الأحد، 21 يوليو 2019

معركة سلالم البريد المركزي والصّراع على السّلطة الرّمزية

احميدة عياشي

ما حدث أمس، في الحراك الشّعبي، من صراع بين قوّات الأمن والمتظاهرين السلميين، حول سلالم البريد المركزي، لم يكن أمرا عاديا أو بسيطا، بين متظاهرين وقوّات أمن، بل حمل معانٍ مكثّفة اختزلتها ما يمكن وصفه بمعركة السّلالم.

فمنذ ساعة مبكرة من صبيحة يوم أمس، الموعد الأسبوعي للتظاهرة الكبرى في العاصمة، وكذا في كل المدن الجزائرية، منذ جمعة 22 فبراير المدشنة لما سميّ في الميديا بالحراك ليدّل على ثورة بيضاء، ظهرت قوات الأمن على غير عادتها بأعداد كثيفة وحاولت تطويق البريد المركزي لتحول أمام المتظاهرين لاحتلال المكان والتّجمّع فيه كما تعودوا منذ أكثر من اثنتي عشر أسبوعا.

وكان الهدف واضحًا: منع الوصول لإلى السلالم بأي ثمن.. وبدا ذلك غريبا بالنسبة للمتظاهرين الذين تقبّلوا من قبل تطويق أمكنة في أعالي تليملي بالعربات الأمنية، بذريعة حماية النقاط الاستراتيجية، مثل قصر الشعب ومقر رئاسة الجمهورية، وكذلك أماكن أخرى في وسط العاصمة مثل مقرات التلفزيون الحكومي ورئاسة الحكومة والبرلمان ونفق الجامعة الذي وقعت فيه الأحداث التي أستخدمت فيها الغازات المسيلة للدموع وكادت أن تتسبب في كارثة إنسانية..

لم يحاول المتظاهرون الدخول في مواجهة مع قوات الأمن التي عملت على تضييق مساحات المسيرات، وبدا ذلك كاتفاق ضمني بين السلطة والمتظاهرين، وتحوّل مكانان مثل ساحة البريد المركزي وساحة أودان إلى نقطة لقاء مركزية للمتظاهرين كلّ جمعة، وبالتالي تحوّلت سلالم مركز البريد المركزي إلى ساحة الحرية ومنبرا لخطّاب الثورة  البيضاء من شعارات ورسائل موجهة للسلطة، ما جعل الحراك الشعبي يستغني عن ممثلين لينقلوا رسائله إلى السلطة، وربما شكّلت هذه الاستقلالية في تمثيل الذّات بهذه الجماعية والعفوية المنظمة نقطة القوّة للهبّة الشعبية التي تمكّنت طوال هذه الأسابيع من الصمود والاستمرارية والحفاظ على ديناميكية لم يتسرب لها شيء من الوهن والضعف والنضوب..

لم تعد سلالم البريد المركزي مجرد مكان للتجمع وإطلاق الشعارات، بل تحوّلت مع الأيام إلى عاصمة منطقة رمزية للحرية والتحرر من جغرافية النظام، شكلت منطقة محرّرة، تمّ فتحها شعبيا وسياسيا وثقافيا ودلاليا، منطقة خارج السيطرة، تلتقي فيها كلّ الأطياف المشكلة لهوية الثورة البيضاء، على منصتها الطبيعية.

كان يتشكّل الخطاب النقدي للسّلطة والردّ على كلّ مناوراتها، على أدراج سلالمه، كانت تنبثق لحظة السلطة المضادة وملامح جماليتها التي برهنت على قدرتها في صياغة بديل حيّ، يتمثّل في كتابة فصل الرفض والكشف عن كل عورات النظام والقوى الرجعية الجديدة التي أظهرت في بداية الثورة البيضاء استكانتها لتتأهب في اللحظة المناسبة للانقضاض عليها وبالتالي التخلص منها..

أصبحت سلالم البريد المركزي المكان الرمزي الذي راح يوفر المنصة الجديدة للإنشاء الثوري لقوى أخرى انحدرت من تظاهرة الجمعة الأمّ، مثل تظاهرات الطلبة كلّ يوم ثلاثاء، بحيث تحوّل هذا التاريخ إلى تاريخ رمزي في أجندة الحركة الشعبية، ومثّل قوة استقطاب لكل حركة احتجاجية ومن هنا راح يشكل في المخيال الجديد للفبراوريين رمزية نوعية تدلّ على زمن آخر، هو زمن الحرية والتحرر، زمن مناقض للزمن الماضي، زمن الخوف والإذعان..

ص: حمزة كحّال
ص: حمزة كحّال

يقع المكان الرمزي الذي وُلد من رحم ثورة فبراير غير بعيد عن الجامعة المركزية، التي كانت طوال الستينيات والسبعينيات مرتع النضالات الطلابية والحركات المطلبية السياسية، مثل حركة الربيع الأمازيغي في الثمانينيات وحركات الإسلام الاحتجاجي، ويقع في مركز يجمع بين شارعين يحملان اسمي شهيدين يختزلان في صفائهما الثوري واستشهادهما العظيم كلّ عظمة الثورة الجزائرية الأولى في مثاليتها وطابعها الانساني الكوني.. وهما العربي بن مهيدي وديدوش مراد..

لم يكن قبل 22 فبراير سوى مكانا خال وبعد أن أفرغ البريد من موظفيه، يجلس فيه المتسكعون، والشباب البطال، لكن تحول بعد هذا التاريخ إلى مكان حاضن للثوار السلميين، وللخطاب الجديد الحامل للحلم الوطني الحديد، الحلم الديموقراطي الذي يمثّل الشباب ومختلف الفئات مثل الطلبة ونشطاء المجتمع المدني من حقوقيين وفنانين ومحامين..

أصبح المكان ولاّدا للرمزية الجديدة الحاملة في ثناياها ملامح البديل، وعلامات الزمن الجديد، وهذا ما دفع السلطة تجعل من عملية استعادتها لسلالم البريد المركزي لحظة مهمة لأثبات قوتها وهيمنتها وسلطتها. كانت تدرك إن كسب المعركة الرمزية من طرف المتظاهرين هو بداية تسليمها بسلطة الشعب التي قد تفرض خريطة طريق جديدة تحرمها من صناعة النظام الجديد الذي لا تريده أن يتشكل من خارج إرادتها وخطتها.. أي من خارج النظام الذي ظل يجيد عملية التجدد منذ انقلاب 19جوان 1965، مرورا بتجديد جلده في 1979 و1988 و1999.. أي المحطات التاريخية التي شكلت تحديات كبرى لمصيره وقدرته على البقاء والاستمرار في الوقت ذاته..

إن تخلي قوات الأمن بعد ساعات من المواجهة العنيدة مع المتظاهرين لم تكن بالنسبة للسلطة الفعلية هي نهاية المعركة، بل قد تسعى للتحايل من أجل البحث عن ذريعة لوضع فاصل بين المكان المفتك من قبل جماهير المتظاهرين وتقديم حيلة تقنية لتجنب الصراع الذي كشف عن حدود السلطة في مواجهة سلاح السلمية، التي لم تكن مثلما كان يتصورها النظام أنها تعبير عن السلبية أو العجز في مقارعة قوة السلطة عندما تكشف في اللحظات العصيبة ولحظة الحقيقة عن وجهها العاري.

لقد كانت كلّ من ساحتي الشهداء وأول ماي مركزا الصراع الرمزي على امتلاك سلطة الفضاء بين الإسلاميين الراديكاليين ممثلين في الفيس والسلطة في بداية التسعينيات.. وقد جعل الفيس من الساحتين مكانا للاعتصام الذي مهّد للعصيان المدني والمواجهة المسلحة بين قوات الأمن والجيش من جهة والإسلاميين الراديكاليين من جهة.. وانتهى الاصطدام الصاخب بانفجار العنف الذي فتح الطريق لقيام الحرب الأهلية طوال سنوات التسعينات، التي لم تقض على المشروع الاسلامي بقدر ما قضت على المشروع الديموقراطي وأعادت النظام الذي كان مهددا بالرحيل عشية انتفاضة أكتوبر 1988 إلى مقدمة المسرح السياسي من جديد عبر عودة أحد مؤسسيه التاريخيين إلى الحكم والواجهة السياسية تحت يافطة السلم وتحقيق المصالحة الوطنية الكاذبة..

إن الفرق بين اللحظتين، هو أنّ اللحظة الأولى كانت صراعا بين شموليتين، وبين شعبويتين، الشعبوية التسلطية الوطنية الآيلة للأفول والتسلطية الشعبوية الإسلاموية الصاعدة والملتفة على الدينامية الاجتماعية المتولدة من صلب انتفاضة أكتوبر، أما اللحظة الجديدة الحالية فهي لحظة شعبية عميقة غير مؤمّمة من أي قوى سياسية تقليدية، لحظة خارج الأطر المهيمنة، تمكنت من كبح تناقضات ديناميتها لتحوّلها إلى مصدر قوة جامعة ذات توجه تقدمي غير أيديولوجي يتمثّل في رغبة تحقيق القطيعة مع نظام تمكّن لعقود من الاستيلاء على وطن، وإخضاع شعب وأجيال لشراهته التسلطية وهيمنته السلطوية وشمولية نظامه ذي النزعة الأوليغارشية..

تكمن دلالة معركة سلالم البريد المركزي في هذا النزاع الرمزي بين رغبة تملك المكان من قبل الشّعب على أساس الإرادة العامة ونزعة السّيطرة التسلطية التي تريد أن تكون هيمنتها كليانية وشاملة ليس فقط على الأفكار، الرؤى والأفراد بل على كلّ الفضاءات لتكون فضاء واحدا غير متعدد، فضاءا خاضعا لمركزيتها وأحادية سلطها ونظرتها..

إن القوة الداخلية التي حررتها ثورة 22 فبراير وبعثتها من سراديب ما كانت تشكّل عرين عطالتها سيصعب إعادتها حيث كانت مهيمنة دياجير الخوف والصمت والعطالة، لأن دينامية 22 فبراير، ليست إلا في بداية تاريخها الذي سيشكّل لحظة نهاية وبداية في الوقت نفسه، نهاية تاريخ وبداية زمن مختلف سيطوي حقب نظام لم يعد قادرا على مقاومة الجديد واحتوائه أو تحريف مساره مثلما يريد البعض القيام بذلك من خلال إختلاق صراعات جهوية أو أيديولوجية ذات طابع دينوي أو تاريخي وهمي..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …