الأحد، 15 ديسمبر 2019

على هامش الحراك.. اللحظة الجزائرية وأسئلة ما بعد الكولونيالية

قلولي بن ساعد
قلولي بن ساعد

من يقدر على قراءة “اللحظة الجزائرية” – الآن – حيث تتشرذم النّخب المثقفة وتشتّت، مع انسحاب ممثّلي الواجهة السّياسية من ريبورتوار المشهد المتروك لحاله، مثلما قرأها المرحوم بختي بن عودة في مقاله “اللحظة الجزائرية بين قدر المعنى وواجب المفهوم”، في عزّ الأزمة الأمنية التي عرفتها جزائر التسعينيات؟

ثم ذلك القلق الانطولوجي وهو يُعيد اكتشاف الجزائر على صعيد القراءة مثلما كان يراه “كمدونة ثقافية وتاريخية وسوسيولوجية من وهم الدولة إلى رجّ الكبوتات” فيما كان يسميه “التأزم البنيوي للمجتمع الجزائري وهو محتار في شؤونه وظلال المعارك الفاصلة بين دور العقل – النخبة – الايديولوجيا” وغياب فعل المواطنة في الفضاء الاجتماعي السياسي وفي مخيال “المواطن” الذي حولوه إلى مجرد رقم مهمل لا يصلح سوى للتصفيق والتعبئة، وفي أحسن الأحوال اللامبالاة كأن وجوده وعدمه سيان. فلا أفق له ولا مجرد إحساس يدعوه لأن يعانق نهر المدنية والحياة الكريمة التي يرتضيها لنفسه للخروج عن نصّ التماثل والاستعباد وقيم الطاعة الأبوية السياسية والثقافية التي كرّستها مذاهب الجهل والعبودية والوصاية الناجمة عن صدمة اكتشاف الحرية ودمقرطة الحياة السياسية والمدنية.

مما لا يخفى على أحد أنه لا وجود لحد الآن لأدنى تصوّر لا في مخيال السياسي أو النخب الحاكمة منها أو تلك التي تدّعي معارضتها للوضع القائم ولا حتى في مخيال النخب المثقفة عن مشروع المجتمع الذي لم يتأسس بعد.

هذا يعني أيضا أنه لا وجود  لما يسمى بالأخلاق السياسية والقيم السياسية في الأداء السياسي لبعض ممثلي التيارات السياسية والواجهة السياسية وهي تتعارض أساسا مع مفهوم السياسة في منظور القدماء التي كانوا يرونها بوصفها “فنّ الممكن” وإن وجدت في بعض الأحيان أو تم التلويح بها في بعض الخطابات السياسية والتدخلات السياسية فهي لا تتجاوز كونها مجرد ورقة سياسية تخلو من كل القيم واليوتوبيا التي بشرت بها ثورة التحرير الكبرى و التي لا وجود لها إلا كمفاهيم أو شعارات عادة ما يتم التلاعب بها وتوظيفها لغايات إيديولوجية وسياسية لتحقيق بعض المكاسب الظّرفية الزائلة من خلال دغدغة عواطف وشعور الجماهير والكذب عليهم واستغلال “الرأسمال الرمزي” لشعوبنا المتمثل في كل القيم الرمزية والدينية والأخلاقية والثورية.

يحدث كل ذلك في ظلّ حالة من غياب الأداء السياسي والأداء الثقافي في بعده المرتبط بفلسفة الالتزام السارتري، مما مكّن النخب الحاكمة من التعامل مع المثقف النقدي بوصفه تابعا يضفي المشروعية على الخطاب السياسي الرسمي وممارساته وأن ما ينتجه هذا المثقف/التابع ينبغي أيضا أن لا يغرق في الغموض وأن يتجنّب اللغة التي لا تفهمها حتى النخبة المثقفة وأن يظل محافظا على شعرة معاوية التي تشدّه إلى وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية القائمة كي لا يزعج ليس فقط السلطة الفعلية بل أيضا “السلطة المرئية” بتعبير ميشال فوكو أو “السلطة الرمزية” بمفهوم بيار بورديو، التي تتشكل من كتّاب ومثقفين تسكنهم “عقيدة” الإلغاء المتجذرة في مخيالات المثقف الشمولي.

بالطبع هذا ليس غريبا، فأنظمة الحكم السياسي الشمولية المنبثقة عن حروب التحرير في العالم الثالث تنتج أيضا مثقفا شموليا يؤمن مثلها بالخطاب الأحادي والممارسة الأحادية وباحتكار الحقيقة والمعرفة والتاريخ حتى ولو حاول الكذب على نفسه وبناء خطابات ثقافية هي بعيدة كلّ البعد عن ممارساته اليومية ولا يؤمن بها أصلا، ولم تكن أبدا موضع همّ ثقافي ووجودي يسكنه.

فكل منظومات المعرفة والثقافة والتربية التي ترعاها مؤسسات الدولة وتسمح بها بتداولها في الفضاء الاجتماعي والثقافي والتربوي هي تدرك تماما أبعادها النفعية والتقنية المحضة لضبابية الرؤية لدى الأجيال اليائسة من المستقبل والتي لا تتجاوز طموحاتها لحظة افتكاك الرغيف ولا يمكن أن تساهم في بناء المواطن الحرّ وتنشئة جيل من المثقفين تتحوّل لديهم الأفكار إلى أفق بعيد المدى.

فلا معنى للأفكار خارج “محمولها التاريخي ونبضها العضوي” مثلما يرى غرامشي وما نراه من خروج عن الصّف وعن قيم “الطاعة الأبوية” لأنظمة الحكم الشمولية لدى بعض المثقفين الأحرار في بعض البلدان العربية هو مجرد استثناء وتمرد محدود التأثير ولا أهمية له ولعل رواية ” قصيد في التذلل” للطاهر وطار تعد بحقّ شهادة حيّة من روائي مكرس عن هذا “التذلل” والخيبة على الرغم من أن الطاهر وطار هو نفسه كما يعرف الجميع ترعرع وتشكل مساره النضالي والسياسي والفكري في ظلّ منظومة الحزب الواحد، الذي سرعان ما تمرد عليه بوصفه مبدعا في المقام الأول ولنزعته اليسارية التي لا تخفى على أحد وحتى نصوص التغيير إن وجدت فليس بإمكانها إحداث فعل التغيير المطلوب أو المنتظر من لدن “المثقف العمومي” حسب المفهوم الذي صاغه عزمي بشارة، فنصّ التّغيير يحتاج في منظور عزمي بشارة إلى “موقف عمومي” في فضاء هو “الفضاء العمومي” بالمعنى الذي نجده يتواتر في أبحاث آخر مفكر من مفكري مدرسة فرنكفورت النقدية وهو يورغن هابرماس.

لقد قام الباحث المغربي عبد الله المتوكّل بترجمة دراسة هي في الأصل مقدمة لملف بعنوان “النصوص التي غيّرت العالم”. الملف الذي أعدته مجلة لوبوان الفرنسية وأنجزه المفكر لوسيان جوم وساهم فيه نخبة من المتخصصين في حقول معرفية متعدّدة. رأى مترجم الدراسة  أنها تفرّعت إلى ثلاث محاور رئيسية تغطي ثلاث حقب متعددة هي القديمة والقروسطية والحديثة، ثم حاول البحث في ثنايا النصوص الثورية أو الحاملة للهم الثوري عما يربطها بوظيفتها المركزية وهي فعل التغيير الهادئ.

وقد تساءل: كم عدد النصوص التي غيّرت وجه العالم؟ بالفعل هناك نصوص عبر التاريخ ساهمت في محاولة تغيير العالم انطلاقا من قول شهير لماركس يتردد كثيرا على ألسنة المثقفين ودراسي الفلسفة القول الذي يشير فيه بوضوح بأنه ليس على الفلسفة أن تشرح الواقع ولكن عليها أن تغيّره ولا داعي لسرد بعض الأمثلة الدّالة على فعل التغيير بوصفه فعلا سياسيا بامتياز، لكن قبل ذلك كله هناك سؤال آخر قبل هذا السؤال أو هو مقدمة للسؤال الكبير: “كم عدد النصوص التي غيرت العالم؟”.

فقبل أن نتساءل عن عدد النصوص التي غيّرت العالم لا بدّ لنا من تفكيك مفهوم التغيير ذاته ووضعه في دائرة عدد من المفاهيم المجاورة له على غرار (الإصلاح/ النصر/ النجاح) على الطريقة الطباقية حسب نموذج إدوارد سعيد في النقد الطباقي، ضمن سياق تقابلي بين سياقين هما السياق العربي العالم ثالثي والسياق الغربي كالذي يقترحه المفكر التونسي فتحي المسكيني في كتابه المهم (الهجرة إلى الإنسانية) عندما يفضل استعمال عبارة النجاح بدل النصر ودليله في ذلك النهضة التي حققها المجتمع الغربي عندما حقّق الانتقال المنشود من شعوب تريد أن تنتصر إلى شعوب تريد أن تنجح، هذا الاختيار الذي قاده في مرحلة لاحقة للكشف عن الفرق الماثل بين الشعب والمجتمع، فقد يحقق الشعب نصرًا في مرحلة ما من مراحله التاريخية دون أن ينجح في الحفاظ على عوامل النجاح الكفيلة بإدامة فعل النصر، وحتى عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان فإنه ينبه إلى عدم الخلط بين بعدين أساسين هما البعد الإيتيقي والبعد القانوني.

فحقوق الإنسان كما تمثلها الغرب هي قضية مجتمعات وليست قضية شعوب إنها مسألة – يقول المسكيني – تتعلق بنموذج العيش وليس بحقوق المواطنة ولا شكّ أنه بهذا المعنى يريد التأكيد على نموذج العيش بما يجعل حياة الناس قابلة للحياة هذا هو مفهوم النجاح الذي يدعو له المسكيني مبقيا على مفهوم النصر ضمن بعده الهووي أو الهوياتي عندما يراد للفرد أن تكون الهوية أهم من الناس. وبالطبع فإن الشعوب والمجتمعات معا بمظاهر النصر وأنساقها الأخلاقية والثقافية المضمرة ليست من قبيل البدعة العربية، فحتى المجتمعات الغربية نفسها ومنذ اليونان يقول المسكيني كانت مولعة بثقافة النصر على حساب المعطى الوجودي والحياتي للإنسان أو ما يسميه إدوارد سعيد “بالدنيوة” هذا ما يفهم من كلام مؤلف كتاب (الهجرة إلى الإنسانية) عندما يشير إلى تمثال ساموثراكيس الذي يصور امرأة هي ربّة النصر ترفع اليد اليمنى لإعلان النصر وحيث لا تزال الرجل اليسرى في الهواء لم تلمس الأرض ثم يشير مرة أخرى إلى مثال ثان هو الآلهة فيكتوريا عند الرومان في أزمنة يسميها “أزمنة الدولة/ الأمة” المرتبطة حسبه بعصر هو العصر الفيكتوري، مستعيرا من الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو قوله أن العصر الفيكتوري كان عصرا حاسما في تاريخ الجنسانية في أوربا.

ومع ذلك لم تتوقف المجتمعات الغربية ما بعد الحداثية عند هذا الحدّ، بل أعادت صياغة العلاقة بين مفهومين أساسيين هما النصر والنجاح إلى حد ما وصفه المسكيني بالإستعاضة عن الشعور الهووي بالنصر بالإحساس الحيوي بالنجاح، مما يعني في منظور المسكيني أنّ ثمة نوع من المرور من حقبة هي حقبة المواطن/ العضو الهووي في شعب الدولة/ الأمة إلى حقبة الإنسان الشخص الحيّ، الذي يعيش وفق نموذج مجتمعي جديد.

ولأن القياس هو حوار مع الأعماق مثلما يقول فوكو فقد اكتفت الدولة الشعبوية الوطنية المنبثقة من رماد حرب التحرير الوطنية أو “دولة الاستقلال السياسي” حسب عبارة عمار بلحسن بطرح نفسها الممثل الوحيد للشرعية التاريخية، متجاهلة صرخة عبان رمضان القائلة بأولوية السياسي على العسكري، الأمر الذي تترجمه مقولة شهيرة وذات دلالة قوية لفرانز فانون عندما سئل ما الاستقلال فردّ قائلا “الاستقلال صناعة أرواح جديدة وليس مجرد استبدال شرطي أبيض بشرطي أسمر”.

فما المطلوب إذن؟ هل المطلوب هو “دمقرطة الديمقراطية”؟ حسب المفهوم الذي صاغه  إيتيان باليبار أو الانتقال من براديغم النصر إلى براديغم النجاح كما فعلت الدولة القومية الغربية وفقا لأطروحة المسكيني، خاصة بعد ثورة 1968 الفرنسية أو ثورة الطّلاب التي تسميها بعض الأدبيات بثورة المثقفين. علما أن التعددية السياسية والإعلامية والنقابية التي تمخضت عن خريف الغضب في أكتوبر 1988 لم يتم استثمارها بشكل منتج وفعّال وما تمّ تداوله و العمل به هو فقط دلالتها الصورية ولم تتم أية “تبيئة” لها كمفهوم على حدّ تعبير محمد عابد  الجابري لدرجة أنها انتقلت كما يقول عمار بلحسن “إلى أروقة الأحزاب السياسية وأدرجت ضمن مسائل خطيرة كاللغة والهوية والتاريخ مما عكس هشاشة و تسرعا من أروقة السلطة إلى فضاءات المجتمع أي من السياسة إلى الثقافة و من السياسي إلى المثقف ومن الخاطب الحزبي إلى الممارسة الاجتماعية والفكرية”.

و بهذا المعنى فإنه يستحيل على “دولة الاستقلال السياسي” أن تنجز ذلك الثالوث الشهير الذي أنجزته الدولة القومية الغربية كما عرفه يورغن هابرماس و نعني بذلك (العلمنة والديمقراطية والعدالة)، فهل ينجزه الحراك الشعبي الجزائري ممثلا في ثورة 22 فبراير 2019؟

الأيام القادمة هي وحدها الكفيلة بالإجابة عن هذا السؤال.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

أنبياء الفنّ السّابع في الجزائر

ناتالي فيناس. ترجمة: جلال الدّين سماعن رغم أنف الرّقابة، طفح على السّاحة جيل جديد من …

من الجزائر إلى ورقلة.. لماذا يُقاطع الجزائريون الثقافة؟!

تنويه أوّل: لا أتكّلم هنا عن الجزائريين الذين تصلهم الدعوات الرسميّة إلى مكاتبهم العريضة العازلة …