الجمعة، 20 سبتمبر 2019

يمينة مشاكرة : شاهدة على غرق السفينة

في  19 مايو تحلّ ذكرى رحيل الكاتبة الجزائرية يمينة مشاكرة (1949-2013) الكاتبة والطبيبة المختصّة في الأمراض العقلية. اشتهرت خاصة بروايتها : “la Grotte éclatée” ، التي كتبتها باللغة الفرنسية، وصدرت طبعتها الأولى سنة 1979، عن المؤسسة الوطنية للكتاب في الجزائر، كان يجب انتظار عشر سنوات بعد ذلك أي في سنة 1989، لتصدر ترجمتها إلى اللغة العربية عن نفس الدار، تحت عنوان : “المغارة المتفجرة”، من طرف الكاتبة والمترجمة اللبنانية عايدة أديب بامية.

ورغم أن يمينة مشاكرة أصدرت عملاً روائيا ثانيًّا، تحت عنوان “أريس” عن دار المرسى سنة 2000، غير أن هذا العمل لم يحظ بنفس اهتمام وشهرة روايتها الأولى”المغارة المتفجرة”، ويعود ذلك فيما يبدو إلى المقدّمة التي خصّها بها الأديب الجزائري الراحل كاتب ياسين، والذي لم يكتف بإشادته لمحتوى الرواية وتقنيات كتابتها، معتبرًا إيّاها قصيدة طويلة نثرية، تُقرأ كرواية، بل تجاوز ذلك، إلى دعوة الجميع لقراءتها ذلك لأن “المرأة التي تكتب في الوقت الحاضر في بلدنا، تساوي ثقلها باروداً” كما كتب يقول صاحب رواية “نجمة”.

يمينة مشاكرة

في كتابه الموسوم “يمينة مشاكرة، حوارات وقراءات”، الصادر عن منشورات الشهاب (الجزائر 2014 ) والتي ترجمت مقتطفات منه إلى اللغة العربية الشاعرة لميس سعيدي، يحاور الكاتب والإعلامي رشيد مختاري، يمينة مشاكرة، التي ستكشف تفاصيل لقائها مع صاحب رواية “نجمة”، يوم انتهت من انجاز مخطوط روايتها. هكذا نصحها بعض من أصدقائها بالتقرّب من كاتب ياسين، باعتباره الكاتب الوحيد الذي بإمكانه أن يفهمها “كانت المرّة الأولى التي أسمع فيها باسم كاتب ياسين”. تقول يمينة مشاكرة، التي تضيف: “بعدها ببضعة أيام جاء لزيارتي في المدرسة الداخلية، واطّلع على مخطوط “المغارة المتفجِّرة”، قرأ باهتمام الصّفحة الأولى، أذكر أنّه كان يدخّن والرماد يتساقط على أوراق المخطوط، مخلّفا فوقها أثار حروق، أخذ قلماً وشرع في تدوين بعض الملاحظات، كان يقرأ دون أن تظهر على ملامحه أيّة ردّة فعل.  ثمّ قال: “بعد شهر سأعود لزيارتكِ”.  ثم تمضي  قائلة: ” كنتُ طالبة شابّة في كلّيّة الطبّ، وكان كاتب ياسين، يبلغ من العمر 43 سنة. كان رجلا وسيمًا جدّا غير أنّني لم أدرك ذلك حينها. سرح بأفكاره قليلا، خاصة أنّه كان قليل الكلام، ثمّ قال بحماس: “كتبتِ كتابًا جميلا جدًّا. ألم تسمعي بي من قبل؟”، “لا!” قلتُ. ثمّ أضاف مبتسما: “ستكونين علامة فارقة في جيلكِ”. ثمّ وقف، حيّاني وانصرف.

تتناول رواية “المغارة المتفجرة”، على ضوء التحليل النفسي لشخصياتها، الاضطرابات النفسية والتشوّهات الجسدية، التي تعرّض لها الجزائريون زمن الحرب. هكذا تقتفي أثر فتاة يتيمة الأبوين، التحقت بالثورة الجزائرية، على الحدود التونسية، كممرّضة تتكفل بعلاج جرحى الحرب. ستقيم داخل مغارة جبليّة، يستخدمها الثوّار كمستشفى ميداني، يسمح باستقبال الجرحى ومعطوبي الحرب. “بعثوني حيث تدقّ طبول الحرب بدون توقف، فتعلمت كيف أموت وكيف أحبّ الناس. وكيف لا أحبّ الناس وقد غمست أصابعي في دمائهم، ولملمت أمعاءهم، وتنشقت رائحتهم العفنة، وتلقيت آخر نفس لهم. كانت وجوه الجرحى الجانبية النحيلة، ترقص من شعلات الشموع، الموضوعة على حافات المغارة، فتتشكل على حجمها وتصير ضخمة جدًا”، تقول الممرضة بطلة الرواية.

ستصغي لبوح الجرحى والمعطوبين، وتسجّل تفاصيل اعترافاتهم عبر توالي فصول الرواية. معتمدةً على الملاحظة وطرح الأسئلة. ستقع في حبّ أحد الثوّار الجرحى، ليتوّج حُبّهما بزواج باهت وسط عتمة المغارة، بلا بهرج أو احتفالات. وسرعان ما يتعرّض الموقع إلى قصف جوي مدمّر، لم يلبث أن تفقد زوجها، ويصاب طفلهما بتشوّه في رجليه ويفقد بصره، هكذا وأمام هول ما عاشته ستصاب بما يشبه الجنون.

ترسم البطلة الممرضة،عبر لوحات استردادية، ملامح تلك المعاناة، وتحرص على ربطها بأحداث تاريخية معيّنة، موزّعة على أربع وعشرين لوحة ، تبدأ بلوحة أول نوفمبر 1955، تاريخ انطلاق الثورة الجزائرية، وتنتهي باستقلال الجزائر في 05 جويلية 1962.

المغارة المتفجرة

يرى الكاتب الجزائري مرزاق بقطاش (1945-) الذي كان يعرف يمينة مشاكرة حقّ المعرفة، أنها كانت قادرة على كتابة أشياء عديدة، لأنها كانت تعرف وضعية المرأة الجزائرية، وأنها “كانت تعاني ضغوطا نفسية، دفعتها إلى أن تركز جهودها كلها، على الحالة الانثربولوجية للإنسان الجزائري ليس من أجل فهمه فحسب، بل من أجل إيجاد حلول للمشاكل والعقد النفسية، التي ورثها من الاستعمار الفرنسي، والمتولّدة من الإرث التاريخي الثقيل في نطاق العلاقات بين الفرد والفرد، وبين الفرد والمجتمع كله”.

رحلت يمينة مشاكرة عن عمر يناهز الـ64 سنة، في صمت، بعد معاناة طويلة مع المرض. ستسقط في سنواتها الأخيرة فريسة الاضطرابات النفسية وهي الطبيبة المتخصصة، داخل إحدى المصحّات النفسية في الجزائر العاصمة التي كانت تعالج فيها. ذلك أنها ستعيش أهوالاً أخرى، غير تلك التي كتبت عن تفاصيلها داخل المغارة أثناء الاستعمار الفرنسي. ستعيشها بعد استقلال بلدها، سنوات التسعينيات، بكل مآسيها. وسيحيل الغُبن والتهميش الذي تعرّضت له أثناء حياتها، دون أن تثري الساحة الأدبية بأعمال أدبية أخرى، اكتشف المهتمون بالأدب الجزائري المعاصر، متأخّرين، قيمتها التاريخية والجمالية. في بلدنا كتب ياسمينة خضرا يقول : “الموهبة لا تشعّ نورًا، بل تُحرق. لقد نسيها الجميع. هكذا عاشت يمينة مشاكرة في أواخر حياتها شاهدة على غرق سفينة، حاول أن يلوذ بها أصحاب الضمائر والمخلصين في هذا الوطن. اليوم تقبع يمينة جاثمة على ذاكرتنا المنكوبة”.

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …

كونغو

فصل من كتاب “كونغو”

الخُبراء هكذا، كل أربعاء، ولمدة شهور، يلتقي كلّ من كورسيل، مالي، بوش، كاسرَوْ، سزشنيي، لامبَرمونت، …