الجمعة، 23 أغسطس 2019

كيف نقضي رمضان وسط الحراك الشّعبي؟

فرحات عثمان

في نضاله المستميت لأجل حرياته، لا بدّ للشّعب الجزائري من الحرص على رفض أيّ صوم عن المطالبة بحقوقه وحرياته، حتى في شهر رمضان، بل وخاصة فيه، إذ الحقّ لا يُكتسب إلا بتمام الحرية في مجال الحقوق الفردية.

فلا مجال للحصول من أهل الشوكة، سواءً كانوا من السّياسة أو الدّين، على الاعتراف بتلك الحقوق والحريات المشروعة إلا بأن يبادر الشعب بفرضها، خلال حراكه الحالي، بكل عفوية وطلاقة بين مختلف أطرافه في حياته اليومية طيلة شهر رمضان الذي يظلنا هذه الأيام.

وهل أفضل من رمضان لذلك؟ ذلك من شأنه تدعيم نجاح الحراك للمرور به  إلى الثورة المبينة.

من الانقلاب الشعبي إلى الثّورة 

ما يحدث اليوم بالجزائر يشبه ما حصل في شقيقتها تونس؛ ونحن نرى ما آلت إليه الأمور بهذا البلد، حيث التفّ جنّ السياسية والدين على ما كان يُعتقد ثورة، بما أن الشعب انتفض لأجل حقوقه وحرياته، منقلبا على النظام البائد. فها هو لا يزال إلى اليوم تحت نير نظام لا يختلف عن السابق الذي اعتقد الخلاص منه، بما أن المنتفعين منه ظلوا على حالهم مع زيادة مستفيدين آخرين يستثمرون مثلهم في التشريعات المخزية الباقية على حالها.

لذلك قلنا أن ما حدث بتونس ليس إلا انقلابا شعبيا، إذ تمّ باسم التطلعات الشعبية، إلا أنه لم يرق إلى الآن إلى مستوى الثورة رغم ورقة التوت للانتخابات الموسومة جزافا بالحرّة والنزيهة. هذه هي الحال التي يسهر على أن تكون بالجزائر من يعمل جاهدا خفية على توضيب الأمور لمنع الانقلاب الشعبي الحالي من التجسد في ثورة حقيقية فيها الخير كله للشعب، وطبعا النقص الفادح لمصالح المنتفعين منه اليوم.

إن الثورة، ليست إلا الهيج، ما دامت لم تفتح المجال للبحث في أسباب المشاكل اليومية وإيجاد الحلول لحلّها؛ ومن ذلك قيل أنه من واجب المسلم الصحيح أن يثوّر القرآن، بمعنى البحث في معانيه وعن علمه، بالاجتهاد المستدام، لا أن يقبل بما حصل له من إرث، هو اجتهاد السلف الذي فسد اليوم.

هذا ما يجب أن يتم في الحراك حتى يكون بحق ثورة الشعب على النظام القائم، وهو المستغل للدين لأغراضه ابتغاء البقاء بسدة الحكم، مستعملا كل الوسائل المتوفرة لديه، الإسلام خاصة الذي جُعل الأفيون المعروف لتخدير الجماهير. ولا أدل على ذلك من شهر رمضان وقد أصبح شهر الصيام عن أبسط الحريات، ألا وهي حرية عدم الصوم.

لذا، لا يصبح الانقلاب الشعبي على النظام بحق ثورة لأجل الحرية إلا إذا بدأ بالثورة على الفهم الخاطئ للدين السائد بالبلاد، وأوّله لرمضان وهو على الأبواب.

لا صيام عن الحريات 

ليس شهر الصيام الصحيح هو الكفّ عن الأكل والشرب نهارا للتخمة ليلا، وفرض ذلك قهرا على الناس؛ بل هو واجب إطعام المسكين والجائع، وإن لزم الأمر بقيام المسلم بذلك في نطاق الكفارة بسبب أنه لا يطيق الصوم؛ وهذا من حقوقه المضمونة.

إن الصيام، أولاً وقبل كل شيء، هو الإحساس بما يشعر به من لا يقدر على الأكل ولا الشرب عاديا سائر الأيام؛ فكيف أصبح على الحال التي نرى: هذه التخمة في الأكل وهذا القهر على الامتناع العلني عن الأكل والشرب، وكأن دار الإسلام غدت سجنا، بينما هذا الدين، في فهمه الصحيح، يقدّس حقوق المؤمن وحرياته؟

المسلم الحقيقي في هذا الفهم الحصيف هو الذي لا يُسلم أمره إلا لخالقه، فلا يدين لأحد غيره؛ وذلك في كلّ شيء، خاصة في أمور إيمانه بمن خلقه؛ فله لذلك حرية الإيمان وأن يصوم أو لا يصوم. بل له أيضا حق ألا يصوم في محيط تطغى عليه المظاهر الخداعة لأن عدم الصيام لهو أفضل عند ربّه من الرياء والنفاق. ذلك لأن الإسلام هو دين النية الصادقة، وهي في الاقتناع بما يفعل العبد؛ فإن لم يكن مقتنعا بالصّوم، فله ألاّ يصوم، ولا مانع في ذلك حسب الدين القيّم رغم أنف فقهاء أدلوا برأيهم فأفسدوا دين محمّد!

هذا هو الإسلام الصّحيح الذي يجب أن يفرضه الحراك الشعبي، أي الدين حسب مقاصده السنيّة، التي هي العدل في كلّ شيء، لا ما وصل إليه فهم بعض البشر ممن اجتهد لزمنه فأتى بفقه كان صالحا، إلا أنه بار، إذ غدا مطيّة للإجرام، ماسخا الإسلام من دين الرحمة والإنصاف إلى دين الجبروت والظّلم.

رمضان الحقوق والحريات

الصيام هذه السنة بالجزائر لا يجب أن يكون إلا عن كل مظاهر التعجرف في فهم دين الإسلام، فالكف عن إعطاء المثل الفاسد؛ لذا، ليصم من يريد الصوم لربّه لا للتظاهر بورعه وتقواه! فلا تقوى صحيحة إلا تقوى القلب، لا تقوى الجوارح؛ بل إن المفطر في رمضان لأفضل عند الله لصدقه في فعله من المرائي، المنافق، الكاذب مع نفسه ومع ربّه.

ثم إن الصائم عن اقتناع وصدق نيّة لأفضل له أن يصوم وسط من يُفطر، إذ هذا يُقوّي من عزيمته ويُصدق سلامة قصده، فلا يجعله يتعلّل بضرورة عدم إثارة مشاعره. فهل الصائم الحقيقي بحاجة إلى من ينسيه ما يعانيه من الصوم إذا أصبح لديه محنة لظروف قاسية؟ أليست هي عندها مستحبّة لما فيها من تثمين لهذا الصوم الخاص لله فتُقوّيه؟

وبما أن رمضان هذه السّنة يأتي في مرحلة حاسمة من تاريخ الشعب الجزائري، الذي دعاه التاريخ لأن يكتب صفحة جديدة في السياسة البشرية، لا بد أن يبدأ هذا على مستوى الحريات الشخصية بالمرور من الإسلام السياسي المتهافت إلى سياسة الإسلام الحكيمة. فكيف يُطالب الشعب بحرياته من الساسة وهو غير قادر على القبول بها بين صفوفه برفض البعض لحقّ من لا يصوم علنا، فلا يغض النظر عن ذلك، إن حزّ في نفسه، كما يفرضه عليه دينه في فهمه الصحيح؟

لا بد لرمضان هذه السنة من أن يكون شهر الصيام الأصيل، أي الامتناع عما يُفسد الدين، وهو منع الحريات فيه؛ ففيه الممنوع وجوبيا الصيام هو عن الحريات، كل الحريات، وأولها الإفطار العلني! ولتكن هذه الخطوة الأولى لأجل المرور من الانقلاب الشعبي الحالي إلى الثورة المجيدة، حلم شعب المليون شهيد؛ فإذا هي ثورة الحريات بدءا برحاب الدين!

بهذا يصبح الإسلام لكل ثوّار الجزائر بدون استثناء دين الحقوق والحريات، كلّ الحقوق وكلّ الحريات، يتساوى فيها الحق في التديّن والحقّ في التنصّل من أي مظهر ديني، لأن الإيمان الإسلامي الحنيف هو حقّ العبد الحرّ الذي لا يُسلم أمره إلا لخالقه، فيحتفظ على تمام حريته مع سائر خلق الله.

إن المسلم المؤمن الصّحيح لهو الثّائر على كلّ استعباد لغير خالقه الذي يقرّ بحريته كاملة؛ فمتى أستُعبد المؤمن في دينٍ خلقه حرّا؟ ومتى استُعبد شعب الجزائر، خاصة اليوم وهو يكتب التّاريخ الجديد لحرياته؟ فلا صوم على أرضه عن الحريات.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …