الأحد، 16 يونيو 2019

احميدة عياشي يكتب: المزيّف وسلطة الحقيقي

احميدة عياشي

ما نعيشه اليوم حدثان في حدث واحد.

حدث من خارج النّظام ضدّ النّظام تشكّل في 22 فيفري، يتمثّل في ثورة سلمية شاملة، غير مسبوقة.

انخرطت فيها مختلف القوى الحيّة، داخل المجتمع الجزائري، وجدت في قلب دينامية جديدة بداية حياة بديلة لحياتها الأولى، التي وصلت حدودها القصوى، التي انبثقت من داخلها قوى متضادّة ومتناقضة جارفة في طريقها لعبة الصّراع الحيّ والخلاّق لأزمنة داخل صيرورة الزمن المتفجّر والمتلاشي دون سابق إنذار جليّ.

وحدث ثانٍ من داخل النظام هو عبارة عن انقلاب النظام عن نفسه من خلال تصميم جناح رئيس ضدّ جناح متهالك – كان الغالب والحامل في طياته في الوقت نفسه بذوره تأزمه وفنائه –.

يعد الحدث الثاني فرزا من تداعيات الثورة السلمية ومحطة لافتة من محطات التاريخ الناشئ، ينطوي على لحظتين متضادتين: لحظة مقاومة لوجهة الحدث الأساسي والأصيل من خلال التشويش على روح مسيره وخطّه التاريخي والحدّ من تدفقه الثوري والعفوي لإعادة صياغته عبر عملية متعددة الاستراتيجيات، غايتها الالتفاف عليه لتحويله من مساره الثوري إلى مسار آخر هو مسار الإصلاح. أي إجراء تعديل على النظام بالتضحية بجزئه التليد وبثّ الحياة في عروقه ليعود وكأنه نظام جديد، جلد جديد لنظام قديم.

أدرك قائد الجيش أن الثورة السلمية لم تكن راغبة من بدايتها في تصفية حسابها مع النظام القائم بواسطة العنف، لأن هذا الأخير لم يكن في صميم معادلتها وذلك ما أكسبها تميّزها َشموليتها وتعاطف العالم معها ومنحها القوة والجاذبية الدائمتين والنفس المتواصل والمتجدد، الذي جعلها تستمر لتحقيق غاياتها ومطالبها كلّ هذا الزمن الذي تجاوز إحدى عشر أسبوعا ولم يصبها بالنضوب أو العياء أو الركود.

لقد طرحت في طريقها كل ما كان بإمكانه أن يشكّل بدايات حقيقية لانحرافها أو انقلابها على نفسها لتتّخذ صراعات مسبوقة يتمكّن منها منطق العنف والفرقة والتفكّك إلا أن كلّ ذلك لم يحدث مما جعل هذه الثورة تجعل من سلميتها الدائمة والمستمرة صمام أمان وجدار ذاتي تحطمت أمامه كل محاولات الموجات المضادة.

اختار الجيش من خلال ممثله القايد صالح القيام بانقلاب أبيض ضدّ النظام من أجل انقاذ النظام.. وذلك عبر شنّ حملة اعتقالات اتخذت شكل إعلان الحرب على الفساد وفي الوقت ذاته محاكمات مغلقة لمن سمتهم بالمتآمرين على وحدة الجيش..

وهكذا نحضر لأول مرّة في تاريخ الجزائر قيام جنرال باعتقال عشرات الضباط السامين من صلب مؤسسته وملاحقة كلّ المشتبه بهم في تورطهم أنهم تورطوا في الفساد والتآمر.

إن سعة اعتقالات بمثل هذه الصورة لم تحدث من قبل، بل حدثت إلى حدّ ما عشية الاستقلال عندما اندلع الصراع على السلطة بين إخوة السلاح الخارجين لتوّهم من حرب ضد الاستعمار.

نحن اليوم أمام حدثين، حدث تاريخي في صميم مجرى التاريخ وحدث محرّف للتاريخ باسم تحقيق التّاريخ. حدث يؤسس لزمن جديد وحدث يحاول استعادة التاريخ الماضي كشكل من أشكال مقاومة التاريخ، يسعى إلى معارضة الحاضر بالماضي، بحثا عن إيجاد منفذ لإنقاذ النظام بفتح سبل تعمل على الدفع بالثورة إلى طريق غير طريقها، هو طريق الذي يحاول كتابته رواد الانقلاب الابيض ليس فقط على النظام، بل في الحقيقة على روح الثّورة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

17 ماي بالجزائر: حراك ومناهضة كراهة المثلية

تتوالى جُمُعات الحراك بكامل التّراب الجزائري من أجل حقوق الشعب وحرياته؛ ما أنقص رمضان من …

أيها الحراك.. الخيال قوة سياسية

ذات مرة كنت غارقًا في الاستماع إلى أحد طلبتي وهو يستعرض ملاحظته حول كتاب لتيري …