الجمعة، 23 أغسطس 2019

يوم تافه… وأشياء أخرى!

جلال الدّين سماعن

على نافذة الغرفة،

لم تعد أمي تضع قشور البرتقال،

لتجفّ.

ما عادت أيضا تضع قشور الجوز في فمها،

ولا الكحل في عينيها،

لقد تساقطت معظم أسنانها.

أما شفتيها فقد،

جفتا.

جدتي بدورها لم تعد تخضب شعرها،

بالحناء.

ولا يديها، ولا قدميها.

ما عادت تكترث بزوجات أبنائها إذا ما هنّ فكرن في وضع شيء من..

الحناء،

فوق رأس كبش العيد.

لم أسأل جدتي لماذا،

لكنني عرفت السّبب في كلّ مرّة يظهر على التلفاز ذلك الشيخ ذو اللحية المخضبة

بالحناء،

ليفتي بأن تجمّل المرأة،

حرام!

* * *

جارتنا التي شاءت ألا تتزوج،

أو شاء الله لها ألا تتزوج،

لست أدري..

تقضي كامل يومها في تأمل المدرسة الابتدائية المقابلة لعمارتنا.

تقول أمي بأنها تفعل ذلك لرؤية الأولاد،

الذين لم تشأ أو لم يشأ الله أن تتزوج،

فتُرزق بهم.

ثم حدث أن اختفت!

واختفى معها حارس المدرسة الابتدائية المقابلة لعمارتنا.

تحدث الناس عن فضيحة،

إلا أمي،

تنهدت وقالت:

المسكينة،

وأخيرا ستُنجب أولادا كثر بعدد أولئك الذين في ساحة المدرسة الابتدائية المقابلة لعمارتنا.

* * *

لم يعد والدي يُطفئ المذياع حين نمر أمام

المقابر،

“الحرمة للأحياء قبل الأموات” يقول،

وقد ضاعت الأولى فما حاجتنا للثانية؟

لم يعد والدي يجلب معه علبة شكولاتة،

هكذا كان يفعل حين كنا صغارا.

يدخل إلى البيت، يكتفي بالسلام ويتكأ على الأريكة..

ليستريح من السلالم.

تقول أمي بأن وزنه قد زاد وهذا هو السبب،

أما شيبه وأدويته على يمين التلفاز فتشير إلى سبب..

آخر.

* * *

على واجهة مكتبة الحي،

كل يوم يعرض صاحبها أشياء جديدة.

لكنها سرعان ما تُباع،

إلا تلك الدمى المائلة إلى… لا أعرف اسم ذلك اللون،

بشعرها الأصفر الاصطناعي،

وعيونها الزرقاء البلاستيكية.

لم تعد البنات يُردنها،

مذ نهرتهن الأمهات.

“إنها دمى تشبه الغربيات”،

تماما كاللائي يريد أن يتزوج منهن أخوتهن الذكور – الذين يفضلون الكرات، بالمناسبة.

فبقيت الدمى في مكتبة الحي.

وحين كبرت بنات الحي،

اللائي، بالمناسبة، درسن كلهن في المدرسة الابتدائية المقابلة لعمارتنا،

تزوّجن.

ويوم زواجهن صبغن شعرهن بالأصفر،

ووضعن عدسات زرقاء في عيونهن السوداء،

حتى أن بشرتهن أصبحت فجأة،

بلون لا أعرف اسمه!

* * *

في الحافلة المهترئة جلست فتاتين،

خلفي،

كانتا تتحدثان عن إعجابهما بتلميذين،

يدرسان معهما في الثانوية.

دفعت ثمن تذكرتهما!

وحين قالتا في غضب: “وين تعرفنا؟”

أجبتهما:

منذ أزيد من خمسة عشر سنة،

ستة عشر بالضبط،

أحببت فتاة في الثانوية.

لكني يومها ظننت بأنها لم تلحظ ذلك..

قطُ!

اليوم وبفضلكما أدركت بأنها كانت أيضا تحبني،

ولا يهم إذا هي الآن زوجة رجل آخر.

ولها ابنتين،

أو ثلاثة كما سمعت.

سمعني القابض الذي درس معي في المدرسة الابتدائية المقابلة لعمارتنا،

والذي سمع أيضا عن عزوبيتي الدائمة فهمس في أذني:

الغاسول يليق بك.

* * *

في مدخل الجامعة شابة تبكي،

لكن الناس لم يروا دموعها،

وكل العابرين يربتون على كتفها البيضاء..

العارية،

كنا في الصيف وكان الجو..

حارًا!

قالت فيما قالت بأن السافل قد خدعها!

لقد منحته مالها،

وذهبها،

وأشياء أخرى!

لم أربت على كتفها كما فعل الآخرون،

لم أمسح دموعها.

قلت لها فيما قلت:

“[…] أو ربما أنت من حاول شراءه!”

سكتت فجأة،

انتفضت من مكانها،

وانصرفت.

قال قائل: كيف استطاعت أن تلبس هذا السروال؟

لم أتفطن إلى الأمر لأني كنت أقول بيني وبين نفسي:

لماذا لم تنفض سروالها من الغبار الذي..

جلست عليه!

ثم ماذا كانت تقصد بجملتها “أشياء أخرى” حين تحدثت عمّا

منحته

لذلك السافل.

* * *

يوم نشرت هذا النص لم يُعجب به أحد.

أقنعت نفسي بأني شاعر عظيم،

أما هُم

فمكبوتون.

لقد انصرفوا لكتابة تعليقات على قصائد شاعرات،

ليس لهن من الشعر والقوافي إلا..

تكوّر النهود كحرف نون سقطت نقطته إلى أسفل،

ومؤخرات ..كياء مقصورة!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يمينة مشاكرة : شاهدة على غرق السفينة

في  19 مايو تحلّ ذكرى رحيل الكاتبة الجزائرية يمينة مشاكرة (1949-2013) الكاتبة والطبيبة المختصّة في …