الأحد، 15 ديسمبر 2019

الشاطئ : حلبة جديدة بين الدين والفلسفة

أحمد عمراني

الشاطئ موضوع فلسفي مهم وجديد. قد يبدو للوهلة الأولى أنه موضوع سوسيولوجي أو أنتروبولوجي أو حتى قانوني، لأنه لم يظهر في تاريخ البشرية إلا في سنوات 1860 في أوربا، بينما لم يظهر في البلدان العربية إلا مع نهاية فترة الاستعمار أو الانتداب.

أصبح الشاطئ فضاء اجتماعيا جديدا للاستجمام، وليس كما كان متعلقا بالميناء والصيد والسفر والحرب؛ فقد انتقل من فضاء مرعب إلى فضاء ممتع. فضاء مرعب بسبب مخاطر البحر من غرق وقرصنة وقلة معرفة بالسباحة، وفضاء ممتع بعدما تغيّر نظام العمل، ليذهب مع العائلة ليوم أو أكثر، ليسبح أو لتَسْمّر بشرته، أو ليزهو بالموسيقى وبالشرب وبالرقص وبالسهر.


إذا قارنا بين فضاء الانترنت الحديث، الذي له تقريبا عقد من الزمان فقط، وبين فضاء الاستجمام في الشاطئ الذي له تقريبا نصف قرن تقريبا في العالم العربي، يتضح جليا أن العالم الافتراضي تحرّر بسرعة من قيود الحظر والمنع باسم العرف والدين. بل بالعكس كان للفضاء الافتراضي الفضل في تحرير المجتمع من قيود الممنوع والمحرم، بينما فضاء الاستجمام في البحر لم يسلم من تدخل تطبيق معايير الأعراف والدين والفتاوي. ويوجد محاولات لربط الشاطئ بالمسجد، وتقسيمه إلى مكان خاص بالنساء وآخر حكر على الرجال، أو تخصيص ملابس شرعية للمرأة المستجمة.

فالدين له حساسية كبيرة من الجسد، وهو أحد مواضيعه القوية حيث يتدخل فيه بقوة، فيحاول الدين تقنين العري؛ فلا يستطيع منع الذهاب للبحر، ولم يقدر أن يجعله فضاء إسلاميا وفق نظرة الشرع؛ فحال الشاطئ يشبه إلى حد كبير حال الحمّام. فرغم محاولات الفقهاء لتحريمه مثل ما فعل أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين، إلاّ أن المجتمع قاوم نظرة الفقهاء وواصل استعمال الحمّام. وبما أن فضاء الشاطئ ليس ملكا لأحد فكل التيارات تتجاذبه وتتقاسمه كحلبة. الليل لهواة الليل والنهار لشريحة أخرى من المجتمع.

وإذا كانت الفلسفة تنحصر في ثلاث مسائل مهمة : مسألة الحقيقة أو المعرفة ومسألة الأخلاق ومسألة المعنى من الوجود؛ فإن ظاهرة الاستجمام في البحر تدخل في المسألتين الأخيرتين : الأخلاق والمعنى من الحياة. وبما أن الدين والفلسفة يتصارعان مسألة الأخلاق، فإنّ الأسس الأخلاقية للدين في مجتمعاتنا العربية تمنع الفلسفة من مناقشة الشاطئ فلسفيا، وتبطل كل تدخل فلسفي في ظاهرة الاستجمام في الشاطئ. فمثلا لما قام الفيلسوف كمال داود بإلقاء محاضرة في معهد العالم العربي بباريس حول الجسد والعري في الشاطئ، لقي شذبا كبيرا من الجالية العربية الحاضرة في القاعة. فبمجرد الحديث، علنا أو كتابةً، عن ممارسة الحريات الفردية في الشاطئ يُعرّض صاحبه للنقد، وكأن الحديث عن الشيء تشريع له وتسويغ.

والنقطة الأخلاقية الثانية بعد الجسد والعري هي المرأة. لأنه تقريبا أغلب الممنوعات والمحرمات تطال المرأة أكثر من الرجل. وهذا يبيّن الثقافة الذكورية السائدة التي ترى في الرجل فاعلا ومقننا، بينما المرأة مادة وموضوعا سالبا، وتنطبق عليها إرادة الرجل.

فمن ناحية، تُظهر الثقافة الذكورية غياب ثقافة المواطنة والمسؤولية الفردية، حيث كل واحد مسؤول عن نفسه في الفضاء العام، ومن ناحية أخرى غياب ترسانة قانونية تحمي الفضاء العام من التوجهات الإيديولوجية، وتحمي الحرية الفردية فيه.

أما القضية الفلسفية الثانية في موضوع الاستجمام في الشاطئ، فتتعلق بالمعنى من الوجود؛ وهنا نسجل انتقالا مميزا من حيث التصوّر وليس الممارسة الاجتماعية للمعنى من الحياة. فالشاطئ مكان للذة والمتعة الجسدية بالأساس. وهذا من حيث التصوّر العرفي والديني أمر غير مقبول. فالمتعة مهما كانت في التصوّر العرفي والديني تخدم غاية ومنفعة اجتماعية مثلا متعة ممارسة الجنس للإنجاب والتكاثر القبلي والديني، ومتعة الاستجمام في الحمّام للغسل الديني أو للنظافة أو لتهيئة الجسد لأسبوع جديد من العمل، بينما متعة البحر لا منفعة اجتماعية وراءها. إنها اللذة من أجل اللذة. فانتقل معنى الحياة بالنسبة للعربي أو المسلم من تحصيل منفعة دينية أخروية أو دنيوية إلى المتعة في حد ذاتها. وهذا الأمر يشبه إلى حد كبير مسألة الأسفار، فبعدما كانت تُقام للتجارة وللمواسم الدينية أصبحت تُقام للذة والمتعة. وهذا تغيّر قوي في معنى الوجود والحياة بالنسبة للعربي والمسلم. والأهم من ذلك أنه تطوّر لا يتعلق فقط بالتصوّر بل بالممارسة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

بوعلام صنصال

بوعلام صنصال ﻟ”نفحة”: الحراك يبعث على التفاؤل

حاوره: حمزة دايلي منحني الظّهر، يمشي بوعلام صنصال(1949-)، حاملاً كتبا قديمة في سترته الخفيفة، وكأنّ …

محمد بوشحيط

محمد بوشحيط: حول الأزمة

(كُتب هذا المقال قبل 23 سنة، لكنه لا يزال يصف واقعنا) يُصاب المُلاحظ السّياسي، خاصّة …