الخميس، 18 يوليو 2019

صمت

جلال الدّين سماعن

حين كنّا صغارا،

نهاية تسعينات القرن الماضي،

ننتظر فيلم السّهرة بفارغ… الصّمت.

آباؤنا المحافظون كانوا ضدّ مشاهدتها،

لكن من حسن حظّنا أنهم كانوا ينامون مبكرا،

أرهقهم العمل البعيد وانتظار… الموت.

***

نُشعل تلفزيون ENIEM القديم في صمت،

نقطع الصّوت،

لأننا في مطلق الأحوال لم نكن نفهم تلك اللغة الأجنبية التي يبثّ بها الفيلم.

نخمّن ما يقولونه كلّما تقدمت القصّة،

وحدها مشاهد القتل لم تكن عصيّة على الفهم،

كذلك حال مشاهد القبلات… التي قطعتها يد الرقيب،

لكننا نشاهدها في خيالنا الذي لم تطله هذه اليد المتسلطة،

يكفي أن يقترب رجل وامرأة من بعضهما البعض فوق اللازم،

حتى نسيح بخيالنا بعيدًا.

***

هكذا إذا كبرنا،

في صمت،

وفي عالم متصحّر من غياب الكلام… والقبلات.

في المرّات النّادرة التي كانت مائدة الطعام تجمعنا،

لم نكن نتحدّث إلا لنطلب الملح،

الكلام الوحيد كان صوت الملاعق، أوامر للرضّع بأن… يصمتوا،

واصطكاك أسنان الآباء.

ينزعج الأبناء من هذا الصوت لكنهم لن يتجرؤوا أبدا ليبدوا أدنى ملاحظة حياله،

لكن الآباء يخمّنون ما يدور في خلدهم،

– تماما كما يخمن الأبناء ما يقال في الأفلام –

فيتعمدون المبالغة في إصدار ذلك الصوت المزعج،

في صمت مدوّ.

***

الأصوات الوحيدة التي كانت تصدر في البيوت كانت تذمّر الأمهات،

وأوامر الحماة.

كان هنالك أيضا أصوات الأبناء حين يشجعون أصغر الذكور على ضرب أصغر البنات.

لم يكن الكبار يتدخلون لوقف هذا الظّلم،

يلوذون إلى صمت تمامًا كالذي تبنته الثكنات العسكرية يوم كان الإرهاب يقتل الناس على بعد أمتار من أسوراها العالية،

وربما كانوا يتلذذون بما يبلغ مسامعهم من أصوات…

أقصد – طبعا – أصوات الذكور وهم يضربون الإناث.

***

كبرت على وقع هذا الصمت العميق/العقيم،

فأصبحت قليل الكلام،

وحين أضطر إلى قول شيء أتلكأ وأتلعثم،

كعجوز خرف أو كشريط كاسيت تالف،

حتى المئات من الكتب التي اشتريتها لم أقرأ معظمها،

كي لا أمنح صوتا للأصوات التي بداخلها،

أكتفي برصها في رفوف الصالون،

أقابلها وتقابلني في… صمت!

 

هامش

كبرت وتغيّر نوع الأفلام التي أشاهدها،

كبرت وأدركت أن للحمّام وللصابون استعمالات أخرى غير التي تعوّدت عليها،

إلا أن المشاهدة والصَوْبَنَة استمرتا في… صمت،

وفي أحسن الأحوال تُطلق حنفية المرحاض،

كي لا يسمعك أهلك وأنت تلبي نداءات الطبيعة،

على اختلاف أنواعها وتعدد “مشاربها”،

بالمناسبة: حتى صوت الحنفية هذا ليس إلا نوعا من أنواع… الصّمت!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يمينة مشاكرة : شاهدة على غرق السفينة

في  19 مايو تحلّ ذكرى رحيل الكاتبة الجزائرية يمينة مشاكرة (1949-2013) الكاتبة والطبيبة المختصّة في …

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …