الأحد، 16 يونيو 2019

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

جمال بلقاسم
جمال بلقاسم

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري إيغلتون (Terry Eagleton) بعنوان “نظرية الأدب”. وفجأة سجّل ملاحظة حول الخيال “كقوة سياسية”. فجأة أيضا توقّفت أنا دون أن يتوقف هو، وهمست إلى شيء ما بداخلي، ليست نفسي تحديدا، فالناس لا يهمسون إلى أنفسهم فقط: أجل!.. “الخيال قوة سياسية”.

هناك من يتخيّل أنه يكسب الكثير من المال، وهناك من يتخيّل بأنه قد يقضي عطلة في مكان ما داخل هذا العالم، وهناك من يتخيّل بأنه لم يحصل على شيء، وهناك من أصبح يتخيّل بأنه سيعثر أخيرا على وطن ما يليق بأحلامه التي لم تكن صغيرة يوما ولكنها أيضا لم تكبر بعد، يتخيّل بأنه سيغيّر ويطير إلى عالم جديد شجاع (Brave New World)، ليس على طريقة ألدوس هكسلي بالضرورة، لطالما رغب فيه.

أجل، الخيال قوة سياسية حينما يتعلّق الأمر باستحداث وطن واختراعه لبعض الوقت قبل أن ننام. أو على الأقل أن نرغب في العثور على هذا الوطن ونحن نغط في النوم دون أن يتفطّن آخرون لذلك، لأنهم ينامون أيضا حينما ننام ليحلموا مثلنا، ليس بوطن طبعا، بل بشقّة أو بآخر طراز من السيارات الألمانية التي يقودونها نهارا حينما نستيقظ جميعا من النوم. الخلاصة أننا أصبحنا نسيّس أحلامنا وامتلكنا هذه القدرة على تشكيل وعي سياسي بلاوعينا، وهو أمر سيحفّز هذا اللاوعي على تنفيس أحلام مُسَيَّسَة.

في الحلم (الحراك) وحده نقترب من الصحوة الحقيقية. أي نقترب من حقيقية رغبتنا. وعندما يقول البعض أن الخيال هو آخر الدعامات لما نسميه بالواقع. فهذا لا يعني أن الحياة برمتها أحلام. بل ما نسميه بالواقع ما هو سوى وهم يحيط بنا. وإذا تأملنا قليلا سنجد ذلك ماثلا في بعض قصص الخيال العلمي: الواقع حُلْمٌ مُعَمِّمٌ للوهم. القصة تروى دائما من وجهة نظر البطل (المعادي للحراك مثلا) الذي يحبك اكتشافا مرعبا مفاده أن جميع الناس من حوله ليسوا حقا بشرا ولكنهم أنواع أخرى من الآليين، والروبوتات. محاكية للبشر في عملها ورؤيتها، وفي نهاية هذه القصص طبعا، يكتشف البطل بأنه هو ذاته إنسان آلي وليس كالبشر.

نحن نقترب من الواقع عبر الحلم وهذا الاقتراب يفترض بطلا جديدا وهو الشعب، بطل يستطيع أن يروي حكاية أخرى: بأن الناس لم يعودوا يصدقون تلك الحكايات الكبرى (Meta-narratives) التي هيمنت علينا من قبل رواة آخرين (العلماني، الإسلامي، الجهويات، العرقيات، المال، فرنسا، إلخ). بطل يستطيع أن يقول كما قال غاندي ذات يوم: بأن القوانين لن تكون قوانين ما لم تكن عادلة، وبأن السياسات الحديثة حوّلت القانون إلى صنم، فقط لأنه قانون.

بطل يستطيع أن يقول: بأنهم حولوا أخطاءهم إلى مصير يريد أن يفرض نفسه علينا كقدر محتوم. بطل يستطيع أن يقول: أننا نبحث عن “أرض مُرْتَجَّةٍ” يهجرها المطلق. أرض تغيب فيها القاعدة الوحيدة والمتفرّدة التي تدعي تفسير كل شيء. نبحث عن فكرة الضعفاء وليس الأقوياء، الضعيف الذي يعترف سلفا بانطلاء فكرة الضّعف على التفكير البشري. فكر أولئك الذي يرفضون المبادئ المفروضة عليهم بشكل سلطوي، ويبحثون عن تأويلات أخرى، يبحثون عن المحادثة التي ينصت فيها الأقوياء للضعفاء، بطل لا يتظاهر بالاختفاء، ويحاول أن يشهر ذاته ويعلن عنها كي يراها العالم فيصبح مكشوفا لها. بطل يكون معدلا ضد الحمارية. وببراعة يريد أن يسكن في جميع شؤون المعنى.

في الفلسفة يقولون إن الرؤية ليست هي التجربة الوحيدة للعين، العمى أيضا تجربة أخرى للعين داخل الوجود. أيها الحراك إذا أردت أن تهب خيالك قوة سياسية، فعليك أن تكون بارعا في فرز خيالاتك التي تنتمي إلى العمى أو البصيرة فيك، وإذا أردت أن توفّق في ذلك، فعليك أن تختار دائما أَخْيِلَةً مليئة بالألوان وتبعد عن أخرى لا يوجد فيها سوى الأبيض والأسود.

أردت أن أقول لك: لا تكن مَانَويّا (manichaeism) في أحلامك، لا يتخيّل العالم سوى بالأسود أو الأبيض (يا كحلة كحلة يا بيضة بيضة!).

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

احميدة عياشي يكتب: المزيّف وسلطة الحقيقي

ما نعيشه اليوم حدثان في حدث واحد. حدث من خارج النّظام ضدّ النّظام تشكّل في 22 …