد ذهب إلى عُمق الحزن، إلى الكونغو، آملاً أن يجِد نفس الإشارة، نفس الأثر، وربما جاءه، في بعض المرّات، ومثل كثيرين آخرين، انطباع أنّ شيئاً ما موجود هنا، بجانبه تماماً (شيء أصغر من حزنه الصّغير)، وبأنّه كان هنا منذ البداية، صامتاً، هشاً.

*

لكن المشكلة الأساسية، ليست حياة مستر ستانلي، ولا حالاته النفسية، بل معرفة حدود حوض الكونغو! معرفة أين يتوقّف الفردوس. سيُعْرَفُ هذا، لأنّ مستر ستانلي هو من اكتشفه! سَيَعْرِفُ حتماً أين يتوقّف. يُريهم ستانلي المُعِدّات، ينظر الأربعة عشر رجلاً ويسمعون. أربع عشرة أمّة مُنتبهة، إنّه لشيء مثير! ستانلي، بحِسِّه السّاخر، يعرف متى يُلقي النكات، كيف يهزُّ كتفيه، كيف يكون ساحراً. الملكة فيكتوريا لا تُحبّه، وهذه إشارة جيّدة. يجب القول أيضاً بأنّه موظّف ليوبولد مُقابل مئة جُنيه في السنة، إيه نعم، من المؤكد أنه، ومثل أيّ بطّال، قد قام بمقابلة عمل. قبله، استُقْبِلَ غوردون – باشا وكاميرون، لكنّهم أخذوه هو. ستكون مُهمّته في المؤتمر إقناع المفوّضين بتخيّل الكونغو بأكبر مساحة ممكنة. جيبٌ ضخم وسط إفريقيا. فقط من أجل ليوبولد.

ملك بلجيكا كان عاهِلاً دستورياً، مَنْذُوراً للبروتوكول؛ لم يكُن يريد أن يبقى هنا. لمُدّة عشرين عاماً، جاهَدَ لجعل بلجيكا الصغيرة تكبر. في أوروبا، كانت فُرص التوسّع، بالنسبة لبلده، معدومة، لذلك حاول إيجاد مُستَعمَرَة في مكان آخر. وهنا، خطرت بباله أكثر الأفكار غرابةً؛ خطّط أولاً لشراء قطعة من الكوكب من أحدهم، من أي شخص! فكّر في مكان ما في ريف الأرجنتين؛ لكن هذه الأخيرة لم تقبل. ثم جاءته فكرة شراء بورنِيو من هولندا. لا. تخيَّلَ أنه سيُؤجِّرُ الفليبين من إسبانيا، ثم يرى لاحقاً كيف يُبقي عليها؛ بدأت مفاوضات لم تُفضِ إلى شيء. ارتمى خياله لاحقاً على الّصين، الفيتنام، اليابان؛ لكن مؤسسة استعمارية أخرى في هذه البلدان كانت تحوز على وسائل لا يملكها شخصُ الملك ليوبولد؛ ولكنه، في الحقيقة، لم يكُن يُريد جعل مملكته تتوسّع، لم تكُن لديه هذه السُلطة، البرلمان البلجيكي والحكومة كانا يتمتّعان بالسيادة؛ كان يتكلّم باسمه إذاً، كليوبولد، صاحب حسابٍ جارٍ وبعض طُرُقِ الدفع، وانطلاقاً من هذا كان يُفكِّرُ في انجازاته. سيصِلُ به الأمر حدَّ أن يقوم بدورةٍ مُتخيّلة في جُزر المحيط الهادي، مُتَخيِّلاً بأنّه سيجِدُ هناك مكاناً يُؤسِّسُ عليه قوّته، لكن لا، لا شيء، ولا حتى في جُزر فيجي التي طمع فيها لبعض الوقت؛ كل العروش كانت مشغولة، بدا لوهلةٍ أنّ غزوةَ العالم قد انتهت، ربما كان قد وصل متأخراً.

لكنّه لم يتخاذل؛ وفجأة جذبت إفريقيا اهتمامه، بفضل الضوضاء التي صنعتها استكشافات سبيكي، ليفينستون، ثم ستانلي. كانوا يجتازون إفريقيا في كل الجهات، كانوا يريدون اكتشاف سِرّها، المنابع الساذجة للنيل، معرفة أين يقع قلب الغابة الكبيرة. لكن ليس لإفريقيا أي سرّ، لا أحد يملكه، ليست سوى دلتا، مصبّات أنهار ومستنقعات.

منذ قرون، تعلّم الأفارقة كيف يتصرّفون مع الأوروبيين الذين يتسكّعون بالقرب من سواحلهم؛ لكن الآن صارت أكثر القبائل بُعداً عن السواحل تسمع عن هؤلاء البيض. ومهما عاشوا بعيدين عن السيول السريعة، إلاّ أن الإشاعات كانت تصلهم، تتبع مجرى النّهر وتصعد إليهم. كانت تتشكّلُ علامة استفهام فوق كلّ القارة، ترتسم ببطء، مثل تهديد. لم يبدُ على القصب الذي يهزُّه الريح أنّه يعرف شيئاً، كان العالمُ كائناً مُظلِماً خلف قناعٍ من نور. الشر كان يظهر على شكل آلهة دموية، موتى نهِمين، حيوانات، لكنه لا يأتي لوحده أبداً، دائماً مُرافقاً بشيء آخر يجرُّه وراء ذيله المائل والهارب. يختلطُ سِرُّه بالعُشب المُبلَّل، بسحابة من نار، بالقرود الصائحة، بالغضب، بالقضيب الذي ينتصب، بالإعصار. لكن الشيطان الصغير الذي كان سيأتي لم يكُن يحتاج لا للضباع، ولا القرود، لا للمستنقعات، سيأتي ويُدْخِلُ بين البشر لأول مرّة نوعاً من الحذر.

كان الأفارقة يجهلون هذا الأمر، لم يكُن قد تجسّدَ بعد. كانوا بعيدين جداً عن دبلوماسيي برلين ومشاريعهم. الشركات الخاصّة كانت بعيدة هي أيضاً. رغم أنّ بعضها كان قد استقرّ مباشرة عند مصّبِ النهر. الذي كان هناك هو ستانلي وتلك الطريق التي كلّفوه بحفرها عبر الأدغال.

 

كونغو، إريك فويار، ترجمة صلاح باديس، منشورات البرزخ، الجزائر 2019.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …

يمينة مشاكرة : شاهدة على غرق السفينة

في  19 مايو تحلّ ذكرى رحيل الكاتبة الجزائرية يمينة مشاكرة (1949-2013) الكاتبة والطبيبة المختصّة في …